الوصف الدقيق لعملية (التوطين) هو انه قرار استراتيجي في اطار خطط التنمية الاقتصادية.. لا يتحمل مسؤولية تنفيذه فرد أو عدة أفراد وإنما قطاع بأكمله, فهو قرار يتحمل مسؤوليته كلا القطاعين العام والخاص وينفذ على خطط قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل.(البيان)ادراكا منها لأهمية مسألة التوطين وخطورتها في الوقت ذاته, فقد قادت حملة استمرت على مدار45يوما العام الماضي تزامنت مع بدء تنفيذ قرار مجلس الوزراء القاضي بتنفيذ نسبة 4% كتوطين في المصارف, والآن بعد مرور قرابة العام على هذا القرار.. ما هي أصداء عملية التوطين في القطاع المصرفي؟ هل نجحت عملية التوطين في ادخال المواطنين بكثافة الى القطاع المصرفي؟ وهل تمكنت المصارف من تحقيق النسب المطلوبة منها في عملية التوطين؟ وما هي الصعوبات التي واجهت العملية؟ وهل أثبت المواطنون الجدد كعادتهم قدرتهم على القيام بالأعمال المصرفية؟ هذه التساؤلات كانت المحاور لملف (التوطين) الذي تعيد (البيان) فتحه بعد مرور عام في محاولة جادة لتقييم التجربة ومعرفة أبعادها ومدى النجاح الذي حققته عن كثب. بعد مرور قرابة العام على قرار مجلس الوزراء القاضي بفرض نسبة 4% كتعيينات للمواطنين في القطاع المصرفي فإن من المؤكد ان عملية التوطين قد شهدت قفزة نوعية في جميع مصارف الدولة, فقد عملت كافة المصارف سواء الوطنية أو الاجنبية بشكل حثيث على استقطاب الكفاءات المواطنة وتسهيل الطريق أمامها للانخراط في العمل المصرفي باعتباره أحد أهم القطاعات الاقصادية التي أصبح وجود المواطنين بها في مواقع صنع القرار ضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى. ثلاثة مسائل حيوية قامت بها المصارف على مدار العام الماضي وان كانت بعض المصارف قد قامت بها منذ وقت طويل بسبب ادراكها المبكر للأهمية التي ينطوي عليها وجود عناصر مواطنة في اجهزتها الادارية وهذه المسائل هي: * استحداث دوائر متخصصة مهمتها الاساسية هي البحث في الكفاءات المواطنة واستقطابها عبر تقديم عروض العمل المغرية وهي مسألة تؤكد مدى جدية والتزام المصارف بمضمون عملية التوظيف. * أما المسألة الثانية التي قامت بها المصارف, فهي انشاء دوائر تدريب خاصة بالموظفين الجدد من المواطنين وذلك بهدف تزويدهم بالخبرات والكفاءات المصرفية الضرورية لمزاولة أعمالهم. * وضع خطط تنمية للموارد البشرية قصيرة ومتوسطة وطويلة الاجل تستهدف وضع اطار زمني لعملية التوطين والالتزام به لانجاح التجربة. وفيما يلي بعض آراء القائمين على عملية التوطين في المصارف: بعض المقاومة تقول رؤيا محمد جواد مديرة تنمية المواطنين لدى ستاندرد شارترد ان تجربتها مع التوطين كانت صعبة في بادىء الأمر, فالبدايات دوما صعبة. وتضيف ان مفهوم عملية (التوطين) بحد ذاته لم يكن واضحا لدى بعض موظفي المصارف الذين أبدوا نوعا من المقاومة ازاءها خشية فقدانهم لمناصبهم, الا انه مع بدء العملية والاهتمام الذي حدث للموظفين الجدد بسلاسة ويسر ودون الاستغناء عن خدمات الوافدين, فقد اتضحت ملامح عملية التوطين بشكل واضح, وان الهدف منها هو دخول المواطنين في القطاع المصرفي بشكل تدريجي ليشاركوا في صنع القرار الاستراتيجي وليس القصد منها الاحلال الكلي للعمالة المحلية بدل الوافدة. وعن عملية التوطين لدى ستاندرد شارترد بنك تشير رؤيا جواد الى ان البنك قد