استعرضنا على مدار اليومين الماضيين أسباب احجام القطاع الخاص عن الاستثمار في مجال النقل البحري, ومعوقات اقامة صناعة وطنية للنقل البحري تقف ندا للشركات العالمية التي تعج بها مياهنا في مجال نقل البضائع بمختلف أشكالها واستطلعنا آراء أصحاب شركات الملاحة المحلية والعربية حول معوقات قيام هذه الصناعة وأسباب احجام المواطنين عن دخول هذا المجال كما استعرضنا آراء الخبراء الاكاديميين والمتخصصين في هذه القضية. وأكد الجميع توفير جميع مقومات اقامة صناعة وطنية للنقل البحري بالدولة من موانئ عالمية وخبرات بحرية على مستوى عال اضافة الى حركة التجارة النشطة مع جميع انحاء العالم فضلا عن الموقع الاستراتيجي العالمي الذي يتوسط الشرق والغرب. ولكن وفي الوقت نفسه أوضح هؤلاء وجود معوقات حقيقية في طريق اقامة هذه الصناعة ينبغي ازالتها, بعض هذه المعوقات يتعلق بالمتغيرات العالمية والبعض الأخر يتعلق بطبيعة هذه الصناعة ذاتها, والبعض الثالث يتعلق ببعض الظروف التي يجب تهيئتها لتشجيع القطاع الخاص على دخول هذا المجال. وتتمثل أهم المعوقات في كون هذه الصناعة كثيفة رأس المال لا يستطيع القطاع الخاص وحده وبدون دعم أن يصمد فيها, خاصة إذا أخذنا في الاعتبار ان البنوك المحلية لدينا تحجم عن تمويل مشروعات في هذا المجال الذي ترتفع فيه معدلات المخاطرة, هذا فضلا عن نقص التدريب أو ندرة الكوادر الواعية بعمل البحر الأمر الذي دعا البعض الى اقتراح انشاء اكاديمية بحرية خليجية تتولى هذا الجانب الحيوي. وتواصل (البيان) في هذه الحلقة تقديم المزيد من المقترحات لتطوير هذه الصناعة خاصة في ظل التحديات والمتغيرات العالمية التي تستوجب ليس فقط الاهتمام بصناعاتنا وانما ايضا العمل في اطار خليجي وعربي مشترك نستطيع من خلاله مواجهة التكتلات الاقتصادية العالمية في ظل العولمة. وتركز هذه الحلقة على الانجازات الكبيرة التي حققتها سلطة موانئ دبي والتي تعتبر أحد أهم مقومات نجاح هذا القطاع. وتأسيس أول تجمع لوكلاء الشحن في العالم العربي من خلال اللجنة الوطنية لوكلاء الشحن بالدولة والذي يعتبر ايضا خطوة على هذا الطريق خاصة مع وجود النقل متعدد الوسائط الذي يلعب فيه النقل البحري دورا محوريا. وتستكمل الاقتراحات التي قدمها عدد من خبراء البحار في الوطن العربي والتي تؤكد ان نجاح صناعة النقل البحري لابد وان تقوم على عمل مشترك بين الدول والموانئ العربية من خلال التسهيلات الخاصة وغير ذلك من أوجه التعاون. موانئ عالمية مما لاشك فيه ان دولة الامارات العربية المتحدة لديها الآن مجموعة من الموانئ العالمية وبخاصة في دبي, هذه الموانئ هي الأساس لأي صناعة نقل بحري وطنية, بل هي الأساس الذي يجتذب جميع شركات الملاحة العالمية. ويؤكد سلطان أحمد بن سليم رئيس ومدير عام سلطة المنطقة الحرة بجبل علي وموانئ دبي ان دولة الامارات العربية المتحدة بشكل عام ودبي بشكل خاص تتمتع بموانئ عالمية وحركة تجارية نشطة مع كافة أرجاء المعمورة, كما تتمتع سلطة موانئ دبي بخبرة عريقة في ادارة الموانئ رشحتها لادارة عدد من موانئ العالم الأخرى بترشيح من شركات الملاحة العالمية. ويضيف ان ميناء جبل علي بدبي هو أكبر ميناء صنعه الانسان على مرحلة واحدة بالعالم كله, واستطاع هذا الميناء ان يحصل على شهادة الايزو الخاصة بالجودة التي لم تأت من فراغ وانما بجهد وعمل وبرامج تدريبية استغرقت سنوات طويلة, فهذا الميناء يحتوي على 2.8 مليون وحدة مكافئة وبمعدل نمو 2%. وكشف بن سليم ان قيام سلطة موانئ دبي بادارة موانئ عالمية أخرى خارج دبي مثل ميناء بيروت أو محطة الحاويات الرئيسية بميناء جدة السعودي على البحر الأحمر, انما يتم من خلال خبرات مواطنة على كفاءة عالية المستوى, وان هذا يعني ايضا الاهتمام بعمليات التدريب وبالعنصر البشري باعتبار انه أهم عناصر العملية الانتاجية. 2.8 مليون حاوية وكانت سلطة موانئ دبي قد حققت زيادة كبيرة في حجم الحاويات للعام 1998 لتحقق بذلك رقما قياسيا جديدا وصل الى 2.8 مليون حاوية نمطية مقابل 2.6 مليون حاوية نمطية خلال العام السابق. هذا النجاح كما يقول سلطان بن سليم لايدعم فقط قطاع النقل البحري وانما يدعم كافة القطاعات الاقتصادية فهذا النمو في عدد تنزيل الحاويات النمطية معناه زيادة في حصة البلاد من البضائع. وأوضح ان موانئ دبي احتلت المركز العاشر بين موانئ العالم قاطبة في مناولة الحاويات مؤكدا ان استراتيجية السلطة هي ان توفر المعدات والآليات التي تقوم بعمليات المناولة وتلبي احتياجات العملاء الحالية والمستقبلية, وقال ان حجم الطلب والأعباء الملقاة على عاتق سلطة موانئ دبي كبير جدا. وأشار الى ان حكومة دبي ركزت في خطتها التنموية الاستراتيجية على تنويع مصادر الدخل وخلق اقتصاد يعتمد على قوة العمل الماهرة والمتعلمة وخلق وضع اقتصادي عام قوي بحلول عام 2001 لا يعتمد على النفط. مرحلة حاسمة اللجنة الوطنية لوكلاء الشحن والتخليص ايضا تدرك أهمية القضية وخاصة في ظل المنافسة الحادة والأسواق المفتوحة وعصر الجات, وقالت اللجنة ان القطاع يمر بمرحلة حاسمة وان على الدول العربية ادراك ذلك تماما حتى لا تواجه الشركات العربية تدفق أعداد أكبر من الشركات الدولية على المنطقة تسعى لحصص أكبر في السنوات الخمس المقبلة على حساب الشركات العربية المتخصصة. وأوضحت اللجنة ان نجاح دولة الامارات العربية المتحدة في تأسيس أول تجمع عربي لوكلاء الشحن والتخليص يعد خطوة رائدة بالمنطقة العربية, وهي خطوة رائدة ستساعد في تذليل العديد من الصعوبات ومواجهة تحديات القرن المقبل. وقالت اللجنة الوطنية لوكلاء الشحن بالدولة ان التعاون البناء والمتواصل بين دوائر دبي بمجال الشحن ساهم في تعزيز مكانة دبي على خارطة الشحن الدولية ودفع بالعديد من الشركات الدولية المتخصصة في هذا المجال لاتخاذ دبي والامارات مركزا لانطلاق أنشطتها اقليميا. وذكرت اللجنة ان هناك شركات دولية عديدة تسعى حاليا لاتخاذ دبي مركزا لأعمالها بفضل ذلك التعاون وقوة البنية التحتية. تعدد الوسائط وذكر تقرير لغرفة تجارة وصناعة دبي ان تطور النقل البحري الجوي كنظام مترابط للشحن أصبح جزءا هاما من نظام النقل ويعتبر عاملا مساعدا لاقامة صناعة وطنية للنقل البحري. وأوضح التقرير ان القرن المقبل سيشهد عناصر عدة من طرق النقل التي يستخدمها الناقل. وقياسا على ذلك تنقل الشحنة في دورة النقل البحري الجوي عبر عدد من الطرق الرئيسية من الشرق الأقصى - اليابان إلى شمال أمريكا بالباخرة ومن ثم بالطائرة إلى أوروبا في فترة العبور ما بين 15-16 يوما. ومن الشرق الأقصى إلى دبي بالباخرة ومن ثم عن طريق الجو إلى أوروبا في فترة ما بين 18-19 يوما. النقل العابر وأشار التقرير إلى النجاحات التي حققتها دولة الامارات العربية المتحدة في مجال النقل العابر (الترانزيت). وان هذا النجاح الذي كان نتاج عوامل خمسة هو في أحد ذاته أحد المقومات الأساسية لنجاح شركات الملاحة البحرية واقامة صناعة وطنية للنقل البحري. أما العوامل الخمسة للنجاح فهي تتمثل في الموقع الجغرافي المثالي للامارات على ملتقى الطرق بين الشرق الأقصى وأوروبا, والبنيات الهيكلية المتطورة فيما يتعلق بالموانئ الحديثة والطرق الموصلة والسريعة والتسهيلات الخاصة بالشحن وادراك الحكومة لأهمية الشحن البحري الجوي التي تتمثل في السياسات المتبعة أي التقليل من الاجراءات الروتينية إلى الحد الأدنى وازالة كل العوائق ومرونة ساعات العمل وادخال نظام العمل طوال أيام الاسبوع بالمناوبة بهدف تقليل وقت العبور إلى الحد الأدنى ومن ثم زيادة تدفق الشحن البحري الجوي وجذب الخطوط البحرية للرسو بانتظام في موانئ الدولة مما جعلها مركز استقطاب لعمليات هذه الخطوط ومركز اعادة توزيع لباقي المنطقة. أساس اقليمي وتشير التوقعات إلى ان التطور الرئيسي في التجارة سوف يكون على أساس اقليمي وليس بين القارات مما ينعكس مباشرة على متطلبات النقل. وهذا الوضع سيؤدي إلى قيام تكتلات تجارية جديدة بالاضافة إلى تقوية التكتلات القائمة فيها. وقد أدركت دبي ذلك مبكرا حيث قامت بترويج نفسها وبذلت جهودا للتعاون الوثيق بين جميع أشكال ووسائل النقل (اللوجستية) من أجل مواكبة التغييرات في متطلبات السوق. وتقبلت دبي الايفاء بمتطلبات واحتياجات عالم الأعمال في الوقت المناسب حيث روجت خدماتها كسلعة موحدة. ووفقا لهذه المعطيات فإن النقل البحري أصبح شريكا وليس منافسا للنقل الجوي. ووفرت المراكز الاقليمية تسهيلات كبيرة. توصيات مهمة وكان مؤتمر (النقل البحري ومناطق التجارة الحرة العربية) الذي نظمته غرفة تجارة وصناعة دبي أوائل هذا العام قد أكد على أهمية هذه الصناعة والدور الكبير الذي يلعبه النقل البحري في التعاون العربي المشترك. وأسفر المؤتمر عن مجموعة مهمة من التوصيات منها: 1 - ضرورة وضع استراتيجية شاملة للدخول في السوق الملاحية العالمية بالشكل المناسب مع امكانية الاستعانة في هذا المجال ببيوت الخبرة العالمية أو بمراكز البحوث والاستشارات في الاكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري. 2 - مناشدة القطاع الخاص العربي بالتعاون مع الامانة العامة لجامعة الدول العربية والمنظمات الاقليمية المتخصصة لاجراء البحوث والدراسات التي تؤدي إلى تطوير صناعة النقل العربي. 3 - العمل على انشاء شركة عربية خاصة للنقل المتعدد الوسائط تتعاون مع الشركات العالمية المماثلة في ربط التجارة العربية بجميع أنحاء العالم. 4 - قيام صناديق التنمية العربية والمؤسسات المالية والمصارف العربية بالاستثمار وتشجيع القطاع الخاص للمشاركة في صناعة النقل البحري خاصة في تملك السفن وتطوير وتنمية الموانئ البحرية وذلك بتسهيل عمليات التمويل بالقروض الميسرة. 5 - تشجيع النقل الساحلي بين الموانئ العربية مع تقديم الخدمات والتسهيلات اللازمة لتطويره. 6 - معاملة السفن العربية في الموانئ العربية معاملة السفن الوطنية للدولة من ناحية التسهيلات الخدمية البحرية. 7 - مواءمة الدول العربية للوائحها وقوانينها البحرية مع توصيات اتفاقية مستويات التدريب للعاملين في البحر. 8 - ضرورة الاهتمام برفع مستوى كفاءة العنصر البشري العربي بما يتماشى مع أسلوب الادارة والتكنولوجيا الحديثة. 9 - ضرورة استخدام الأساليب التقنية المتطورة ونظم الاتصالات الحديثة في صناعة النقل البحري. 10 - دعوة شركات ومؤسسات النقل البحري العربي للدخول في تجمعات لمواجهة التكتلات البحرية العالمية. 11 - ضرورة حصول الشركات وسفن أسطول النقل البحري العربي على شهادات الادارة الآمنة (ISM) حتى لا تمنع السفن العربية من دخول الموانئ الأجنبية أو تتعرض للاحتجاز. 12 - ضرورة اقامة اتحاد عربي لملاك السفن واتحاد عربي للشاحنين بالتعاون مع الاتحادات والهيئات الملاحية المتخصصة وذلك ضمانا لتخفيض التكاليف. 13 - ضرورة انشاء مركز معلومات عربي لصناعة النقل البحري بالتنسيق مع مراكز معلومات النقل البحري في الدول العربية. ويذكر ان هذا المؤتمر قد عقد بالتنسيق مع جامعة الدول العربية ومركز الدراسات العربية في لندن وحظي باهتمام بالغ. وهو الأمر الذي يؤكد أهمية قضية صناعة النقل البحري في المرحلة المقبل. فإذا ما أضفنا إلى ما سبق من مقومات وتوصيات ما سبق أن أعلنته دائرة موانئ وجمارك دبي قبل فترة وجيزة من اعداد خطة للوصول إلى رقم 16 مليون حاوية في العام خلال الأعوام القليلة المقبلة فإن هذا يعتبر دعوة للقطاع الخاص بالنشاط واستغلال هذه الطفرة الملاحية الكبيرة لصالحه. تحقيق ـ عبد الفتاح فايد