سويسرا الحائرة ما بين الحياد والاندماج مع أوروبا، وزير الاقتصاد السويسري لاندري: كيف ننضم الى الاتحاد الاوروبي

احتفلت سويسرا بمرور 708 سنوات على قيام الاتحاد السويسري, واضفى الجو الاحتفالي الذي عايشناه على ضفاف بحيرة زيورخ مزيداً من اعتزاز السويسريين على اختلاف ثقافاتهم الالمانية والفرنسية والايطالية والرومانشية باتحادهم الذي سجل عمراً قياسياً بالمقارنة مع الانظمة الديمقراطية القائمة في اوروبا . الا انه يمكن ملامسة مشاعر اخرى لدى بعض المثقفين السويسريين تتراوح ما بين الشعور بالعزلة وسط الجيران الاوروبيين, والانسلاخ التدريجي من الجسد الاوروبي تحت وطأة مبدأ الحياد السويسري الشهير وكذلك يمكن القول ان السويسريين عاشوا هذا العام مشاعر فرح ناقصة وغير مكتملة في عيدهم الوطني, لان مثقفيهم يرون ان الحياد في القرن المقبل يعني العزلة لدولة صغيرة مثل سويسرا لا تتجاوز مساحتها الـ 41293 كلم2 ولا يتجاوز عدد سكانها الـ 672.6 ملايين نسمة يعيشون على مساحة 40% من الارض المأهولة ونسبة الـ 60% الباقية هي عبارة عن سلاسل جبلية وهضاب خضراء تمتد ما بين جبال الألب وتلال (الجورا) ويحاول المثقفون التأثير على اتجاهات الرأي العام وتعديله لصالح اجراء استفتاء عام بخصوص الانضمام الى الاتحاد الاوروبي ويرى العديد منهم انه لا بد من التكامل السياسي والاقتصادي والعسكري مع اوروبا, لكي لا يأتي يوم تشعر فيه سويسرا بالوهن وللحفاظ على الاتحاد السويسري الذي تأسس يوم 1/8/1291. الحياد السويسري تبنت سويسرا عملياً مبدأ الحياة منذ العام 1815م لكي تظل بمنأى عن الحروب والصراعات المسلحة في اوروبا ولذلك فإن سويسرا هي الدولة الوحيدة في العالم التي لا تتمتع بعضوية في الجمعية العامة للأمم المتحدة او الاتحاد الاوروبي ولم تكن يوماً عضواً في حلف عسكري او سياسي او في تكتل اقتصادي. ورغم ان سويسرا دولة غربية الا انها بعيدة تماماً عن المنظمات السياسية والعسكرية الغربية مثل حلف شمال الاطلسي ومنظمة الأمن والتعاون الاوروبي. ولكن السؤال الذي طرحناه على عدد من كبار المسؤولين والمثقفين السويسريين خلال زيارة الى جنيف وزيورخ هو: الى متى ستظل سويسرا على حيادها؟ وهل ستصمد طويلاً امام الاتحاد الاوروبي العتيد او حلف شمال الاطلسي المنيع؟ المثقفون هناك يرون ان هناك مخاطر شتى تحاصر سويسرا منذ شروع جيرانها الاوروبيين في بناء اواصر الاتحاد الاوروبي. ولا يخفون قلقهم من المستقبل وما قد يحمله لهم من مفاجآت غير سارة لان التكامل الاقتصادي بين دول الاتحاد الاوروبي ترك سويسرا في عزلة حقيقية فهذه الدول وحدت انظمتها وتشريعاتها وفقاً لسياسة التكامل والاندماج الكامل القائمة على اساس الحدود المفتوحة كما نجحت اخيراً في تدشين العملة الاوروبية الموحدة الـ (يورو) كما ان غالبية المثقفين السويسريين ليسوا سعداء وهم يقفون في طوابير مع جنسيات أجنبية امام ضباط الجوازات في مطارات دول الاتحاد الاوروبي, دون ان يحق لهم المرور عبر البوابات المخصصة للمواطنين الاوروبيين هذا التمييز بدأ يثير السخط لدى السويسريين ويعمق الشعور لديهم بضرورات البحث عن صيغة آمنة تؤكد هويتهم الاوروبية دون اهتزاز الصيغة السياسية للاتحاد الكونفيدرالي. في واقع الامر, تبدو القيادات السياسية غير قادرة على التغيير امام جمود افكار المواطنين السويسريين الذين يخشون من الانفتاح والتخلي عن مبدأ الحياد خوفاً على مكاسبهم التي حققوها منذ قرن مضى. * ماذا تحمل الألفية الثالثة؟ البروفيسور فرانز بلاك كارت وزير الدولة السويسري للشؤون الاقتصادية اكد الا احد يعلم كيفية الطريقة التي تنضم بها سويسرا الى الاتحاد الاوروبي, لان الناس في سويسرا يفكرون بطرق مختلفة (ويقول مازحاً) (ربما تشهد الألفية الثالثة للميلاد انضمام سويسرا الى الاتحاد الاوروبي) . لقد حاول الساسة السويسريون ادخال اصلاحات على النظام السياسي وفشلوا وكان آخرها توصية الحكومة والبرلمان للشعب عام 1986 بالتصويت على قرار انضمام سويسرا الى الأمم المتحدة كخطوة اولى للخروج من العزلة التاريخية الا ان نتائج الاستفتاء الشعبي جاءت مخيبة للآمال وبالرفض القاطع لتوصيات الحكومة والبرلمان.! ويرى بعض السياسيين في جنيف ان الوضع الحالي سيظل على ما هو عليه ما لم تتغير هياكل النظام السياسي للدولة, لان النظام القائم في سويسرا والذي حدده دستور عام 1848 ينص على تقسيم السلطة بين ثلاثة الاف وحدة محلية تتمتع بالحكم الذاتي و26 مقاطعة ذات سيادة, والقرارات السياسية تؤخذ في جميع الوحدات المحلية بواسطة مجموع السكان الذين يحق لهم التصويت, وهكذا فإن هذا النظام يعطي القرار للشعب وليس لرئيس الاتحاد, لان الرئيس ليست له سلطات فعلية على اعتبار ان الحكومة تتكون من 7 أعضاء (مجلس الرئاسة) يتناوب كل واحد منهم على الرئاسة لمدة عام واحد فقط, ويتم انتخاب اعضاء مجلس الرئاسة بطريقة حرة بواسطة البرلمان! في ظل نظام سياسي بالغ التعقيد تبدو امكانية التغيير ضئيلة وربما ستظل سويسرا محكوم عليها بعزلة الحياد الى ما لا نهاية. ربما كان الحياد في الماضي نعمة كبيرة لسويسرا لانها عاشت في رخاء وازدهار اقتصادي فيما كان كل جيرانها ممزقين تحت وطأة حربين عالميتين طاحنتين عامي 1914 و1945 ومن خلال كسب ثقة الآخرين استطاع اقطاب الصناعة المصرفية في سويسرا في جلب ودائع وكنوز اوروبا الى مصارفهم ففي الوقت الذي كان فيه الالمان والفرنسيون وغيرهم يبحثون عن الخبز والبطاطس كان السويسريون يأكلون الشوكولاته الفاخرة ويصدرون المجوهرات والساعات والادوات الدقيقة والتكنولوجيا الى معظم دول العالم. ما ان استقرت الاوضاع في اوروبا نسبياً, اي بعد سقوط الاتحاد السوفييتي والشيوعية وحلفة وارسو وانهيار سور برلين حتى بدأ الاوروبيون يقلبون صفحات الماضي ويصفون سويسرا بعدم التسامح, ولا شك ان الحركات اليهودية والصهيونية لعبت دوراً مباشراً في تضخيم الحملة ضد سويسرا واستعداء الشعوب الاوروبية على السويسريين. فقد اتهم السويسريون الذين لم يذوقوا ويلات الحرب العالمية الثانية بأنهم استثمروا معاناة الاوروبيين لتحقيق فوائد مالية واقتصادية كبيرة. كما اشارت الجماعات اليهودية في نيويورك شائعة مفادها بأن السويسريين كانوا في خدمة مصالح هتلر المصرفية, وخلق قناع زائف من الحياد حققوا منافع كبيرة. وكان الهدف من وراء هذه الحملة التي روجتها وسائل اعلامية عملاقة مملوكة لليهود في اوروبا والولايات المتحدة هو ابتزاز سويسرا والحصول على تعويضات وودائع اليهود الذين قتلوا في المذابح النازية المزعومة (الهولوكست) ابان الحرب العالمية الثانية. بالطبع رضخت سويسرا لهذه الحملة واستجابت لمطالب اليهود وقام رئيسها ارنولد كولر بزيارة الى اسرائيل في منتصف العام الماضي بدا خلالها وكأنه يعتذر عن ذنب لم ترتكبه بلاده او شعبها, ولكن الخوف من لعنة