بسبب تدني المعيشة في(البيرو)،مديرو بنوك وأطباء ومهندسون يعملون سائقي تاكسي

اليهاندرو تشامبين وهو مدير بنك سابقاً, يحتفظ بنسخة من رواية(دون كيشوت)في سيارته القديمة ليقرأها في فسحات الفراغ خلال دوامه اليومي لمدة 12 ساعة كسائق سيارة اجرة . والمحامي خوليو رودريجر يسلي الركاب في سيارته بقصص معاركه القانونية في قاعات المحاكم, فيما يتحاشى المطبات والحفر في طرقات العاصمة ليما المكتظة بالسيارات. لقد أصبح سائق التاكسي المثقف من أبرز المعالم الشعبية لمرحلة التسعينات في ليما ورمزا للاستياء العام من المشاكل الاقتصادية التي قد تضعضع معركة التجديد التي يخوضها الرئيس ألبيرتو فوجيموري. لقد اصبح العديد من اصحاب المهن الحرة عاطلين عن العمل بعد الاصلاحات الاقتصادية التي فرضها فوجيموري والتي ادت الى تخفيض مرتبات موظفي القطاع العام وحملت مؤسسات الاعمال التي كانت تتمتع بالحماية على تغيير استراتيجياتها. ويقول سائقو التاكسي ان واحداً من كل ثلاثة سائقين يعملون في مكاتب ووكالات سيارات الاجرة في البلاد اليوم هم من خريجي الجامعات. وقد قبض كثيرون آخرون تعويضات الصرف من الخدمة واشتروا بها سيارات تاكسي يعملون عليها اليوم. وقد تحول هؤلاء السائقون المثقفون الذين تحطم حلمهم بالعودة الى اعمالهم القديمة مصدراً للقلق المتنامي من ضياع فرص العمل في البيرو وقد تؤثر اجواء الاستياء السائدة على فرص حملة فوجيموري بالنجاح اذا قرر ـ كما هو متوقع ـ ان يسعى لاعادة انتخابه للرئاسة للمرة الثالثة في السنة المقبلة. وتقول جيوفانا بينافلور مديرة شركة ايماسن للاستطلاع ان مواطني البيرو تحملوا المصاعب سنوات عديدة لانهم كانوا يؤمنون بقيادة فوجيموري الصارمة غير ان كثيرين ـ ومنهم سائقو سيارات الاجرة ـ فقدوا ايمانهم لأن توقعاتهم الاقتصادية لم تتحقق. وكان فوجيموري, ذو القبضة الحديدية, قد انتخب لأول مرة في العام 1990 ثم أعيد انتخابه سنة 1995 بالغالبية الساحقة من اصوات البيروفيين كتعبير عن امتنانهم من اجراءاته التي وضعت حداً للفوضى الاقتصادية ولجمت موجة الغلاء التي ورثوها عن الحكم السابق واسرت قادة التمرد اليساري. وشهد اقتصاد البيرو ازدهاراً في اعقاب اصلاحات السوق التي فرضها في مطلع التسعينات ومنها خصخصة 174 من شركات القطاع العام وفتح الصناعات المحمية امام المنافسة وتسريح عشرات الألوف من العمال الحكوميين وقد بلغ النمو 13 في المائة في العام 1994. وتنامت ايضاً التوقعات بعد ان وعد فوجيموري بتحويل البيرو الى (نمر اقتصادي في امريكا اللاتينية) الا ان النمو الكبير لم يفلح في ايجاد فرص العمل, فتراجع النمو الى 7.0 في المائة في السنة الماضية متأثراً بالأزمة المالية العالمية وبالفيضانات التي نجمت عن اعصار النينيو. ان نصف المكاتب في الوسط التجاري في ليما باتت شاغرة ونصف البيروفيين يعيشون اليوم في حالة الفقر خاصة وان ضواحي الاكواخ في العاصمة باتت مكتظة بالنازحين الوافدين من المناطق الريفية. ويقول وزير المالية السابق هافيه سيلفا رويت ان ثمة شعوراً في البيرو بأن فوجيموري حقق الكثير من الاشياء الجيدة غير ان الشيء الأكثر اهمية في وعوده, اي رفع مستوى المعيشة, لم يتحقق. بينافلور بدورها تقول ان نسبة التأييد الشعبي لفوجيموري التي لم تنخفض عن 70 في المائة لسنوات, قد انحدرت الى نصف تلك النسبة, وان استطلاعات الآراء تشير الى ان تدني فرص العمل والاجور هي السبب الرئيسي لذلك التراجع. وقد اشارت دراسة اجرتها منظمة العمل الدولية في العام الماضي ان 80 في المائة من اليد العاملة في البيرو عاطلة عن العمل وان 59 في المائة من اولئك الذين يعملون لا يكسبون ما يكفي لتلبية الاحتياجات الأساسية. ويبلغ الحد الادنى للأجور في البيرو 350 سولاً (100 دولار) في الشهر, ومعاش ضابط الشرطة يبلغ 250 دولارا الا ان العائلة المؤلفة من خمسة افراد تحتاج الى 400 دولار في الشهر لشراء المواد الغذائية والألبسة ودفع ايجار البيت, حسب بينافور. وفي تقديرات سيلفا رويت ان مع دخول اعداد كبيرة من الشباب في سوق العمل سنوياً ينبغي ان يحقق اقتصاد البلاد نمواً قدره 7 في المائة سنوياً على امتداد السنوات العشر المقبلة من اجل رفع مستوى المعيشة بنسبة مرموقة. سائق التاكسي تشامبين, الذي يرتدي اليوم ثياباً بالية قديمة بدلاً من البدلة الأنيقة خسر عمله كمدير في بانكو بوبولار, احد اكبر بنوك البيرو, عندما انهار البنك في غمرة الاصلاحات الاقتصادية سنة 1992. ويقول تشامبين ان تراجع مستوى معيشته ومكانته الاجتماعية كان ضربة قاسية, وقد اضطر الى سحب طفليه من المدرسة الخاصة والى التوفير في شراء المواد الغذائية للعائلة. ويضيف ان العمل الوحيد الذي عثر عليه هو قيادة سيارة التاكسي, وقد اكتشف ان اكثر من 30 من اصل 100 سائق في شركة (ألو تاكسي) والتي يعمل فيها هم جامعيون من اصحاب المهن الحرة وكلهم لهم قصص مثل قصته. وتشير الدراسات الاقتصادية الى ان موجة الخصخصة بين العامين 099_ و1997 اسفرت عن تسريح 78 الف شخص عن العمل وان اكثر من عشرة آلاف شخص آخرين فقدوا عملهم على اثر تعريض الشركات الخاصة التي كانت تتمتع بالحماية امام المنافسين الاجانب. عالم الاجتماع ميركو لوبر يقول انه باتت هناك اليوم شريحة اجتماعية مؤلفة من الاطباء والمحامين والمهندسين الذين يقودون سيارات الاجرة او يبيعون السندويشات في الشوارع, وهناك حرفيون آخرون مداخيلهم من عملهم غير كافية الى درجة انهم يمارسون قيادة سيارات الاجرة في ساعات فراغهم. ويقول دانيال جامارا, المهندس المعماري العاطل عن العمل والذي يقود سيارة اجرة انه اصبح متشائماً, فالسنوات تأتي وتذهب والحكومات تأتي وتذهب, والوضع لا يتحسن, ولا ارى بوادر حل في الافق. (خدمة أ.ب) مدير البنك السابق تشامبين يمسح زجاج سيارة التاكسي التي يعمل عليها 12 ساعة في اليوم

طباعة Email
تعليقات

تعليقات