اجمع عدد من الخبراء الاقتصاديين على ان تأسيس مجلس اقتصادي سعودي اعلى برئاسة نائب خادم الحرمين الشريفين الامير عبدالله بن عبدالعزيز سيعمل على بناء اقتصاد وطني فعال وقادر على مواجهة المتغيرات المحلية والعالمية بكفاءة . وقال هؤلاء الخبراء في لقاءات مع وكالة الأنباء الكويتية (كونا) ان اسناد رئاسة المجلس إلى الامير عبدالله ونيابة رئاسته إلى النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع والطيران الامير سلطان بن عبدالعزيز يعطي مدلولا على مدى الأهمية التي يمثلها المجلس والمسؤولية التي ستناط به. وكان خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز قد اصدر امرا ملكيا فى 28 اغسطس الماضي يقضي بتشكيل المجلس برئاسة الامير عبدالله ونيابة رئاسته إلى الامير سلطان ويضم تسعة وزراء اضافة إلى محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي (البنك المركزي) . ووفقا للامر الملكي فان المجلس يهدف إلى رسم السياسة الاقتصادية السعودية وبلورتها وتدبير الشؤون والقضايا الاقتصادية وادارتها والاستجابة لمتطلبات سرعة اتخاذ القرار الاقتصادي لما يحقق المصلحة العامة للمملكة العربية السعودية. وكان الامير عبدالله قد لخص أهمية المجلس الاقتصادي بقوله ان (الأهمية الكبرى المنوطة بالمجلس تتطلب تضافر الجهود لانجاح عمله ليرقى إلى مستوى تطلعات خادم الحرمين الشريفين الذي يحرص دائما على رسم سياسة اقتصادية تركز على بناء اقتصاد وطني متين وفعال يستوعب المستجدات ويواكب التطورات المحلية والدولية) . من جانبه قال الخبير الاقتصادي والأستاذ بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة الدكتور ياسين الجفري ان تكوين المجلس ينصب على ضمان التنسيق بين مختلف القطاعات الاقتصادية وسرعة اتخاذ القرار وضمان تحقيقه. وقال الدكتور الجفري لـ (كونا) ان المملكة اختارت بهذا القرار ان تدخل الألفية الثالثة بأسلوب اقتصادي جديد ومغاير لما كان يتم من قبل. واشار في هذا الخصوص إلى ان التخطيط الاقتصادي ظل طوال العقود السابقة يرتكز على جهازين حكوميين هما وزارة المالية والاقتصاد الوطني من خلال تحديد الانفاق الحكومي ووزارة التخطيط من خلال خططها التنموية الخمسية مضيفا انه لم يكن هناك تركيز مباشر على الاقتصاد السعودي ككل. وذكر ان المجلس الاقتصادي الأعلى بما يضم من الوزارات الملتصقة بالنشاط الاقتصادي بصورة مباشرة وبما سيضمه من قدرات وامكانيات سيكون قادرا على تنفيذ اهدافه. واعتبر الدكتور الجفري ان صدور الأمر الملكي بتأسيس المجلس الاقتصادي الأعلى يعد استجابة واعية لحقيقة ان الاقتصاد أضحى القوة الوحيدة المحركة على الساحة العالمية وعلى مستوى الدولة. واتفق الخبير الاقتصادي ورئيس المركز الاستشاري للاستثمار والتمويل الدكتور عبدالعزيز الدخيل فيما ذهب إليه الدكتور الجفري قائلا ان صدور أمر تشكيل المجلس الاقتصادي جاء في وقته وفي ظروف المرحلة الاقتصادية الراهنة محليا ودوليا. وأضاف ان هذا القرار وضع الشؤون الاقتصادية السعودية من حيث الادارة الاستراتيجية العليا في موقعها السليم سواء من ناحية رئاسته او تكوينه. ووصف المجلس بأنه خطوة هامة على طريق الالتحام والتكامل الاستراتيجي في ادارة الشؤون الاقتصادية بين القطاعين الحكومي والاهلي. من جانبه قال الخبير الاقتصادي عبدالله الدباغ ان المجلس سيكون بمثابة البوتقة التي ستنصهر فيها كافة القرارات والأنظمة لتحقيق التناغم فيما بينها وتجنب وقوع أي تضارب او تناقض. وعن أهم الأولويات التي يرى الدباغ انها ستكون في (اجندة) المجلس أعرب عن اعتقاده بان اكثر القضايا الحاحا أمام المجلس العمل على استكمال تحديث الأنظمة الاقتصادية والتجارية لمواكبة المتغيرات المحلية والعالمية بما يجعل الاقتصاد السعودي اكثر قدرة على التكيف معها واكثر كفاءة على جذب الاستثمارات الوطنية والاجنبية. وأضاف الدباغ ان قضية أخرى في غاية الأهمية ستكون في مقدمة اهتمامات المجلس تتعلق بالبحث عن مختلف الوسائل لتنويع مصادر الدخل الوطني ومواجهة التحدي الخاص بكون البترول مازال يمثل 70 في المائة من اجمالي الدخل الوطني. وقال (نحن ندرك ان زيادة مساحة الاعتماد على الموارد غير النفطية والتي تملك السعودية منها الكثير مثل التعدين والصناعة يجنب الاقتصاد الوطني أية هزات تنجم عن تذبذب أسعار البترول مثلما حدث خلال أزمة تدهور السوق العالمية في عام 1998) . وكانت الأزمة البترولية الحادة التي استمرت لنحو عام ونصف العام وهبطت بالأسعار إلى أدنى مستوى لها منذ نحو 25 عاما قد أصابت اقتصاديات الدول المنتجة بخسائر فادحة ومنها السعودية التي قدرت خسائرها من البترول والبتروكيماويات بنحو 46 مليار ريال سعودي (26.12 مليار دولار) خلال عام 98. وألقت الأزمة بظلالها على تقدير حجم موارد وانفاق الموازنة السعودية لعام 1999 حيث اضطر مخططو السياسة الاقتصادية إلى وضع ميزانية متقشفة بناء على تقديرات شديدة التحفظ لاسعار البترول بلغت 10 دولارات للبرميل مما تسبب بتقدير الموارد عند 121 مليار ريال وهو الأدنى لموارد الموازنات السعودية خلال عقد التسعينات وقدرت المصروفات بـ 165 مليار ريال. غير ان خطط منظمة الدول المصدرة للبترول (اوبك) والدول المنتجة الكبرى خارجها لتخفيض حصص الانتاج بنحو اربعة ملايين برميل يوميا منذ مارس الماضي أسهمت في عودة التوازن للسوق البترولية وهو ما سينعكس ايجابيا على موارد الدول البترولية ومنها السعودية اكبر منتج ومصدر في العالم. ويتوقع محللون اقتصاديون ان يتقلص حجم العجز المقدر في الموازنة السعودية هذا العام إلى ما يزيد على النصف من 44 مليار ريال إلى 20 مليارا بسبب تحسن اسعار البترول وارتفاعها إلى نحو 20 دولارا للبرميل. من جانبه أوضح وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء وعضو المجلس الاقتصادي الأعلى الدكتور عبدالعزيز الخويطر في تصريح نشر له ان أولويات المجلس ستكون (كل ضرورات النهوض بالاقتصاد الوطني) . لكن الدكتور الخويطر قال (ان الملفات التي ستكون اكثر الحاحا أمام المجلس هي تمكين القطاع الخاص السعودي من الدخول في مرحلة التخصيص وفق ما تقتضيه مصلحة الدولة) . يذكر ان المملكة بدأت برنامجا لتخصيص قائمة من مؤسسات الدولة استهلته بقطاعي الاتصالات والكهرباء وأخذت في اعادة هيكلتهما تمهيدا لخصخصتهما بالكامل ولديها قطاعات أخرى ستطرح للتخصيص وفق خطط مدروسة ومنها قطاع الموانىء والمياه والسكك الحديدية. واضاف الدكتور الخويطر ان من الاولويات ايضا توفير فرص العمل المنتج وتوظيف امثل للقوى البشرية الوطنية وتشغيلها وهو هدف وضعته الحكومة السعودية في قائمة اهتماماتها في السنوات الاخيرة اسفر عن زيادة في معدلات التوظيف لدى القطاع الخاص. وقال الخويطر ان المجلس سيولي كذلك اهتمامه للاشراف على السياسة المالية ومتابعة اسس اعداد مشاريع الموازنات العامة واولويات الانفاق التي بلورتها وزارة المالية واعداد الميزانية في ضوئها. من جهتها قالت مصادر اقتصادية لـ (كونا) ان صدور الامر الملكي بتأسيس المجلس الاقتصادي الاعلى يأتي قبل اقل من 6 اشهر من موعد اعلان الميزانية العامة الجديدة للدولة لعام 2000 وكذلك الخطة الخمسية السابعة للتنمية الاقتصادية الاجتماعية. - كونا