تعد الاتفاقية العامة للتعريفة الجمركية والتجارة (الجات) من أهم الاتفاقيات الاقتصادية الدولية وأكثرها انتشارا وتأثيرا بعدد الدول, حسب الوثيقة التي تم توقيها في ابريل,1994والتي ذكرت في مضمونها28اتفاقا جرى النقاش بشأنها في مفاوضات تعرف باسم جولة الأورجواي منذ عام1986.هذه الاتفاقية تهدف إلى دعم التجارة الحرة والعادلة بين أعضائها وهدفها الأساسي هو توسيع رقعة التجارة العالمية وتحريرها , والوسيلة الرئيسية لتحقيق هذا الهدف هي مجموعة المبادئ والقواعد التي يمكن من خلالها الحد بشكل كبير - من الحواجز التجارية المتعلقة بالتعريفة الجمركية وغيرها, والغاء النظم التي تحد من الممارسات التجارية غير العادلة. إن أكثر من ثلث أعضاء الجات ينتمون إلى الدول النامية, والاتفاقية تضم كثيرا من البنود الخاصة في صالح الدول النامية, وتأخذ هذه البنود في الحسبان حقيقة ان مستوى التنمية في الدول النامية أقل منه في الدول المتقدمة, وبالتالي فهي - أي الدول النامية - تحتاج إلى تدابير خاصة.. واجمالا لا يمكن القول بأن الاتفاقية تضمنت عدة جوانب ايجابية بالنسبة للدول النامية. في مجال تجارة الخدمات مثلا أعطت الاتفاقية للدول النامية حق فرض قيود على هذه التجارة في حالة حدوث صعوبات أو مشاكل في المستقبل, وحق الاحتفاظ ببعض الاحتكارات في بعض القطاعات مثل الاتصالات السلكية واللاسلكية والسكك الحديدية, أيضا كل ما اتفق عليه في تجارة الخدمات لم يلغ حق الدول في عقد اتفاقيات ثنائية. وفيما يتعلق بالدعم الداخل للانتاج الزراعي فقد التزمت الدول المتقدمة بتخفيض قدره 20% على ست سنوات, بنيما التزمت الدول النامية بخفض نسبة 14% على عشر سنوات, وتلتزم الدول المتقدمة بخفض جمركي بنسبة 36% على المنتجات الزراعية خلال ست سنوات, أما الدول النامية فقد أتاحت لها الاتفاقية الالتزام بخفض نسبة 24% على عشر سنوات فضلا عن ذلك فإن هناك استثناء من هذا الالتزام للسلع الحساسة مثل الدواجن, وبعض أنواع الفواكهة, وترك أمر فرض رسوم جمركية عليها وذلك حماية للانتاج الوطني. وفي مجال المنسوجات والملابس فإن ما تم الاتفاق عليه لا يجب التقليل منه كانجاز هو مهلة العشر سنوات لان صناعة المنسوجات في البلاد الصناعية ما زالت تمثل نسبة غير ضئيلة من حيث عدد العاملين فيها أو حجم رؤوس الأموال المستثمرة, لذا فالحصول على هذه المهلة يعد نجاحا كبيرا يسمح للبلاد المستوردة للمنسوجات باعادة تدريب العمالة وتوجيه رؤوس الأموال لبناء قاعدتها الصناعية في هذا المجال. وتتمتع البلاد الأقل نموا, خصوصا بلاد افريقيا بميزة هامة وهي الاعفاء من أي التزام في ظل اتفاقية خفض الحواجز الجمركية أو غير الجمركية. ويتفق المحللون على ان اتفاق الجات سيحقق فائدة أكبر للدول التي تمكنت من بناء قاعدة صناعية متنوعة تعتمد بقدر أقل من غيرها على استغلال ثروات طبيعية. ولكن بعض الدول النامية تؤكد ان اتفاقية الجات تعني ارغام الدول النامية على فتح أسواقها لمنافسة غير عادلة أمام الدول الصناعية الكبرى, وانها أيضا عقدت في الاساس لخدمة مصالح البلاد الصناعية المتقدمة, والشركات عابرة القارات, والمهمة الأساسية للاتفاقية تتمثل في الالتزام بالغاء كافة القيود التي ترد على التجارة الخارجية سواء كانت في صورة ضرائب جمركية أو في صورة قيود كمية أو قيود أخرى غير تعريضية. ويؤكد د. سعيد النجار الخبير الاقتصادي المصري ان البلاد النامية تشعر ببعض القلق بسبب ظهور قضايا لم تكن في نطاق مفاوضات الجات قبل ذلك, ومن أهم تلك القضايا موضوع الخدمات مثل البنوك, وشركات التأمين والمقاولات وكذلك الملكية الأدبية والفنية والصناعية وقوانين الاستثمار ذات الأثر السلبي على التجارة الدولية. وأضاف : ان اخضاع تلك القضايا الجديدة لقواعد الجات التي تحكم التجارة الدولية في السلع سوف يعرضها لمنافسة الشركات الدولية العملاقة, وهكذا لن تتمكن الدول النامية, من المواجهة, كذلك فإنها ترى ان تلك القضايا تتطرق لموضوعات دولية ولكن يلاحظ ان ما تم تنفيذه إلى الآن لا يثير القلاقل وما زال أمامنا شوطا كبيرا. وأشار د. النجار إلى ان الاتفاقية تسمح للبلاد النامية بعدة استثناءات هامة تعفيها من الالتزامات التي تقع على البلاد المتقدمة, كما انها لا تفرض على البلاد النامية الغاء الحماية لصناعاتها الوطنية فهذا حق لها طبقا لقواعد الجات, ولكن المطلوب هو التحول من الحماية المعتدلة وذلك لما يترتب على الاسراف الشديد من الحماية من ضرر بالغ بالاقتصاد القومي. ان الدول الأعضاء في الجات أو في منظمة التجارة العالمية غير ملزمة بأن تخفض الضرائب الجمركية, وإنما يتم ذلك اختياريا في اطار المفاوضات الجماعية التي تعقد بين الحين والحين تحت رعاية الجات, ورغم الصفة الاختيارية لعملية تحرير التجارة فقد نجحت نجاحا كبيرا في خفض الضرائب الجمركية في البلاد الصناعية من متوسط 40% وقت انشاء الجات إلى أقل من 8% في المتوسط بعد دورة أورجواي وترتب على ذلك ان الضريبة الجمركية في البلاد الصناعية لم تعد عقبة يعتد بها في وجه صادرات البلاد النامية, حيث ان النسبة الساحقة من هذه الضرائب مربوطة عند حد مانع الانخفاض وان العقبة الحقيقية في وجه صادرات البلاد النامية في أسواق البلاد الصناعية تتمثل في القيود الكمية وغير التعريفية خصوصا في مجال السلع الزراعية والمنسوجات. (وكالة الصحافة العربية)