تمكن من تحقيق النسب المطلوبة, إذ ارتفعت نسبة التوطين في البنك من 2.11% في نهاية عام 1998 الى 2.15% مع نهاية العام الجاري 1999. وعن عدد الموظفين المواطنين الذين التحقوا بالبنك خلال هذا العام توضح انه قد بلغ نحو 43 موظفا من بينهم 11 موظفا تم تعيينهم مباشرة, فيما تم الحاق نحو 32 موظفا بدورات تدريبية. ويضيف انه تم تعيين ثلاثة موظفين على مستوى مدراء, أما الباقون فهم من صغار الموظفين, مشيرة الى ان الجميع تم اخضاعهم لدورات تدريبية سواء داخلية أو خارجية. انشاء مركز تدريب وحول ابرز ما قامت به ادارة البنك لدعم عملية التوطين أشارت رؤيا جواد الى انه تم اقامة مركز تدريب خاص بموظفي البنك ويولي أهمية خاصة للمواطنين, وبحسب ما أوضحت فقد قام المركز بواسطة خبرائه بوضع برامج خاصة لتدريب المواطنين ورفع كفاءاتهم اللغوية والمصرفية. وتوضح ان مثل هذه البرامج لم يكن معمولا بها في السابق الا انه تم استحداثها خصيصا لعملية التوطين, مؤكدة انه حدث هناك تغيير جذري في البنك حول مفهوم عملية التوطين وتبددت مخاوف الموظفين الاجانب ازاءها. وتؤكد على أهمية تغيير نظرة العاملين بالقطاع المصرفي نحو الشباب والشابات المواطنات, فالجيل الجديد يسعى جاهدا لاثبات دوره في المجتمع وقدرته على تحمل المسؤولية والقيام بدور فاعل. اللغة ليست عائقا كما تحدثت عن اللغة الانجليزية التي كانت تعتبر حجر عثرة أمام انضمام الكثير من المواطنين بالعمل المصرفي, وتقول: اننا نرسل موظفينا الجدد لدورات مكثفة للغة الانجليزية وذلك لتقوية مهاراتهم باللغة الانجليزية قراءة وكتابة, لكنها شددت في الوقت ذاته على مسألة اصرار الشخص ورغبته في التعلم, مشيرة الى وجود عدة تجارب انسحب اصحابها بسبب خجلهم من عدم القدرة على تعلم اللغة الانجليزية واتقانها. وتقول (نحن لا نألو جهدا في تقديم الدعم والمساعدة والدورات.. لكن على الشخص ان يبذل جهدا مقبولا ليثبت نجاحه ويكون قادرا على شق طريقه) . المرأة والبنوك وعن تجربة الفتيات المواطنات في العمل المصرفي, تقول مديرة تنمية المواطنين بأن التجربة ليست سهلة بالمعنى الحرفي.. فهي تتطلب القدرة على مواجهة التحديات وضغط العمل والتكيف مع نمط الحياة العملية. لكننا بدورنا نعمل بتزويدها بالقدرات والمهارات اللازمة لمواجهة هذه التحديات. ظاهرة انتقال الموظفين أما عن الظاهرة التي صاحبت عملية التوطين تحدثت رؤيا جواد عن عملية انتقال الموظفين ما بين البنوك وذلك بسبب رغبة بعض البنوك في تحقيق النسبة المطلوبة منها في عملية التوطين دون بذل جهود في تدريب موظفين جدد, الأمر الذي دفعهم لتقديم اغراءات مادية وامتيازات اخرى لموظفي بنوك اخرى. وتبعا لهذه الظاهرة, فقد بنك ستاندرد شارترد نحو 20% من موظفيه المواطنين, الا انه عمل جاهدا على تعويض هذه النسبة عبر مواصلته لاستقطاب خريجي الجامعات والكليات وتدريبهم. مصادر التوظيف وعن مصادر الحصول على موظفين جدد, تقول رؤيا جواد: ان البنك على علاقة دائمة بكليات التقنية العليا التي تعد مصدرا رئيسيا للخريجين, بالاضافة الى جامعة العين والمدارس الثانوية ومشاركة البنك الدائمة بمعارض الوظائف, علما بأن البنك يتلقى العديد من طلبات التوظيف بشكل مباشر. وعن أبرز ملامح خطة التوطين للعام المقبل تحدثت رؤيا جواد عن مواصلة سياسة التوطين ورفع النسبة الى 20% مع نهاية عام 2000 ومحاولة الحفاظ على الموظفين الحاليين وتدريبهم بشكل افضل بما يتناسب مع طموحات البنك. وتنتهي الى القول (اننا نعلق آمالاً كبيرة على المواطنين الذين نقوم بتعيينهم ذلك اننا لا نستقطبهم لمجرد استكمال نسب التوطين وانما لايماننا المطلق بأن المواطنين في القطاع المصرفي اكثر قدرة على تفهم احتياجات المجتمع واكثر قدرة على التعامل معه والابداع بعملهم واتخاذ القرارات الاستراتيجية التي تتماشى مع مصلحة الاقتصاد الوطني. سيتي بنك ادراكاً منها لاهمية مشاركة المواطنين في صنع القرار الاستراتيجي في القطاع المصرفي فقد عمدت ادارة سيتي بنك الى تعيين المواطنين وحثهم على العمل المصرفي منذ زمن طويل وحتى قبل صدور قرار مجلس الوزراء القاضي بفرض نسبة 4% تعيينات للمواطنين سنوياً. ووفقاً لما ذكره عبدالرزاق العبدالله مدير لدى سيتي بنك فقد ارتفعت نسبة التوطين بشكل تدريجي ومنتظم على مدار السنوات الثلاث الماضية من 5.7% في عام 97 الى 8% عام 98 ومن ثم الى 5.10% خلال عام 99. ويوضح العبدالله ان عدد المواطنين الذين يعملون حالياً لدى سيتي بنك قد ارتفع الى 36 موظفاً من اجمالي عدد الموظفين البالغ عددهم 345 موظفاً. وبحسب ارقام عام 99 فإن نسبة المواطنين العاملين في الادارة الوسطى قد ارتفعت من 14% الى 5.16% فيما ارتفع عدد العاملين في الادارة الدنيا من 2% الى 6% اما نسبة العاملين في الادارة العليا فقد استمرت بحدود الـ 15%. وكما اوضح العبدالله فقد تمكن سيتي بنك من تعيين ما نسبته 70% من الـ 4% المقررة بحسب قرار مجلس الوزراء. تحديات التوطين وحول الصعوبات التي واجهها البنك في عملية التوطين يشير العبدالله الى ان التحدي الابرز كان حركة انتقال الموظفين ما بين البنوك وذلك تبعاً لقيام بعض المصارف من ذوي النسب المتدنية في التوطين باستقطاب موظفي المصارف الاخرى عبر عروض مغرية. ويضيف لقد ارتأت بعض الادارات المصرفية ان اللجوء لهذه الطريقة اسهل من البدء مع خريجين جدد ولكننا ننظر للمواطن كأداة استثمار سواء كان انتاجه لسيتي بنك ام لمصرف آخر فإن مردود عمله ينعكس بشكل ايجابي وفاعل للاقتصاد الوطني. اما التحدي الثاني الذي تواجهه المصارف بشكل عام فهو عزوف الشباب عن الالتحاق بالعمل المصرفي واقبالهم على الدوائر الحكومية بسبب انخفاض عدد ساعات العمل الى جانب الامتيازات الاخرى. ويشير العبدالله الى ان عدداً كبيراً من المواطنين يعملون في القطاع المصرفي لكنهم ينظرون اليه باعتباره محطة مؤقتة لحين الحصول على وظيفة حكومية او الحصول على عرض مغر. واللافت للنظر بحسب ما ذكر فإن الخريجين المتفوقين من الكليات التقنية كان اقبالهم ضعيفاً على القطاع المصرفي. ودعا العبدالله الخريجين الجدد الى ضرورة الاقبال على القطاع المصرفي بشكل اكبر بسبب الامتيازات الكثيرة التي يقدمها البنك اهمها التدريب الحثيث والمتواصل سواء الداخلي الخارجي والحوافز أو الامتيازات الاخرى. ويقول ان موظف القطاع الخاص هو اكثر قدرة على تحقيق الذات من بديله الموظف الحكومي بسبب التدريب الذي يتلقاه والحوافز عن تميزه في العمل. وينتهي العبدالله الى التأكيد على ان عملية التوطين هي خيار استراتيجي وليس قراراً مفروضاً لانها الطريقة الامثل للخروج بأفضل القرارات الخاصة بالقطاع المصرفي سيما وان المواطنين اكثر قدرة على تفهم المجتمع المحلي واحتياجاته. تحقيق: سلام الشوا