في دراسة حديثة للبنك الإسلامي، الشركات متعددة الجنسيات وراء تفاقم عجز الميزان التجاري للدول العربية

اعتبرت دراسة حديثة للبنك الاسلامي للتنمية أن الشركات المتعددة الجنسية لم تبادر ولم تستجب لحاجة الأقطار العربية لتغيير أدوارها في تقسيم العمل الدولى الا بصورة هامشية مشيرة الى أن غالبية البلدان العربية فقدت ميزاتها النسبية في الصادرات الأولىة التقلىدية عدا البترول مثل الصادرات الزراعية لدول المغرب العربي أو تراجعت فيها أهمية هذه الصادرات على نحو ملحوظ . وحمل البنك في دراسة بعنوان (الشركات المتعددة الجنسية والوطن العربي) تلك الشركات مسؤولىة تفاقم عجز الميزان التجاري لكثير من الدول العربية فرادى ومجتمعة باستثناء البترول حيث أن عمل تلك الشركات تنتهي الى تناقض داخلى عميق يتسبب في زيادة حجم الواردات والانخفاض لمعدل زيادة الصادرات عدا البترول. ولفتت الدراسة التي أعدها الدكتور عبد الله هدية عميد كلىة تجارة بور سعيد جامعة قناة السويس.. ان هذا التناقض يعني أن النموذج الاقتصادي الذي تكرسه الشركات متعددة الجنسية في الوطن العربي معرض للذبول خصوصا مع اتجاه العوائد البترولىة للانخفاض على المدى البعيد علما أنه كان من الممكن نظريا حل هذا التناقض لو أن البلدان العربية استمرت عوائدها البترولىة بصورة تمكنها من الاستغناء التدريجي عن الاستيراد بحيث تصوغ نمو هياكلها الانتاجية الداخلىة بما يسمح باشباع الحاجات الاجتماع ي ة داخلىا. مشيرة الى ما حدث خلال الفترة من 74 وحتى 1980 حيث تعاملت الدول العربية مع العوائد البترولىة باعتبارها ثروة استثنائية تاريخيا عبر ثلاث قنوات رئيسية لاعادة تدوير جزء من الفوائض التي أتيحت طوال الفترة المذكورة سواء بايداعها في البنوك الكبرى بالغرب أ و من خلال المشاركة في هذه البنوك والسماح لها بالعمل على تعبئة المدخرات العربية وتحويلها دون قيود تذكر. وأضافت الدراسة أن هدر الموارد البترولىة في بعض البلدان جاء عبر التوسع المبالغ فيه من الخدمات العامة والمرافق حيث أن هذا النوع من الاستثمار لا يوفر بديلا طويل المدى للدخل البترولى علما أن المرافق بطبيعتها تمثل هياكل تعزز من قدرة أصول منتجة قائمة على انتاج الدخل ولكنها لا تنتج هذا الدخل بحد ذاتها. وأشارت الدراسة الى أن هدر عائد البترول أيضا تم عبر اغراق جزء ضخم من العوائد البترولىة في حفنة من المشروعات الضخمة في عدد محدود من الفروع التحويلىة دونما رابط بينها وبقية الفروع التي تظل متخلفة ومنخفضة الانتاجية ومحددة الحجم أي غياب استراتيجية شاملة لبناء صناعات متكاملة اضافة الى أنه في أغلب الأحوال لا تصلح هذه الصناعات أساسا البتروكيماويات والصناعات المظهرية في قيادة نمو صناعي. ورهن البنك الاسلامي للتنمية مستقبل تلك الصناعات بامكانيات التصدير سواء انفتحت الأسواق الغربية الرئيسية أمام منتجات هذه الصناعات أو ظلت مغلقة بفعل الحوائط الجمركية والكمية. موضحا أن قدرتها على تحفيز التطور الاقتصادي الداخلى محدودة بجانب النفقات الهائلة من فوائض البترول على الأمور العسكرية خلال أزمة الخلىج الأولى والثانية. وحملت الدراسة بصفة أساسية النظم العربية هذا النمط من الاهدار أكثر مما حملته للشركات الى الشركات متعددة الجنسية بحد ذاتها مشيرا الى أن نمط تلك الشركات في الوطن العربي سواء من خلال الأشكال التقلىدية أو غير التقلىدية مثل المقاولات ارتبط بنهب خيالى للثروات العربية الا أن ذلك لم يكن نتيجة حتمية حتى في اطار النموذج الاقتصادي الذي تقوم علىه نشاطات هذه الشركات. وذكر هدية تحولات خطيرة في موازين القوى لصالح هذه الأقطار وأمكن لهذه الأقطار أن تترجم امكانيات القوة هذه بصورة متعددة منها دون شك تقلىص التعامل مع الشركات الأجنبية الى أقصى حد ممكن طالما توفر بديل محلى أو عربي آخر للنشاطات المعنية اضافة الى توجيه نشاطات هذه الشركات الى القطاعات والفروع التي تسهم في تنمية قدرات انتاجية محلىة وقومية منها توجيه القدرات المؤسسية على الرقابة وعلى استيعاب واعادة فك وتركيب المعرفة والحرفة التكنولوجية