لا يمر يوم في مصر إلا وتقرأ في وسائل الإعلام المختلفة عن إعلان لإحدى الشركات المصرية عن حصولها على شهادة ضبط الجودة والمواصفات المعروفة بأسم "الايزو" بدرجاتها المختلفة سواء الإدارة أو الإنتاج أو التسويق والتي تمنحها الشركات العالمية لها مقابل مبالغ با هظة . الغريب أن الحصول على تلك الشهادات طال شركات صناعة البرمجيات, آخرها شركة "أكست" التي سددت نحو 20 ألف جنية للحصول عليها حيث استغرق حصولها على الشهادة عبر شركة (بي. اس. اي) البريطانية نحو تسعة أشهر.. وحسب تقديرات هيئة التوحيد القياسي في مصر بلغ عدد الشركات التي حصلت على تلك الشهادات في كافة القطاعات نحو 350 مؤسسة خدمية منها 15 شركة فقط حصلت على شهادة إيزو 14000 والتي تركز على عناصر الحفاظ على البيئة. جواز مرور عالمي وتعتبر أهمية تلك الشهادة أنها جواز مر و ر للسلع والمنتجات لدخول الأسواق العالمية, وشهادة ميلاد على أنها متوافقة مع الجودة والمواصفات العالمية. وتتهافت الشركات المصرية للحصول على تلك الشهادة في ظل وجود 280 ألف منشأة صناعية في مصر حسب تقديرات وزارة الصناعة. ورصدت هيئة التوحيد القياسي المصري مؤخرا أن هناك 86 شركة في سبيلها للحصول على شهادة الإيزو في الوقت الذي اختلفت فيه آراء الخبراء حول جدية الحصول على تلك الشهادة, حتى أن البعض اعتبرها نوعا من "المنظرة" وقلل من أهميتها في فتح الأسواق أمام الصادرات المصرية, وصولا إلى وجود شبهة اتفاق بين الشركات المانحة لهذه الشهادات ونظيراتها المصرية حيث تبيع الأولى للثانية تلك الورقة. الضوابط .. ضرورية وأمام هذا الجدل الذي يدور في أوساط المجتمع الاقتصادي المصري, برزت عدة تساؤلات يأتي في مقدمتها هل الظروف الحالية تتطلب إنشاء جهاز وطني يتأكد من صحة حصول تلك الشركات المحلية على الإيزو, وإيجاد ضوابط للتأكد من استمرار واعتماد تلك المواصفات. وعلمت (البيان) أن وزارة الصناعة اعتمدت 30 مواصفة قياسية جديدة صادرة عن هيئة التوحيد القياسي وتتضمن 20 مواصفة جديدة لتعديل المواصفات القائمة أخذا بالتطور التكنولوجي وعشر مواصفات تصدر لأول مرة خلال الفترة المقبلة. وأشارت مصادر مطلعة إلى أ ن الوزارة تعهدت بإصدار 300 مواصفة سنويا. على أن يتم مراجعة شاملة لهذه المواصفات سنويا. وفيما يعتبر تطورا مهما قامت هيئة التوحيد القياسي باعتبار مواصفتي الإيزو السابقتين كمواصفات قياسية مصرية وأصدرت توجيهات خاصة بذلك الشأن لاستخدامهما في المؤسسات المصرية مم اسهل من إقبال الشركات المحلية للحصول على الايزو. ومن جانبه أعترف وزير الصناعة والثروة المعدنية المصري المهندس سليمان رضا أن حصول الشركات المحلية على شهادات الإيزو في المرحلة السابقة وصل إلى حالة من الفوضى مما تطلب إصدار قرار جمهوري رقم 312 لسنة 1996 الخاص بإنشاء وتأسيس مجلس وطني للاعتماد برئاسة وزير الصناعة, إلا أن البيروقراطية حالت دون تنفيذ المشروع. وقال الوزير ان مطلع أكتوبر المقبل سيشهد بدء مرحلة تقييم شهادات الإيزو التي حصلت عليها الشركات المصرية المختلفة واعتمادها أو رفضها بعد ما أنهينا مرحلة تأسيس هذ ا الجهاز, وتأهيل الكوادر الفنية والمهنية لقياس الجودة. ويوضح رضا أن ذلك لا يعني إلغاء عمليات التفتيش التالية ومتابعة الشركات التي اعتمدت شهاداتها للإيزو, ولكن ستتواصل الحملات للتأكد من التزام الشركات والمصانع المصرية بالقواعد المواصفات المطلوبة في عمليات الإنتاج المختلفة. ويتفق وزير الصناعة المصري على أنه يجب وضع خطة قومية مع اتحاد الصناعات المصري ومنظمات رجال الأعمال الخاصة المختلفة لمساعدة الشركات على الحصول على الإيزو لأن تكاليف الحصول عليها مرتفعة. مخاطر التجسس الصناعي ويحذر الخبراء والمسؤولون الاقتصاديون في مصر من تسلل اليهود والصهاينة وتجسسهم على الصناعة الوطنية تحت ستار الإيزو .. حيث تضع الشركات تحت أيدي المؤسسات الدولية المعنية كافة تفاصيل العملية الإنتاجية للمصنع الذي تقوم الوكالات الأجنبية التي يمثلها هؤلاء بمنحه شهادة الإيزو, وذلك تحت ستار الشفافية وحرية تداول المعلومات, حيث تفرض تلك الوكالات إرسال نسخة كاملة من كتاب نظام الإدارة يشمل جميع خطوات إدارة العملية الإنتاجية بالشركة أو المصنع .. على أن تقوم الشركة المانحة لشهادة الإيزو بإيفاد مندوبيها للشركة المحلية للقيام بالتفتيش على أقسامها وخطوات العمل بداخلها ومراجعة العملية الإنتاجية طوال مدة تتراوح بين 6 و9 شهور تالية. ويحذر مجلس الشورى في تقرير أطلعت عليه (البيان) من خطورة تلك الوكالات الأجنبية المنوط بها منح شهادات الإيزو, خاصة أنها تكون تابعة لشركات منافسة أو دول معادية تقوم بتسريب المعلومات إليها. ويقول النائب عيد آدم أن هذه الشهادة بداية لهيمنة جديدة للشركات العملاقة على الصناعة المصرية, مطالبا بأهمية التحرك لإعادة قدرة الصناعات الاستراتيجية على المنافسة مرة أخرى خاصة في قطاعات صناعة السكر والغزل والنسيج. ويختلف الدكتور عبد المنعم سعودي رئيس اتحاد الصناعات المصرية مع هذا الرأي قائلا: شهادات الإيزو المعمول بها حاليا في مصر والتي تنفذها 350 شركة مصرية سينتهي تطبيقها اعتبارا من بداية عام 2000 حيث سيكون على جميع الشركات الحاصلة على الإيزو الالتزام بتطبيق التعديلات التي أدخلتها المنظمة العالمية للمواصفات على نظام الإيزو 9000 كشرط لاستمرار تمتعها بالامتيازات التي يمنحها هذا النظام. ويؤكد سعودي أن مصر اشتركت مع 52 دولة في مراجعة نظام الإيزو 9000 ووضع التعديلات الجديدة عليه .. مشيرا إلى أن مسودة تلك التعديلات صدرت فعلا وبدأت جميع الشركات الحاصلة على شهادات الجودة إعداد نفسها للتعامل معها. وينتقد د. سعودي قلة عدد الشركات الحاصلة على الإيزو محليا حيث لا يتعدى 350 شركة في الوقت الذي توجد فيه 25 ألف شركة مقيدة في اتحاد الصناعات ووزارة الصناعة وهو رقم ضئيل للغاية خاصة إذا أخذنا في الاعتبار حاجة مصر المستقبلية من زيادة الصادرات والاندماج مع الأنظمة ا لاقتصادية العالمية. ويعترض سعودي على أن الشركات الصغيرة ليست في حاجة لمثل هذه المنظومة مؤكدا أنه لابد من قيام جميع أنواع الشركات بإدخالها وتعديل مواصفة الإيزو ,9000 خاصة أن التطوير يأتي مع متطلبات تحرير التجارة العالمية الذي يعد ضرورة ملحة في الوقت الراهن. ويوضح سعودي انه يجب التفكير فيما وراء التوافق مع متطلبات المواصفة وحتمية الاتجاه إلى المزيد من تطبيق مبادئ الإدارة بالجودة الشاملة بدلا من التشكيك في شهادة الإيزو. ويضيف أ ن المبادئ الأساسية للإدارة بالجودة الشاملة والتي اتخذت أساسا للمواصفة الجديدة ستؤكد على أن يكون العملاء هم محور عمل المنشأة ونقطة ارتكازها وكفاءة القيادة واشتراك العاملين في منظومة الأداء الجماعي واستخدام نموذج العملية وأسلوب الإدارة بالعمليات لاتخاذ القرارات بناء على معلومات وحقائق مدروسة. وعلى الصعيد العربي لا يختلف الوضع كثيرا حيث طالبت الأمانة الاقتصادية بجامعة الدول العربية منذ عام 1995 الشركات العربية بأنواعها المختلفة التابعة للقطاع العام أو الحكومة أو الخاصة بضرورة تعميم نظام الجودة الشاملة في مجال التجارة بهدف تحسين أدائها وزيادة معدلات التجارة العربية البينية والاستفادة من تطوير الإنتاجية في تطبيق سياسات تجارية وتسويقية أكثر مرونة. ويؤكد تقرير للأمانة الاقتصادية أن الاقتصاديات العربية أصبحت الآن في حاجة ملحة إلى إصلاحات أساسية لزيادة قدرتها التنافسية في الاقتصاد الدولي. ويبرر التقرير نقص الصادرات العربية للأسواق الدولية لانخفاض مستويات الجودة والمواصفات النمطية الدولية لبعض السلع العربية نتيجة نقص المعلومات عن الأسواق الدولية المتاحة لمؤسسات التجارة, فضلا عن أن الأساليب التقليدية لعلاج تلك المشكلة لا تتم فقط بالفحص والتفتيش والبحث عن تطابق المواصفات والثقة في سلع وتحقيق ضمانات الجودة من خلال المواصفات النمطية العالمية (إيزو 9000) والتي لا توفر مركزا تنافسيا في الأسواق الدولية. ويوضح التقرير أن منظومة الجودة الشاملة في التجارة تعمل على تحسين الكفاءة والأداء عن طريق فاعلية أعلى ومستويات أفضل . مؤكدا ضرورة التزام جميع المؤسسات العاملة في التجارة بالدولة بتحقيق أهداف التجارة بأسلوب إستراتيجي لتحسين الكفاءة في منظومة التجارة وتوفير مرونتها ومركزها التنافسي وفاعليتها وآثارها الإيجابية على الاقتصاد بأقل أخطاء وانحرافات ممكنة أو بدون أخطاء لإرضاء المستهلكين والمصدرين والمستوردين. ويرى الدكتور فريد النجار بالجامعة العربية أن تطبيق نظم الجودة الشاملة لرفع كفاءة التجارة تتضح من خلال توفير الاستشارات للحكومات في مجال استراتيجيات التجارة الدولية, وتقديم خدمات البنية الأساسية لتنمية وترويج الصادرات والمساعدة في التعرف على فرص التصدير الجديدة .. حيث تحقق إدارة الجودة الشاملة في التجارة والصناعة وغيرها. وتخفيض الشكاوى والتكلفة وزيادة حصص الدولة من السوق الدولي إضافة إلى تزايد الكفاءة في خفض المخزون والتأخير والأعطال والفاقد وفساد السلع بسبب النقل والإفراج المتأخر وزيادة معدل العائد على الاستثمار في التجارة. وتزداد أهمية الحصول على الإيزو مع حلول عام 2001 موعد انتهاء المهلة التي حددتها منظمة التجارة الدولية (الجات) الخاصة بالتزام الدول النامية بتطبيق معايير الجودة الشاملة (الإيزو) على جميع منتجاتها خصوصا أن أي منتج عربي لن يستطيع التعامل مع الشركات الأوروبية والأمريكية أو حتى جنوب شرق آسيا إلا إذا حصل على شهادة الإيزو. الى ذلك يقول المهندس عادل الموزي وكيل اتحاد الصناعات المصرية أن الاتحاد الأوروبي رصد مليار جنية كما رصدت المعونة الأمريكية نحو 120 مليون دولار لتوفيق أوضاع الصناعة المصرية ومساعدتها في الحصول على هذه الشهادة. الصناعة المصرية مطالبة بملاءمة أوضاعها مع شروط التجارة العالمية القاهرة (البيان) حسين عبد الهادي