تواجة حكومة المستشار الألماني جيرهارد شرويدر بعد مرور عام على توليها السلطة متاعب داخلية كثيرة من جراء المشكلات الناجمة عن الوحدة الألمانية والقضاء على البطالة ومواجهة رياح التطرف التي تحركها أحزاب اليمين الألماني, ويبدو أن مرور عام كامل على تولي التحالف الذي يقوده شرويدر وحزبه الاشتراكي الديمقراطي ليس كافياً لإخراج ألمانيا من دائرة المتاعب السياسية والاقتصادية والاجتماعية الداخلية . الوضع الاقتصادي احتلت المانيا المرتبة الثالثة من حيث اجمالي الناتج الاجمالي في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية واليابان. وقال تقرير صادر عن الدائرة الاتحادية الألمانية للاحصاء في (فيزبادن) ان الناتج المحلي الاجمالي لألمانيا بلغ في العام الماضي 8.3641 مليار مارك. وأوضح التقرير ان القيمة الحقيقية للناتج المحلي الاجمالي بالأسعار الثابتة تضاعفت خلال الـ 48 عاماً الماضية خمس مرات, فقد ارتفع الناتج المحلي من 7.426 مليار مارك عام 1950 الى 8.3641 مليار مارك عام 1998. وقال التقرير ان المانيا الاتحادية التي تحتفل في أكتوبر المقبل بمرور 50 عاماً على تأسيسها تحتل المرتبة الثالثة في العالم في الانتاج الاقتصادي والمرتبة الثانية في التجارة العالمية. ويوضح التقرير ان الصناعة هي العمود الفقري للاقتصاد الألماني ويوجد في المانيا حتى عام 1998 نحو 44500 منشأة صناعية يعمل بها 2.6 ملايين شخص وتصل مساهمتها في الناتج المحلي الاجمالي الى 8.32%. وبلغت مبيعات شركات صناعة السيارات الألمانية العام الماضي 268 مليار مارك وانتجت مصانعها 5 ملايين سيارة عام 98 صدر منها الى الخارج 4.60%. وبلغت صادرات شركات صناعة الآلات في العام الماضي نحو 210 مليارات مارك, كما بلغ اجمالي مبيعات الصناعات الكيماوية نحو 189 مليار مارك والالكترونية نحو 242 مليار مارك عام 1998 ووصل حجم مبيعات قطاع الصناعات الغذائية الى 7.225 مليار مارك وصناعة النسيج 54 مليار مارك والصناعات المعدنية (الانتاجية والتحويلية) 230 مليار مارك والمناجم 26 مليار مارك وصناعة التقنية الدقيقة والبصريات والأجهزة الطبية والساعات 4.52 مليار مارك وبلغ اجمالي مبيعات الشركات العاملة في مجالي الملاحة الجوية والفضائية في العام الماضي نحو 21 مليار مارك. وبالنسبة للتجارة فان حصتها تبلغ 9% من الناتج القومي الاجمالي, إذ بلغت تجارة الجملة في المانيا العام الماضي أكثر من مليار مارك في حين بلغت تجار المفرق نحو 715 مليار مارك وتشير احصاءات حكومية الى ان حجم التجارة الخارجية الألمانية بلغ في العام الماضي رقماً قياسياً اذ ارتفع حجم الصادرات الى 3.887 مليار مارك وحجم الواردات الى 5.765 مليار مارك وبالتالي ارتفع الفائض في الميزان التجاري الألماني بمقدار 3.23 مليار مارك ليصل الى 8.121 مليار مارك, وتصدر المانيا ربع انتاجها الصناعي الى الخارج وأهم الصادرات في العام الماضي السيارات (1.159 مليار مارك) تلتها الآلات الصناعية (3.149 مليار مارك) ثم المنتوجات الكيماوية (8.130 مليار مارك) ثم معدات التقنية الالكترونية (3.110 مليارات مارك) وتستورد النفط والآليات والمنتوجات الالكترونية ومنتوجات صناعة الآلات. اعادة إعمار الشرق وتقول مصادر حكومية ألمانية في