الغضب اليهودية والحيلولة دون تنفيذ تهديدات زعماء واباطرة المال اليهود بتحويل ودائعهم من البنوك السويسرية الى نيويورك ولندن! عبء الحياد هذه الشائعات, والمشاهد المؤلمة خدشت مبدأ الحياد السويسري وساهمت في تكريس فراغ من نوع آخر في الهوية الوطنية, ففي مثل هذه المواقف تجد سويسرا نفسها وحيدة في الميدان فهي وان كانت في قلب اوروبا الا انها من الناحية السياسية والهيكلية الاقتصادية والتشريعية ليست اوروبية, الامر الذي قد يجعل من حيادها عبئاً ثقيلاً على كاهل الحكومة ومجلس الرئاسة السباعي وقد يعمق ازمة الثقة والبحث عن الذات في المحيط الاوروبي الواسع, خاصة وان الاتحاد الاوروبي اصبح قوة سياسية واقتصادية وعسكرية لا يستهان بها, كما ان هذا الاتحاد نجح في اغراء دولة محايدة مثل النمسا في الانضمام الى عضويته قبل عامين بعدما ظل الساسة النمساويون يقاومون ذلك طيلة 40 عاماً الا انهم وجدوا ان البقاء خارج الاتحاد الاوروبي يفرض عليهم العزلة اضافة الى ان الاتحاد الاوروبي يعتزم ضم دول اخرى من شرق ووسط اوروبا مثل تشيكيا, المجر وبولندا في غضون عامين على ابعد تقدير ومع نجاح ألمانيا في توحيد شطريها وعاصمتها وتوليها زمام قيادة الاتحاد الاوروبي بدأت القيادة الالمانية التنسيق مع فرنسا لتكوين هوية دفاعية للقارة الاوروبية لتكريس وحدة اوروبا سياسياً واقتصادياً وعسكرياً بعيداً عن الولايات المتحدة ولذلك فإننا نلاحظ انه مع كل خطوة ناجحة يخطوها الاتحاد الاوروبي في توحده الاندماجي تسجل سويسرا تراجعاً وربما ستظل تدفع ثمن حيادها بشكل باهظ اذا حافظت على تقاليدها الديمقراطية والسياسية العتيقة. نمو اقتصادي معتدل ومع ذلك ينفي وزير الدولة السويسري للشؤون الاقتصادية الدكتور فرانز بلان حدوث اية مشكلات اقتصادية على غرار ما هو حاصل في دول الاتحاد الاوروبي بقوله (نسبة التضخم في سويسرا لا تتجاوز الـ (واحد بالمائة) ولا توجد لدينا بطالة والوضع الاقتصادي طبيعي اذ بلغت نسبة النمو الاقتصادي في العام الماضي 9.1% وبلغ الناتج المحلي الاجمالي 9.262 مليار فرنك سويسري. ويرى ان هذا الدخل المرتفع مع تعداد سكان محدود (11.7 ملايين نسمة) ادى الى ارتفاع دخل الفرد السويسري الى 042.42 الف دولار في العام الماضي وهو اعلى معدل للدخل الفردي في العالم. وربما لهذا السبب يرفض السويسريون الاندماج السياسي والاقتصادي مع اوروبا الموحدة غير ان بعض مثقفيهم يدعون لدراسة افاق المستقبل وانعكاساته على الحياد السويسري. ولا يعتقد الوزير فرانز بلان حينما سألناه عن اية تأثيرات محتملة لـ(اليورو) حدوث اية تأثيرات سلبية من جراء (اليورو) على الاقتصاد السويسري بقوله اليورو مرتبط بالاقتصاد الالماني القوي والمارك الالماني المستقر مدعوم مباشرة من المصرف المركزي الاوروبي كما اننا لن نتخلى عن الدولار الامريكي في الصناعة المصرفية التي تعتبر العمود الفقري للاقتصاد السويسري وسيظل التعامل بالفرنك السويسري واليورو جنباً الى جنب. وعلى الرغم من ان الوزير بلان لم يبد حماسه للحياد الى ما لا نهاية الا انه يؤيد خيار الشعب السويسري وقال: الشعب السويسري مقتنع تماماً بأن سياسة الحياد الحالية ناجحة جداً وحققت نتائج ايجابية له خلال العقود الماضية, وهي سياسة ضمنت لنا الحفاظ على الهوية الوطنية لفترة زمنية طويلة. زيورخ ـ جمال المجايدة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات