انجزت اليابان مشروعاً يعد من اكبر المعالم الحديثة في عالم الجسور المعلقة في الكرة الارضية للربط بين جزيرتين من جزرها الرئيسية الاربع في اطار مشروع بدأ منذ ثلاثين عاماً ليفتح الطريق امام حركة الآليات والسكك الحديدية وليختصر همزات الوصل ومدة السفر ما بين المدن الى النصف تقريباً . وبدأ العمل في هونشو ـ شيكوكو عام 1970 وينتظر ان ينتهي العمل به في العام الحالي وينتظم مجال المشروع في سلسلة من عشرة جسور معلقة وستة مثبتة بكابلات, وجسر مقوس وآخر جملوني, اضافة الى 186 كلم من الطرق المرتبطة بها, ويتضمن المشروع جسور (كوروشيما) وهي عبارة عن ثلاثة جسور متتالية معلقة ذات مدة يبلغ طولها الاجمالي 4105 أمتار, وجسر (ايكوشي) الذي اعتبر اطول جسر مثبت بكابلات في العالم حين انجز عام 1991 كما كان الاول الذي استخدمت فيه اعمال انشائة هجينة من مدات طرفية خرسانية, ومدة رئيسية فولاذية, وذلك بحسب مهندسي جسور (هونشو ـ شيكوكو) . من ناحية اخرى, تمثل جسور (اكاشي ـ كايكيو) و(تاتارا) المنجزات الهندسية التي تكلل المشروع, والتي تدعي اليابان بأنها اطول المدات المعلقة والمثبتة بكابلات في العالم. وسوف يقزم جسر (اكاشي ـ كايكيو) مع مدة رئيسية من 1991 متراً ومدات طرفية يبلغ طولها 960 متراً, جميع الجسور الاخرى القائمة ويتمتع جسر (هامبر) في المملكة المتحدة, وهو الاطول حالياً في العالم, بمدة رئيسية بطول 1410 امتار ومدات طرفية من 280 و530 متراً ويتميز جسر (جرايت بلت ايست) في الدنمارك, الذي يشارف العمل فيه على النهاية حالياً, مع مدة رئيسية بطول 1624 متراً ومدات طرفية بطول 535 متراً, هذا الجسر بطول معلق اجمالي يبلغ 2694 متراً اما الطول المعلق الاجمالي لجسر (اكاشي ـ كايكيو) فيبلغ 3910 امتار أي 45% اطول من جسر (جرايت بلت ايست) . نقل معلق شكل مضيق (أكاشي) تحدياً بارزاً لمصممي جسر (اكاشي ـ كايكيو) بسبب سرعة تياره البالغة 1.4 أمتار في الثانية, وعمقه البالغ 50 متراً, واحوال التحمل الهزيلة, وحركة الملاحة الكثيفة كذلك شكلت زلزالاً محتملاً فضلاً عن احمال الريح مبعث قلق كبير, بما ان الامر يتعلق بتصميم جسر ثقيل جداً, بحيث ان الاحمال المتحركة التصميمية القصوى كانت لتوازي 9% فقط من الاحمال الاجمالية, وعلى نحو مغاير, افترض المهندسون احمالاً متحركة قصوى توازي 17% من الاحمال الاجمالية, على جسر (جورج واشنطن) في مدينة نيويورك, وبغية خفض الاحمال الجامدة لجسر (اكاشي ـ كايكيو) طور المهندسون سلكاً اكثر مقاومة (180كلج/ملم مربع) لتقليص قطر الكابل, ولاتاحة استعمال كابلين رئيسيين فقط بقطر 1.1 متر مقابل استعمال أربعة كابلات اقل مقاومة. واظهرت الدراسات التمهيدية ان جملوناً بعمق 7 أمتار يكون وافياً لمعيار الكمرة الجسرية لتصميم مقاوم لأحمال الريح بسرعة 80 متراً في الثانية, كما اظهرت الابحاث الاضافية انه فيما سيكون وزن كلا التصميمين هو نفسه, الا ان الاعضاء الجملونية يمكن تشييدها من دون اعاقة لقناة الملاحة الناشطة في مضيق (اكاشي) وعلى الرغم من ان الكمرة الجسرية الصندوقية سوف تبدو اكثر جمالية, فقد قرر المهندسون ان الجملون يتلاءم بشكل افضل مع التصميم والمعيار الانشائي. وصممت ابراج الاسلاك التي ترتفع 288 متراً, وهي اطول بكثير من أي برج جسري سابق اي بطول برج (ايفل) تقريباً صممت من خلال ثمانية مهمدات ضخمة منسجمة, يزن الواحد منها عشرة اطنان وقد وضعت على علو 210 امتار لخفض الانحرافات الجانبية, وزودت الابراج ايضاً برباطات ملفتة للنظر مقارنة مع الرباطات الافقية المستعملة للدعم الجانبي في جسور (هامبر) و(جورج واشنطن) و(فيرازانو ـ ناروز) . وللاستقصاء من حول الثبات الايرودنيامي للتصميم بنت سلطة الجسر اليابانية اضخم نفق هوائي في العالم في (معهد ابحاث الاشغال المدنية) في مدينة (تسوكوبا) الواقعة على بعد ساعة من مدينة طوكيو وصيغ جسر (اكاشي ـ كايكيو) بمقياس 100/1 عن طريق استعمال نموذج مرن ثلاثي الابعاد بطول 40 متراً, وذلك لمعاينة