برلين أن دعم البناء الاقتصادي والاجتماعي في الولايات الألمانية الشرقية مازال يشكل أحد التحديات المالية الرئيسية للحكومة الألمانية, وخلال الفترة الممتدة من عام 1991 ـ وحتى عام 1998 قامت الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات ومؤسسات التأمينات الاجتماعية العامة بتمويل مايزيد على (1000 مليار مارك) الى الولايات الشرقية ويعتبر المسؤولون الألمان بأن هذا التمويل المالي لامثيل له في التاريخ, اذ لم يسبق ابداً ان قامت دولة بضخ مثل هذا المبلغ لغرض تحقيق التوازن الاقليمي. وبعد مرور 10 سنوات على تحقيق الوحدة الألمانية حصل تطور كبير في الولايات الشرقية شمل جميع جوانب الحياة السياسية والادارية والبنية الأساسية, كما بدأ اقتصاد الولايات الشرقية في التأقلم مع الانفتاح والمنافسة وقوة الأداء مما يوحي بقرب حدوث انعطاف اقتصادي ملموس ولذلك يعتبر المراقبون ان اعمار الشرق سيشكل في المستقبل مركز ثقل السياسة الاقتصادية والسياسة المالية في المانيا, وعلى الرغم من النجاحات التي حققتها عملية التوحيد المادية يبقى دعم التحول الهيكلي الاقتصادي وإستكمال الوحدة الداخلية مهمة طويلة المدى للحكومة الاتحادية التي تدفع سنوياً نحو 18 مليار مارك منذ العام 1995 كمعونات تكميلية استناداً الى قانون اعمار الشرق الرامي الى تشجيع الاستثمار لمدة عشر سنوات بدءاً من العام ,1995 ويرى الخبراء ان الدعم المالي يجعل الولايات الشرقية الجديدة في وضع يمكنها من تنفيذ مهامها على مسؤوليتها وبالاعتماد على نفسها. متاعب مالية لقد أدى الواقع الجديد في المانيا الى اضطرار الحكومة الاتحادية للاقتراض لتمويل النفقات العامة فبعد قيام الوحدة الألمانية في أكتوبر 1990 وعلى الرغم من اجراءات التقشف الشديدة لجأ وزراء المالية في الاتحاد والولايات الألمانية الى اقتراض مبالغ كبيرة من الأسواق المالية, وبلغ اجمالي الديون المترتبة على الهيئات الحكومية في جمهورية المانيا الاتحادية عام 1997 رقماً قياسياً قدرة 191.2 مليار مارك أي ما يعادل 26703 ماركات لكل فرد من السكان وفي عام 1997 بلغ حجم الديون الجديدة للاتحاد الالماني 4.63 مليار مارك. وتعتبر الضرائب أهم مصدر للايرادات في المانيا اذ بلغ حجم الضرائب عام 1997 نحو 797153 مليار مارك حصل منها الاتحاد الأوروبي على 2.5% والاتحاد الألماني على 5.41% والولايات الألمانية على 2.41% والبلديات على 1.12% إلا أن هذه الأرقام الفلكية من ايرادات الضرائب لم تحل المشاكل المالية الناجمة عن الوحدة الألمانية واستفحلت مشكلات الديون بشكل قياسي. وتتراوح نسبة الضرائب في المانيا استناداً الى قانون ضريبة الدخل لعام 1997 بين 9.25% كحد ادنى و53% كحد أقصى من الدخل الخاضع للضريبة, أما الدخل المعفي من الضريبة فهو 12300 مارك في السنة للعازبين و24600 مارك للمتزوجين. وتعتبر ضريبة المبيعات ثاني أكبر دخل لتمويل نفقات الدولة (ضريبة القيمة المضافة وضريبة البضائع المستوردة). وتقول احصاءات رسمية ان صافي الدخل للمواطنين الألمان بلغ في العام 1997 نحو 2355 مليار مارك, فيما تصل قيمة الملكيات الخاصة في المانيا (عقارات, أراضي) الى 200 مليار مارك وفي نهاية العام 1997 بلغت الملكيات النقدية الاجمالية في المانيا 34.5 مليارات مارك. قنبلة سكانية تواجة الحكومة الألمانية قنبلة سكانية موقوته في الوقت الحاضر بسبب عدم قدرتها على توفير حوالي مليوني مسكن للمهجرين في شرق ألمانيا, إضافة الى ان عدد سكان المانيا في الوقت الحاضر يبلغ 82 مليون نسمة بينهم 3.7 ملايين أجنبي, وتبلغ الكثافة السكانية فيها 230 نسمة في الكيلو متر المربع, وحسب احصاءات حكومية يوجد في المانيا اليوم نحو 5.36 مليون مسكن, وهناك عجز كبير في المساكن ولذلك بني في عام 1997 نحو 570596 مسكناً جديداً وستتواصل الزيادة السنوية في بناء المساكن لمواجهة ازدياد عدد السكان بسبب الهجرة, والوضع غير المستقر في الولايات الشرقية. مشكلة البطالة تسعى الحكومة الألمانية جاهدة نحو مكافحة البطالة وخفض عدد العاطلين عن العمل الذي بلغ عام 1998 نحو 4.4 ملايين شخص, ويرى الخبراء في برلين ان تخفيض البطالة هو المفتاح لكل المشاكل الاقتصادية والمالية والاجتماعية في المانيا, ولتحقيق هذا الهدف تعبىء الحكومة الاتحادية جميع القوى الاجتماعية وتسعى الى عقد تحالف من أجل العمل والتدريب المهني.. تطبق من خلاله بالتعاون مع نقابات العمال وأرباب العمل اجراءات ملموسة ترمي الى العمل معاً على تطبيق سياسة للأجور لحل مشكلة البطالة المتعاظمة. وتسعى حكومة شرويدر اثر مرور عام على توليها السلطة الى تحقيق استراتيجية تتكون من عدة أهداف رئيسية خلال السنوات الأربع المقبلة هي: * مكافحة البطالة وتقوية الاقتصاد. * استكمال الوحدة الألمانية حيث لاتزال هناك فروق كبيرة بين شرق ألمانيا وغربها, ولذلك تسعى الحكومة الاتحادية الى ردم الهوة الاقتصادية والاجتماعية بين الولايات القديمة والجديدة كما ان الحكومة لاتزال مقتنعة بأن إعمار الشرق يتطلب فترة طويلة من الزمن. * نظام ضريبي شفاف وقادر على المنافسة واصلاح الضرائب والرسوم بما فيه خدمة البيئة. * التحديث البيئي من أجل العمل والبيئة والتخلي عن الطاقة النووية. * التجديد في مجال التعليم والعلوم والتقنية. شرويدر واليمين المتطرف يبدو ان البرنامج الاصلاحي للمستشار جيرهارد شرويدر في مهب الريح بسبب بروز نزعة هوجاء للأحزاب اليمينية المتطرفة تعارض التوجهات الاصلاحية للحكومة الاشتراكية, وعلى سبيل المثال يشن (اتحاد الشعب الألماني) اليميني المتطرف حملة معادية لحكومة شرويدر وللأجانب ويتفق مع هذا التوجه العنصري كل من الحزب الجمهوري اليميني المتطرف, الحزب الوطني الديمقراطي الألماني, ولهذه الأحزاب اليمينية صوت مسموع في الولايات الشرقية الألمانية حيث توجد البطالة وتعشش العنصرية المغلفة بالتطرف والفقر والفوضى ولذلك فإنها قد تكسب أصواتا جديدة في الانتخابات الاقليمية من بعض الولايات الألمانية الجديدة والقديمة, وهذا يعني ان حكومة شرويدر ستكون في مأزق آخر وفي مواجهة مع اليمين المتطرف الأمر الذي يهدد برنامجها الاصلاحي في المرحلة المقبلة, والمأزق الآخر الذي لم يتوقعه شرويدر هو تمرد 30 عضواً من أعضاء الجناح اليساري في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم ومهاجمتهم علناً خطط شرويدر الاصلاحية والتهديد بالتصويت ضد تلك الخطط التي تتضمن اجراءات من بينها خفض الانفاق العام بواقع 30 مليار مارك الماني. شرويدر ميونيخ ـ جمال المجايدة