التي قد تأتي بها هذه الشركات خصوصا عندما يكون ذلك مرغوبا فيه وحيويا للتطور الداخلى.. الا أن الدراسة خلصت الى أن كافة هذه الجوانب للتعامل مع الشركات متعددة الجنسية أهملت في وقت كان من الممكن أن تطبق فيه بحزم. وطرحت الدراسة المستقبل المتصور لنشاطات الشركات متعددة الجنسية في الوطن العربي على الأغلب حيث سيعكس المستقبل الاتجاهات منها استمرار تفضيل الشركات متعددة الجنسية للعمل من خلال أنشطة مقاولات تسلىم المفتاح بعكس الهيكل القطاعي لهذه الأنشطة التفضيلات التي تضعها النظم العربية ذاتها مشيرة الى أنه على الأغلب ستتجه هذه التفضيلات الى قطاع الصناعة التحويلىة بصورة متزايدة على أساس نفس النمط القائم على استثمارات ضخمة في حفنة محدودة من المشروعات العملاقة. كما خلصت الدراسة أنه مع الهبوط المتزايد للعوائد البترولىة سيتجه حجم مشروعات المقاولات الى التناقض من حيث القيمة. وتوقعت الدراسة أن يؤدي ذلك الى ظهور مزايا كبيرة للانتاج الأجنبي داخل هذه الأسواق خصوصا لو اتجهت السياسة التجارية نحو التضييق من نطاق الليبرالىة التجارية فضلا عن احتمالات حدوث زيادة مطردة في حجم الاستثمار المباشر وتوسعة في قطاع الصناعة التحويلىة مع استمرار تركزه في حفنة محدودة العدد من البلدان العربية. وحذرت الدراسة من أن الوطن العربي سيمر بمرحلة التوتر في علاقاته بالشركات متعددة الجنسية تسود فيها ردود الأفعال من حيث الاستقرار لنتيجة تذبذب السياسة الرسمية بين ضرورات مواجهة العجز المحتمل والقائم في موازين المدفوعات العربية وما تؤدي الىه أنشطة الشركات من نزوح عكسي للثروة الا أن هذه التذبذبات لن تكون معممة على كافة الأقطار في نفس المراحل الزمنية بالتباين من بلد لآخر وفقا للمدى الزمني الذي تنقب فيه الموارد البترولىة القابلة للنزح والتصدير بمستويات تجارية. ونبه البنك الإسلامي للتنمية أن الخطر الأكبر على بلدان الوطن العربي وبلاد العالم الثالث يتأتى من تسلل هذه الشركات إلى البورصات المالىة لهذه البلدان والمضاربة على أسعار عملتها الوطنية خصوصا أنها تتملك عن طريق الشراء أعداداً هائلة من أسهم المؤسسات الإنتاجية كما أنه عن طريق البيع والشراء الفجائي يمكن أن يسبب انهيارات الأسواق المالىة لهذه البلدان الأمر الذي يؤثر مباشرة على سلبيا على حياة المواطنين وعلى استقرار نظم الحكم في الوطن العربي. وأشار هدية إلى أن العلاقة بين الشركات ذات الأعمال ا لدولىة والوطن العربي مرت بتحولات عديدة كان أكثرها أهمية بلا منازع عقد السبعينات والذي أسفر عن السيطرة على قطاع الموارد الطبيعية وتعاظم الثروة الناشئة عن الصادرات البترولىة علما أن الشركات متعددة الجنسيات تعبر عن ميول واضح للتطور الرأسمالى المعاصر نحو توحيد سوق التجارة الدولىة من خلال الأضعاف المستمر لقيود التعريفة الجمركية وتوحيد سوق المال والائتمان الدولى وتوحيد سوق التكنولوجيا من خلال حركة قومية نحو التنميط. وحددت الدراسة أشكال نشاط الشركات المتعددة الجنسيات في الوطن العربي من الاستثمار الأجنبي الخاص المباشر مثل التصدير والاستيراد عبر الحدود والعقود من الباطن وعقود الإدارة والخدمات والتراخيص لبراءات الاختراع والعلامات التجارية. وأشارت الدارسة إلى تفضيل الشركات متعددة الجنسيات التوسع في عملىات التصدير والاستيراد في كل من مصر وسوريا أكثر من الاستثمارات الأخرى وما ترتب على ذلك من ممارسة ضغوط على الحكومات لإزالة الحواجز الجمركية أو تخفيضها.. وفي المقابل كان تركيز الاستثمارات في الدول الخلىجية على الاستثمارات النفطية وهو ما حرم تلك الدول من دخول رؤوس أموال أجنبية جديدة للاستثمار في هذا القطاع الحيوي المهم. وحصرت الدارسة جنسيات الشركات متعددة الجنسيات في عدد من الدول الرئيسية مثل بريطانيا وأمريكا وفرنسا وألمانيا والىابان وإيطالىا, بالإضافة إلى ثلاث دول أخرى من الدول الصاعدة إلى التعامل في هذا المجال في المنطقة العربية مثل كوريا الجنوبية والهند وتركيا. كتب حسين عبد الهادي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات