يحتل ميناء الحمرية مكانة خاصة على خارطة الموانىء البحرية بدولة الامارات العربية المتحدة بشكل عام ودبي بشكل خاص, ولا تأتي هذه الأهمية من كونه أكبر موانىء الدولة مثلا أو اكثرها حركة ونشاطا, فهو لا يشكل شيئا كبيرا من هذا اذا ما قورن بالموانىء العملاقة الاخرى مثل جبل علي أو غيره . وترجع هذه المكانة تحديدا الى عاملين أولهما الأهمية التاريخية لهذا الميناء الذي يشكل جزءا رئيسيا من تراث الامارات, ليس التراث البحري أو التجاري, وإنما تراث الحياة على ضفاف الخليج, وهو في هذا بالفعل يعد أقدم موانىء الدولة قاطبة, وربما أحد أهم وأبرز الموانىء بمنطقة الخليج بشكل عام. أما العامل الثاني الذي يعطي هذا الميناء الصغير هذه المكانة الكبيرة فهو نوعية السفن التي تتعامل معه ونوعية البضائع التي تعبر من خلاله, فهو أحد الموانىء القليلة بالعالم كله التي تجمع بين الطابعين التجاري والتراثي جنبا الى جنب في عناق أبدي. خطط مستمرة ولعل هذه الأهمية كانت وراء جملة من خطط التطوير المستمرة للميناء تستهدف أولا الحفاظ على هذا الميناء التاريخي وقيمته التراثية, وثانيا دفع الحركة التجارية والسياحية بهذا الميناء للأمام ليكون أحد الأسس التي يقوم عليها اقتصاد دبي والامارات. (البيان) تكشف التقارب في هذا التحقيق عن مجموعة من خطط التطوير التي سيخضع لها الميناء والتي تم تنفيذ بعضها بالفعل, بينما لايزال البعض الآخر ينتظر تدبير الاعتمادات المالية والموافقات الرسمية للبدء في التنفيذ. يقول علي فولاد مدير ميناء جمارك الحمرية ان عمليات التطوير المستمرة غيرت شكل الميناء بالكامل, وهو الأمر الذي انعكس ايجابا على حركة التجارة به, حيث شهدت ارتفاعا كبيرا عام 1999 عن أي عام سابق, حتى فترة الصيف التي كانت تعتبر فترة ركود شهدت في صيف 1999 معدلات لم تشهدها في مثل هذه الفترة من أي عام سابق. وأضاف فولاد ان هذا التطوير المستمر يرجع الفضل فيه الى حكومة دبي أولا التي تولي هذا الميناء أهمية خاصة وتتولاه بالرعاية والعناية نظرا للأهمية التاريخية والتراثية التي يمثلها, ويرجع ثانيا الى السياسة التي يتبعها د. عبيد صقر بوست رئيس مجلس جمارك الدولة مدير عام جمارك دبي وذلك بالموافقة على أي مشروع للتطوير واعطاء الصلاحية للمسؤولين في الميناء لتقديم الافكار وتنفيذها. انتشال باخرة وأشار الى ان سياسة الميناء تقوم على تقديم التسهيلات والمعاملة الطيبة مع الشركات, ولهذا استطعنا جذب العديد من العملاء سواء شركات محلية أو عالمية تتعامل مع مثل هذه الموانىء. وعلى سبيل المثال, فمنذ أكثر من شهر تقريبا تعرضت باخرة صومالية للغرق في بحر العرب بعد ان خرجت من ميناء الحمرية, وعلى الفور اتصلت بنا السفينة للاستنجاد, وكان يمكن ألا نفعل شيئا فهي خرجت من الميناء وأصبحت في بحر العرب وأقرب الى موانىء اخرى أكثر منا. ومع ذلك قمنا بارسال احدى شركاتنا اليها وهي شركة مبارك للملاحة التي تتخذ من ميناء الحمرية مقرا لها, وتم انقاذ 70% تقريبا من البضاعة التي كانت تحملها الباخرة الصومالية, وعادت سفن مبارك للملاحة بهذه البضاعة الى ميناء الحمرية. ولم تتوقف التسهيلات عند هذا الحد, بل قمنا بوضع هذه البضاعة في مخازننا بدون مقابل مراعاة لظروف الجانب الصومالي الاقتصادية الصعبة, واعطيناهم خصم 20% عند المناولة في حالة اعادة التصدير مراعاة للخسائر التي تكبدوها ايضا. كرم الضيافة ويضيف علي فولاد انه في خضم العمل التجاري لم ننس الجانب التراثي لهذا الميناء التاريخي الذي يمثل تراث الآباء والاجداد, فقمنا بتطبيق فكرة كرم الضيافة العربية في الميناء وذلك بتوزيع الثمار والهدايا التي نستقبل بها السفن وتترك اثرا طيبا في نفوس العملاء وهو أمر مستمر على مدار الساعة. هذا غير العديد من التسهيلات التي تقوم في أي ميناء آخر بتكاليف باهظة ولكنها في ميناء الحمرية تقوم برسوم زهيدة أو بدون مقابل على الاطلاق مثل المياه النقية للشرب. وأشار الى تدخل الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع بالغاء الرسوم المتراكمة على السفن الحديدية الراسية في الميناء, وهذا كان له أكبر الاثر في دعم الميناء وفي تشجيع اصحاب السفن على اخراجها من الرصيف, فاستفدنا مساحة على الرصيف من ناحية وكسبنا هؤلاء العملاء من ناحية اخرى وانقذنا الميناء نفسه من كارثة لا قدر الله كان يمكن ان تحدث وهي تعرض هذه السفن للتآكل في حال استمرار وجودها بالميناء ثم الغرق, وكان انتشالها يحتاج الى تكاليف باهظة. خط سياحي وكشف علي فولاد مدير ميناء وجمارك الحمرية عن خط ملاحي جديد سيتم تدشينه لأول مرة من ميناء الحمرية ليضاف الى الرصيد التجاري والتاريخي للميناء رصيدا سياحيا ايضا. والخط الجديد هو خط ملاحي سياحي بين دبي وجزيرة كيش الايرانية, بحيث تكون نقطة الانطلاق والعودة هي ميناء الحمرية. وتقوم شركة عالم الملاحة, وهي شركة اماراتية بتشغيل هذا الخط الملاحي الجديد. ويقول فولاد ان هذا الانجاز الجديد ايضا ثمرة للتسهيلات التي يقدمها الميناء وللتعاون البناء بين الشركات الملاحية وادارة الميناء والذي يعود بالخير على الجميع. ويضيف: ان هذه الانجازات هي ايضا ثمرة لمجموعة من خطط التطوير المتواصلة سواء التي تم البدء بتنفيذها أو التي تنتظر الموافقة الرسمية. وعلى سبيل المثال فقد أدرجنا في الميزانية القادمة مجموعة من أعمال التطوير من بينها انشاء مبنى متكامل للميناء يضم جميع الشركات المتواجدة بالميناء, الى جانب الادارة وكافة الادارات الحكومية الاخرى التي تعمل في الميناء مثل شرطة دبي والهيئات والمؤسسات الأخرى مثل البنوك وغيرها. كما تم ادراج مشروع اقامة مظلات للصيادين ومشروع تمهيد رصيف الميناء الحالي الذي لم يتم رصفه منذ أمد بعيد وفي حاجة الى الرصف للحفاظ عليه من التآكل. رصيف جديد أما أهم المشروعات التي ينتظرها الميناء ومن المتوقع ان تحدث تغييرا جذريا في شكله وفي حجم الحركة به فهو مشروع انشاء رصيف جديد للميناء بعمق ثلاثة كيلومترات داخل البحر, اضافة الى الرصيف الحالي. ووفقا لدراسة الجدوى فإن التكلفة الاجمالية لهذا المشروع تصل الى 400 مليون درهم, وهي ميزانية كبيرة بالفعل. والمشروع حاليا في بلدية دبي في انتظار الموافقة ليتم البدء في اجراء المناقصات والتنفيذ. ويقول علي فولاد ان هذا المشروع كبير ويحتاج الى ميزانية ضخمة والى اعداد جيد, ولهذا فنحن ننتظر رد بلدية دبي, وعندما تصدر لنا الموافقة سنبدأ بالعمل