ملاحظات مختلفة مهمة يسجلها وزير التجارة الأمريكي ويليام ديلي من خلال زياراته لمنطقة الشرق الأوسط. والخط العام الذي يتبناه يتفق بطبيعة الحال مع ما تسعى الإدارة الأمريكية إلى تحقيقه من خلال تضمين إسرائيل بطريقة أو بأخرى داخل الإطار الإقليمي . وإن كان يعطي العلاقات العربية ـ العربية نصيبها من التقويم, وخاصة في ما يتعلق بحجم التجارة البينية الذي يبقى متواضعا إلى حد كبير, ويعتبر الأدنى بين مناطق العالم المختلفة. ولعل ملاحظته بأنه حتى التجارة البينية الأفريقية تتفوق على نظيرتها العربية تقول الكثير. هناك مسألة لا تحظى عند الحديث عن الشرق الأوسط وقضاياه إلا بالقليل من الاهتمام, ألا وهي العلاقة بين الدبلوماسية التجارية والاقتصادية. مع أن المرحلة التالية في الشرق الأوسط يجب أن يكون عنوانها (من الحروب إلى الأعمال) . لكننا يجب ألا ننسى أن الخلافات لاتزال كبيرة, وسيظل هناك مجال للإخفاقات والنجاحات في العلاقة بين العرب والإسرائيليين. وإن كان الاقتصاد والتجارة لهما دور مهم يمكن أن يلعباه في عملية السلام بالشرق الأوسط. وهذه النقطة لابد من التوقف عندها طويلا. نعم السياسة ضرورية, لكن من دون الاستقرار الاقتصادي وتوفير فرص العمل وتحقيق التطور المنشود لن يكتب للسلام الاستمرار ولن يعيش طويلا, وسيظل مهددا بقوة. لقد توقعنا جميعا أن يقطف الفلسطينيون ثمار السلام بعد نحو ست سنوات من إطلاق العملية السلمية بين الإسرائيليين والفلسطينيين لكن ما حدث هو العكس تقريبا. فالاقتصاد الفلسطيني شهد انكماشا بنسبة تتجاوز 40%. وعلى سبيل المثال, فإن إجمالي الناتج المحلي لإسرائيل يقارب 100 مليار دولار, بينما لدى الفلسطينيين لا يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي 5.3 مليارات دولار. وبالنسبة لدخل الفرد في إسرائيل فهو 17 ألف دولار في السنة, بينما يقل لدى الفلسطينيين عن 1000 دولار سنويا. كذلك, فإن نسبة البطالة بين الإسرائيليين تبلغ نحو 9%, أما بين الفلسطينيين فهي تتراوح بين 30 و50%. وهكذا, فإنه إذا ما توفرت فرص العمل للفلسطينيين, وتعززت آمالهم بسهولة بيع نتاج جهدهم وعملهم, فستقل إلى حد كبير معاناتهم ولن تجد تلك المشكلات والمتاعب في الشارع الفلسطيني, وهو أمر تؤكده التجارب في كبريات المدن الأميركية. فعندما تحسن الاقتصاد, حدث انخفاض في معدلات الجرائم. والأمر نفسه يمكن أن يحدث بين الفلسطينيين. وطوال السنوات الماضية, كان التركيز كله منصرفا إلى السياسة. بينما الوقت قد حان لتضمين الاقتصاد والأعمال, وإعطائها الأهمية ذاتها. والنقطة الأساسية التي يجب الانطلاق منها هي أنه إذا لم تتوافر المعطيات اللازمة للتدفق الحر والسلس للسلع والأشخاص, فلن يكون بالإمكان الحصول على اقتصاد عامل وفاعل أو علاقات مستقرة. لذا, هناك حاجة للموازنة والمواءمة بين الاعتبارات الأمنية والظروف الودية الضرورية للأعمال, ولا يمكن للعمل أن ينجح إذا كانت عمليات التفتيش على الحدود تعطل وصول المنتج إلى السوق