من المعروف ان التجارة البينية بين دول مجلس التعاون لا تزال متواضعة, وكما هو معروف ايضا فان أحد أسباب ضعف نسبة التجارة البينية الخليجية هو التركيبة السلعية الخليجية وتشابه السلع المنتجة في بلدان المجلس , ويعزى ضعف التبادل التجاري بين دول المجلس ايضا لوجود معوقات عديدة تقف في طريق انسياب التجارة وتقوم لجنة التعاون التجاري ولجنة التعاون الصناعي بدراستها وتقديم المقترحات لمعالجتها, كما ان عدم اعتماد التعرفة الخارجية الموحدة حتى الآن هو بلا شك عقبة رئيسية وذات تأثيرات سلبية على التجارة الخارجية وهناك جهود حثيثة مبذولة لتوحيد التعرفة بين دول المجلس تجاه العالم الخارجي. في الجانب الآخر نجد ان الحديث حول اقامة سوق عربية مشتركة يأخذ أبعادا جدية في الوقت الحاضر بعد ان ظلت الدول العربية لأكثر من نصف قرن تتطلع الى تحقيق التكامل الاقتصادي فيما بينها, وقد انشئ من أجل تلك الغاية العديد من الاجهزة والمؤسسات وعقد العديد من الاتفاقيات, وقد أصابت تجربة العمل الاقتصادي العربي قدرا من النجاح كما صاحبتها بعض الاخفاقات. وتجاوبا مع ذلك جاء قرار القمة العربية التي عقدت بالقاهرة في يونيو 1996 باقامة منطقة التجارة العربية الكبرى, ولعل التجارة هي المدخل المناسب والواقعي للتكامل الاقتصادي العربي, وهي المدخل الذي انتهجته التكتلات العالمية الرئيسية, فكيف يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي الاستفادة من التوجهات الجادة لاقامة هذه السوق من جهة وتجاوز عقبة محدودية التجارة البينية فيما بينها بما يسمح بالمضي قدما في تنويع صادراتها من جهة أخرى؟ ان دول الخليج العربية بامكانها الاستفادة من التوجهات العربية لاقامة سوق عربية مشتركة وذلك من خلال تبني وبصورة مشتركة استراتيجية فعالة وذلك لتعزيز وتوثيق تكاملها المادي والاقتصادي مع الدول العربية الأخرى, كما ان هذه الاستراتيجية تمثل ضمانة فاعلة تساعد دول الخليج العربية ومعها الدول العربية الأخرى على التخلص من هشاشة علاقتها وبنائها على أسس أوطد. ان الحديث عن السوق الشرق أوسطية غالبا ما يتم ربطه ـ بصورة أو بأخرى ـ بتدفق التمويلات الخليجية التي تسهم في اقامة مختلف المشروعات المطروحة في اطار تلك السوق, اننا نستذكر هنا موقف دولة الامارات العربية المتحدة والذي حذر بكل وضوح من هذه المسألة وعدم جدواها, بل وخطورتها الاقتصادية, فلا يوجد هناك ما يبرر قيام رؤوس الأموال الخليجية بتمويل مشروعات تنافس وتهدد الكثير من الصناعات التي اقامتها بنفسها في بلدانها, وعوضا عن ذلك فانه بامكان دول المنطقة ان تتبنى استراتيجية ناجحة تهدف الى ربط تدفق تمويلاتها ومعوناتها التنموية في الأقطار العربية بموضوع تشجيع تصدير الكثير من السلع والخدمات المصنعة في بلدانها الى هذه الأقطار, فمن المعروف ان دول الخليج العربية ونظرا لتشابه هياكلها الاقتصادية انتج العديد منها نفس الصناعات القائمة على النفط والغاز ومشتقاتهما, كما ان هناك المئات من الصناعات الخفيفة والغذائية المتشابهة في هذه الدول, واذا ما أخذنا بالاعتبار محدودية حجم الاسواق المحلية يصبح من الطبيعي ان تبحث منتجات جميع تلك الصناعات عن اسواق خارجية, ان هذه المنتجات ونظرا لملاءمة أسعارها وجودتها بامكانها ان تجعل من الاسواق العربية زبونا رئيسيا لها خصوصا اذا ما تم اعادة صياغة البرامج التسويقية الموجهة لهذه الاسواق في اطار وجود اشكال أوثق من التعاون الاستثماري والتجاري والاقتصادي مع الدول العربية كوجود البنوك المشتركة والاتفاقيات المتبادلة لضمان الصادرات والاستثمارات ووسائط النقل والشحن والتأمين المشتركة. ان الأموال الخليجية يجب ان توجه بالدرجة الأولى الى هذه الأشكال لتخدم بصورة أكبر التوجهات التنموية الخليجية والعربية ومن ثم هدف اقامة سوق عربية مشتركة, وبهذا المعنى فان التكامل الاقتصادي العربي يصبح عنصرا رئيسيا في استراتيجية التنويع الاقتصادية والتنمية في دول الخليج العربية, وبالتالي اساسا حيويا لأمنها الاجتماعي على المدى البعيد.