مباشرة, وهذا الرصيف بعد انشائه سيمكن ميناء الحمرية من استقبال السفن الكبيرة التي لا يمكن استقبالها في هذا الرصيف, وبالتالي يمكن لميناء الحمرية ان يتميز على غيره من الموانىء بامكانية استقبال جميع انواع السفن سواء سفن الحاويات الكبيرة أو السفن الصغيرة والخشبية التي تعمل به حاليا. منطقة حرة وكشفت ادارة الميناء عن مجموعة من المشروعات التي تم تنفيذها بالفعل خلال الشهور الماضية والتي كانت عاملا اساسيا في هذا النشاط بالميناء, أهمها الانتهاء من تنفيذ منطقة التخزين المعفاة من الرسوم, وهي أول منطقة من نوعها داخل الموانىء, وهي عبارة عن مخازن كبيرة جهزت لاستيعاب البضاعة القادمة للميناء والتي سيتم عادة تصديرها مرة أخرى. فبدلا من ان تدخل هذه البضاعة الى دبي ويتم دفع الرسوم عليها ثم يعاد تصديرها ورد الرسوم مرة أخرى, قررت ادارة الميناء تسهيلا على العملاء انشاء هذه المنطقة لاستيعاب البضائع لفترة معينة يستطيع خلالها التاجر اعادة تصديرها مرة اخرى الى الخارج دون دفع الجمارك. وقد تم الانتهاء من اقامة هذه المنطقة بالكامل, حيث تسلمها ميناء الحمرية وبدأ تشغيلها مؤخرا. الميزان الالكتروني كما تم انشاء وتشغيل مكتب الميزان الالكتروني للشاحنات الذي بدأ عمله لأول مرة بالميناء, وهو الأمر الذي سهل كثيرا على الشركات, فقد كانت هذه الشاحنات في السابق تضطر الذهاب الى القوز أو العوير على مسافات بعيدة من الميناء لاجراء الوزن الصافي للبضائع ثم العودة الى الميناء, والآن أصبح كل شيء يتم داخل الميناء. كما تم انشاء مكتب للارشاد البحري مهمته مراقبة دخول وخروج البواخر عن قرب بعد ان كان هذا الأمر يتم من خلال البرج الموجود في خور دبي على مسافة بعيدة, والآن أصبح كل شيء يتم من داخل الميناء. والى جانب ذلك تم عمل مسح شامل للميناء وازالة المخلفات التي كانت به واقامة بوابات كبيرة للدخول والخروج من الميناء للتحكم والمراقبة التي لاتزال قيد التنفيذ مثل المسجد والاستراحات وأعمال التشجير. الاستقلالية ولم يقتصر الأمر على التطوير في الجوانب الانشائية فقط وإنما امتد التطوير ليشمل العنصر البشري والجانب الاداري. فقد بدأت دائرة موانىء وجمارك دبي التي يتبعها الميناء بعمل تجربة ادارية جديدة أطلقت عليها اسم (الاستقلالية) وذلك لفترة اربعة أشهر بدأت من يونيو وتنتهي في أكتوبر المقبل, وهي فترة يدير فيها الميناء نفسه بنفسه دون الرجوع الى الدائرة. ويقول علي فولاد ان هذه التجربة اذا نجحت فإنها ستعمم على بقية المراكز التابعة للدائرة مثل ميناء راشد أو جمارك المطار أو غيرها, بحيث تدار بشكل ذاتي مستقل. ومن ناحية اخرى, فإننا نطبق في ميناء الحمرية تجربة اخرى هي فكرة المدير المسؤول, حيث تقوم باختيار موظف يتولى مسؤولية ادارة الميناء لمدة اسبوع ثم يكتب تقريرا عن تقييمه لعملية الادارة وحركة سير العمل خلال هذا الاسبوع بسلبياته وايجابياته, وهي تجربة تفيد الموظف في تحمل المسؤولية والاطلاع على جوانب العملية الادارية. ويختم علي فولاد بالقول: ان عمليات التطوير هذه ساهمت في تحقيق الانتعاش بالميناء وزيادة حركة التجارة به بما لا يقل عن 20% في 1999 عن عام 1998. تحقيق: عبدالفتاح فايد