في الوقت المناسب. لقد سافرت إلى كل مناطق العالم تقريبا, لكن ما يثير دهشتي في منطقة الشرق الأوسط هو ذلك الافتقار الشديد إلى تجارة إقليمية ذات قيمة. لا أقصد بذلك التجارة بين العرب والإسرائيليين, بل بين العرب أنفسهم ولكي تتمكن منطقة الشرق الأوسط من لعب دور بارز على الساحة العالمية, فلا يمكن لها أن تظل مؤلفة من اقتصادات صغيرة معزولة.. ليست بينها أية روابط. إن الشركات الكبرى لا يمكن أن تذهب إلى المنطقة وهي لا ترى أمامها سوى أسواق متفرقة لا يزيد عدد المستهلكين فيها على أربعة أو خمسة ملايين شخص, لذلك لابد من التقارب والإسراع بالخطى نحو إقامة سوق إقليمية نابضة بالحياة ومفعمة بالنشاط.. سوق يتجاوز عدد المستهلكين فيها 200 مليون شخص. ولنا أن نعلم أن اليوم لا تشكل تجارة دول الشرق الأوسط مع بعضها البعض أكثر من 7% من حجم التجارة الإجمالي. بينما هذه النسبة في أوروبا لا تقل عن الثلثين. وفي آسيا تصل إلى 30%. وبالنسبة للولايات المتحدة نجد أن أكبر شريكين تجاريين هما أقرب الجيران لنا ـ كندا والمكسيك. فهل هناك فرصة للوصول إلى حجم أكبر من التجارة المتبادلة بين دول الشرق الأوسط.. تجارة تتسم بالانفتاح الحقيقي والحرية, لا أحد منا ولد بالأمس فقط. وندرك جميعا أن هذه هي منطقة الشرق الأوسط. وفيها لا تحدث الأمور بين عشية وضحاها, لكنها لابد من أن تحدث في نقطة ما في المستقبل عندما يفرغ المفاوضون من مفاوضاتهم ويتم تنفيذ ما تم التفاوض حوله, عندها سيكون المجال قد تم إفساحه أمام الاستقرار الاقتصادي وأمام فرص العمل التي ستجلب السلام الدائم. وعلينا أن نتذكر أن الرئيس تيودور روزفلت, وهو أول رئيس أمريكي يزور منطقة الشرق الأوسط, قال وهو في طريقه للقاء مع رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشيرشل خلال الحرب العالمية الثانية للاتفاق على بعض عناصر استراتيجية الحرب إنه مهما كانت الكلفة, فإن السلام يمكن تحقيقه حتى والحرب العالمية مستعرة. وإذا ما استعرضنا ما حدث خلال السنوات الخمس والخمسين التي ولت منذ ذلك الحين سنجد أن ألمانيا واليابان ـ وهما العدوان الرئيسان للولايات المتحدة آنذاك ـ قد أصبحا اثنين من أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة. ليس ذلك فحسب, بل ومن أكبر حلفائنا أيضا. هناك أيضا روسيا. كانت حليفتنا آنذاك. ثم انقلبت الأمور وتبدلت الأحوال, فأصبحت عدوا, ثم أخذت تعود تدريجيا لكي تكون شريكا لنا مرة أخرى. لذلك, نأمل أن يتحقق السلام بين الجيران في الشرق الأوسط, مثلما تحقق في أماكن أخرى كثيرة. ولقد جرى عقد مؤتمرات اقتصادية إقليمية لمنطقة الشرق الأوسط. جرى الأول في الرباط ثم عقد آخر في عمان وثالث في الدوحة. ولم يتم عقد مؤتمر العام الماضي, لكن الأمل معقود على عقد هذا المؤتمر خلال العام الجاري. فعقد هذه المؤتمرات يمثل أحد أهدافنا. وقاطعت الحكومات مؤتمر الدوحة, ولم يتحقق النجاح المطلوب, لكن المؤتمر انعقد في ظل مشاركة كبيرة من القطاع الخاص, إذ تراوح عدد الحضور من القطاع الخاص بين 2300 و2400 رجل أعمال. وبخصوص ما يقال من أن الولايات المتحدة نفسها تناقض العنوان المقترح للمرحلة المقبلة, أي (من الحروب إلى الأعمال) من خلال مؤشرات المساعدة الأمريكية لإسرائيل بخفض نسبة 20% من حجم المعونة وإضافة 5% لحجم المعونة العسكرية, فلابد من التأكيد على حرص الإدارة الأميركية على تحريك الموقف في الشرق الأوسط من حال العنف إلى السلام. ويسير بموازاة ذلك مساعدة الأطراف المختلفة على توفير الشروط اللازمة لازدهار الأعمال وتحسين مستويات المعيشة في المنطقة بأكملها. إن هناك رغبة المستثمرين في العمل في الشرق الأوسط وفي المناطق الفلسطينية. وهم مستعدون للمغامرة من أجل الحصول على عوائد جيدة. هناك صعوبات كثيرة بكل تأكيد, لكن ذلك لا يمنع من الاستمرار في توفير الظروف المناسبة والعمل على إزالة الصعوبات بقدر الإمكان. ولاشك في أن أي تقدم تحققه العملية السلبية تنعكس آثاره إيجابا على مناخ الأعمال. في الوقت نفسه, لابد على السلطات المسؤولة في المنطقة أن تضع القواعد التي تتسم بالشفافية, وتعطي التسهيلات للمستثمرين, وتوفر لهم الإحساس بإمكانية الحصول على حقوقهم في حال نشأ أي نزاع. كذلك من المهم للغاية أن تبذل جهود أكبر لمحاربة الفساد. فهذه مسائل يهتم بها المستثمر, ويحرص على التأكد منها قبل أن يضخ أمواله في المنطقة. ومن الشروط الضرورية أيضا توفير حماية أكبر لحقوق الملكية الفكرية, من خلال استكمال الهياكل التنظيمية اللازمة في هذا المجال حتى يشعر المستثمرون بالثقة. هذه تحديات كبيرة والجميع يدرك ذلك, ويحاولون التحرك بسرعة للتعامل مع كل ما يثير قلق المستثمرين المحتملين. في مقابل ذلك تنتظر دول الشرق الأوسط حجما أكبر من الاستثمارات الخارجية التي لاتزال ضئيلة إلى حد كبير, وإن كنا نؤكد على أن المسألة تنافسية, وهناك مناطق أخرى كثيرة تحاول تقديم ما هو أفضل لاجتذاب المستثمرين. لذا, فإن الأمر يتلخص في تقديم شروط أكثر جاذبية حتى يمكن لرأس المال أن يتجه إلى منطقة الشرق الأوسط. وهنا نعود للتشديد على أن إحدى الوسائل الضرورية للنجاح في زيادة حجم الاستثمارات تتمثل في تقارب دول المنطقة تجاريا حتى تقدم نفسها على أنها سوق تضم ما لا يقل عن 200 مليون نسمة. ويجب هنا ألا نسقط مصر من حساباتنا, فالسوق المصرية ضخمة بكل تأكيد, وخلال السنوات الخمس الماضية حدثت تطورات لافتة في مصر, وهو أمر تؤكده نسب النمو التي تقترب من 5%. لذلك. هناك فرص متاحة في المنطقة, لكن هذه الفرص ستكون أفضل إذا أضيفت الأسواق المجاورة إلى السوق المصرية للحصول على سوق أكبر هائلة, مع مواصلة السير في الوقت نفسه في طريق الإصلاحات الاقتصادية الجدية وتطوير الهياكل المختلفة حتى يمكن أولا للتجارة بين دول المنطقة أن تنمو, وترتفع نسبتها لتقترب من النسب المسجلة في المناطق الأخرى بالعالم, وتبتعد عن نسبة الـ7%, والتي تتجاوزها حتى القارة الأفريقية بتسجيلها نسبة 13%. وليام ديلي وزير التجارة الأمريكي