ثبات جميع المراحل الانشائية والبنية المنجزة, وقد اظهرت الاختبارات ان اضافة ذراع فولاذية عمودية مثبتة تحت بدن الطريق لجملون المدة الرئيسية سوف يتطابق مع مستلزمات التصميم. وبدأ العمل بالبنية الفوقية في مايو ,1988 من خلال تحضيرات تحت سطح البحر لتركيب القيسونات الدائرة التي يبلغ قطرها 80 متراً لكل برج من الابراج, وقد انجز العمل بالأساسات عام 1992 وتبعه تشييد الابراج عام 1993 وتركيب الكوابل عام 1995 وتشييد الكمرة الجسرية المقومة عام 1997. اختبار مزلزل بعد سنين من الدراسة التصميمية الزلزالية لجسر (اكاشي ـ كايكيو) توصل المهندسون الى ان الاجهادات المحدثة بواسطة التسارع الارضي تكون عادة اقل من تلك المحدثة عن طريق رياح مطابقة لاعصار استوائي وصباح 17 يناير 1995 اخضع زلزال (هانشين) هذا الاستنتاج للاختبار, فإذا بمركز الهزة التي بلغت قوتها 2.7 درجات (مقياس ريختر) التي ضربت مدينة (كوبي) اليابانية يقع تقريباً بشكل مباشر تحت جسر (اكاشي ـ كايكيو) . في هذا الوقت, كان قد انجز بناء الابراج, وركبت اسلاك الكابلات المجدولة في مكانها, فيما كانت اعمال ضغط الكابلات جارية, بالتالي, بينت اعمال المعاينة انه في حين لم يتضرر اي من العناصر الانشائية الرئيسية فإن اساسات الابراج ومجموعة قواعد التثبيت قد تغيرت على نحو صارم, مما تسبب بزيادة 8.0 متر في طول المدة الرئيسية لذلك توقفت الاعمال الانشائية لحوالي شهر, فيما عمل المهندسون الذين شككوا بإمكانية تبدل الابراج على هذا النوع العنيف جداً, كي يبلغوا الى حل في آخر الامر, قرروا انه بالامكان اصلاح المقاطع الجملونية لتتناسب مع الشكل الهندسي الجديد, وتواصل اعمال البناء وبسبب الزلزال بلغ ارتخاء الكابل الرئيسي على الجسر المنجز 3.1 متر, اقل مما هو عليه في التصميم الاساسي كما ان طول المدة الرئيسية بلغ, في الواقع ,1991 متراً, بدلاً من 1990 متراً كما هي مصممة في الاساس. وصمم جسر (تاتارا) اساساً, كجسر معلق تقليدي في اواخر الثمانينات بدلاً من ذلك, اختار المهندسون هيكلية انشائية مثبتة بكابلات معاد تصميمها لتتخطى الرقم القياسي المسجل في جسر (النورماندي) في فرنسا, مما جعله متباهياً بمدة رئيسية بطول 890 متراً, فأصبح جسر (تاتارا) بذلك اطول بـ34 متراً من جسور (النورماندي) الذي يبلغ طول مدته الرئيسية 856 متراً, ويتميز جسر (تاتارا) بمدات طرفية بطول 320 و270 متراً, وبلاطة بعرض 4.25 متراً وعمق 7.2 متر, وابراج فولاذية ترتفع 220 متراً عن قواعدها. وصمم مهندسو جسر (هونشو ـ شيكوكو) عدة نماذج كبيرة القياس لاختبار اداء جسر (تاتارا) في ظل احمال الجاذبية والرياح وتوصلوا الى تحديد اداء الجسر بكامله تحت تأثير احمال عالية. طيف الكابل في الشكل الجانبي, يتمتع جسر (تاتارا) بانتشار للكابلات يشبه المروحة, وابراج نحلية عالية, وبلاطة جسرية نحيفة وهناك فقط عمود تثبيت عند جانب, وثلاثة أعمدة عند الجانب الآخر, مما يترك قسماً طويلاً نسبياً من البلاطة الجسرية محمولاً بواسطة الكابل, اما الابراج الفولاذية التي تأخذ شكل حرف Y مقلوب, فينشطر الى قسمين مربوطين بواسطة عنصرين افقيين وتنثني قوائم البرج تحت البلاطة مع بعضها وتستقر على الاساسات متقاربة بعضها من البعض, وتبلغ الفصحة البحرية اللازمة 26 متراً فقط لجسر (تاتارا) . وقد استبقيت الكمرات الجسرية الخرسانية للاجزاء الاكثر بعداً فقط لكل من المدات الطرفية, بينما بنيت المدة الرئيسية بكاملها فضلاً عن غالبية المدات الطرفية, من جراء استعمال مقاطع كمرات جسرية صندوقية من الفولاذ أخف وزناً, مما يوفر مقطعاً فولاذياً يبلغ طوله 1330 متراً. ويتطلع المهندسون في اليابان نحو ابعد من مدة بطول ألفي متر للاستقصاء من حول مدات بطول يتراوح بين 2500 و3 آلاف متر. ومن خلال اتمام مشاريع جسر (هونشو ـ شيكوكو) اثبت المهندسون اليابانيون مقدرة في العمل على اوسع مقياس, مع اقتراب أفول هذا القرن, وهم يتطلعون الآن الى مدات اطول باطراد في مشاريع لاحقة مستقبلية.