تختلف الأنظمة الضريبية وأنظمة الرسوم من دولة الى أخرى وذلك تبعاً للأنظمة الاقتصادية والاجتماعية والظروف والمعطيات الخاصة بكل مجتمع. بيد ان فكرة الموازنة بين مستوى الضرائب والرسوم ومستوى الخدمات العامة التي تقدمها الدولة تظل قائمة باستمرار ويختلف تطبيقها باختلاف تحضر المجتمعات وتمدنها من ناحية وباختلاف حاجة القطاع الحكومي العام على الايرادات المالية . فإذا نظرنا الى أوضاع العالم العربي خلال العشر سنوات الأخيرة نلاحظ أنه وبشكل عام هناك زيادة ملحوظة في الايرادات الضريبية, وذلك نظراً لادخال نظام ضريبة القيمة المضافة في بعض الدول وتوسيع نطاق استخدامها في دول عربية أخرى. كما عملت بعض الدول العربية على ادخال ضريبة المبيعات وتخطط دول أخرى للعمل بها كذلك. وقد عملت دول عربية على تعديل هيكل ضرائب الدخل واستحداث رسوم استهلاك للخدمات العامة وزيادة اسعار الرسوم القائمة. وعملت بعض الدول العربية على تعديل هيكل ضرائب الدخل وربطها بمعدلات التضخم النقدي. ولقد أدت تلك الاجراءات الى ارتفاع حصة الايرادات الضريية الى أكثر من 7% من اجمالي الايرادات العامة للدول العربية. ان تلك التعديلات الضريبية كانت تستهدف التعويض عما سيتم فقدانه من ايرادات مالية من التعرفة الجمركية الناجم عن التوجه العالمي العام لتحرير التجارة الخارجية انطلاقاً من نظام منظمة التجارة العالمية. ولقد بدأت الدول العربية التمهيد لذلك حيث انخفضت حصيلة الايرادات الضريبية من الجمارك الى حوالي 5% من اجمالي الايرادات العامة للدول العربية. وفي مقابل ذلك يوجد توجه عام نحو ادخال الاصلاحات الادارية والرقي بمستوى تخصيص الموارد الاقتصادية واستغلال الموارد البشرية والاستفادة منها. كما ان هناك توجهاً نحو خصخصة بعض المشاريع الحكومية الناجحة وترك المجال للقطاع الخاص لكي يستثمر في المشاريع الاساسية كمشاريع النفط والغاز والبتروكيماويات والكهرباء والمياه والصحة والتعليم وغيرها. والحقيقة ان هذا التوجه يعمل بلاشك على تقليص الانفاق العام وترك القطاع الخاص يتحمل جزءاً من المسؤولية. واذا كان الأمر كذلك فلماذا اذاً المبالغة في رفع المعدلات الضريبية؟ في الحقيقة ان زيادة المعدلات الضريبية والمصحوب برفع الدعم عن القطاعات والأنشطة الاقتصادية قد يؤدي في المدى البعيد الى انتكاسة في الأنشطة والقطاعات الاقتصادية الحيوية وقد يقود التضخم النقدي الى معدلات قياسية. وهو في الحقيقة يخرج عن الهدف العام لمنظمة التجارة العالمية ولايخدم الاقتصاديات النامية والحديثة العهد بالتصنيع. واذا كان لابد من تعويض الايرادات المفقودة من تدني مستوى الرسوم الجمركية بأنواع أخرى من الضرائب فكان لابد من الموازنة بين الهيكل الضريبي الجديد من ناحية وبين ماتم فقدانه من ايرادات في الرسوم الجمركية من ناحية أخرى وكذلك بين مستوى الخدمات والمرافق العامة التي تقدمها القطاعات الحكومية العامة. ان توجة الحكومات لترشيد الانفاق العام وتخفيض مستوياته يعني بلاشك انخفاض مستوى الخدمات والمرافق العامة الحكومية وهذا ما يلاحظه المرء بالفعل عند زيارته للعديد من الدول العربية. ان اثقال كاهل الشعب والانشطة الاقتصادية والتجار والشركات بالأعباء الضريبية الباهظة مقابل مستوى متدن من الخدمات والمرافق العامة والبنية الأساسية لن يحل مشاكلنا الاقتصادية في العالم العربي ولن يحقق لنا معدلات النمو الاقتصادي التي نحلم بها. ومن هذا المنطلق يصبح التوجه نحو تخفيض أعباء الرسوم والضرائب مطلباً أساسياً ملحاً وعنصراً استراتيجياً هاماً من عناصر ومقومات التنمية الاقتصادية. أما العجوزات المستمرة في الموازنات العامة للدول العربية فمن الممكن البحث لها عن وسائل وطرق تمويل أخرى مع التركيز على جانبي الخصخصة وترشيد الانفاق العام. ان من أهداف منظمة التجارة العالمية خلق الجو الاقتصادي والاستثماري المناسب للدول النامية لكي تنهض من ذاتها تدريجياً وان كان ذلك يستهدف بالفعل استمرارية ربطها وتبعيتها للاقتصاديات الصناعية المتقدمة الا انه سوف يعمل في الوقت ذاته على زيادة معدلات النمو الاقتصادي لتلك الدول النامية وتحسن مستوياتها المعيشية, بيد ان زيادة معدلات الضرائب والرسوم قد تأتي بنتائج عكسية وقد تعمل على احباط ما هو مستهدف بالفعل. د. محمد ابراهيم الرميثي