حذرت دراسة حديثة من مخاطر تطبيق مبدأ تسعير وبيع المياه الدولية على المنطقة العربية, واعتبرتها فكرة غريبة لا سابق لها في تاريخ العلاقات المائية الدولية , وأشارت الدراسة الى انه لا توجد أي معاهدة ثنائية أو متعددة الأطراف أو ممارسة عملية تشير الى مثل هذه الممارسات. ونبهت الدراسة التي أعدتها المنظمة العربية للتنمية الزراعية, بعنوان (تسعير المياه الدولية وأثره على المنطقة العربية) , ان إعمال هذا المبدأ لايجب ان يقتصر التعامل معه فقط على ما يسببه من أضرار اقتصادية واجتماعية تمس القاعدة العريضة من سكان الوطن العربي فقط وانما لمساسه بالأمن المائي العربي للمنطقة ككل, نظرا لأبعاده الاستراتيجية سواء السياسية أو الأمنية التي تفرض علينا تنسيق الجهود والمواقف العربية تجاه الحقوق المائية المتعلقة بالموارد المائية الدولية المشتركة مع دول الجوار. واستبعدت الدراسة موضوع بيع مياه البحر المحلاة من دولة إلى أخرى وإقامة محطات تحلية مشتركة تساهم فيها دولتان ماليا بنسبة استهلاكهما للمياه المحلاة اضافة الى بيع المياه الوطنية الى دول أخرى, وبيع مياه دولية من دولة المصب لدولة غير مشاطئة قبل هدرها في البحر. صندوق مشترك ونوهت الدراسة ان المقترح الذي روج له البنك الدولي مؤخرا يقضي بفتح صندوق مشترك لكل الدول المشاطئة لمجرى مائي دولي يسجل فيه ثمن الماء الدولي الذي لديها على أساس ان قيمة المتر المكعب تعادل أرخص قيمة ماء بديلة على ان تدفع كل دولة قيمة الماء الذي تستهلكه أو تطالب بالحصول عليه وتحتسب هذه القيمة من حصة الدولة في الصندوق المشترك الذي يكون سالبا فتدفع الدولة الفرق, أو موجبا فتحصل الدولة على هذا الفرق, ولتسهيل عملية البيع والشراء لا تطبق تلك العملية على مجموع المياه بل على الحصص المختلف عليها فقط. مخرج لاسرائيل .. وضرر للعرب ولفتت المنظمة العربية للتنمية الزراعية الى ان تلك الفكرة تقوم على خلفية المقترح الخاص بتسعير المياه وبيعها لايجاد مخرج للطريق المسدود الذي وصلت اليه اسرائيل في المفاوضات متعددة الأطراف في المنطقة. وذكرت الدراسة ان هناك خمس دول عربية هي سوريا والعراق والسودان, ومصر, وموريتانيا ستكون الأكثر تضررا من الآثار السلبية لعملية تسعير وبيع المياه الدولية, وتمثل هذه الدول ثقلاً كبيراً في المنطقة العربية ويمثل عدد سكانها 94% من سكان الوطن العربي, وخاصة مصر التي ستكون أكثرهم تضررا حيث يمثل سكانها حوالي 24% من اجمالي سكان المنطقة العربية كما ان الناتج الزراعي لهذه الدول الخمس يمثل نحو 62% من جملة الناتج الزراعي العربي. وبالنسبة لانعكاس تسعير المياه على هيكل الانتاج والتجارة الزراعية بالوطن العربي, سجلت الدراسة ان التعديلات والتغيرات التي قد تطرأ على الهيكل النوعي للانتاج الزراعي في محاولته للتكيف مع الأوضاع التي قد يفرضها الأخذ بالمبدأ ستتجه بطبيعة الحال الى انتاج المحاصيل الأقل استخداما للمياه, والعزوف عن انتاج تلك المحاصيل ذات الاحتياجات المائية العالية أو تقليص انتاجها في مقدمتها قصب السكر والأرز علما ان تلك المحاصيل تتركز زراعتها في ثلاث دول معنية وهي مصر والسودان (قصب السكر) ومصر والعراق (الأرز). ونبهت الدراسة الى ان ذلك سيكون مبررا من الناحية الاقتصادية بزعم تحقيق الكفاءة والتخفيف عن موازين المدفوعات الا انه يتوقع ان تتحمل أعباء اضافية من جراء الحصول على المياه بمقابل مادي بالعملات الأجنبية التي تعاني غالبية الدول العربية المذكورة من نقصها. وذكرت ان أهمية القطاع المروي سواء في مصر أو في الدول العربية الأخرى الأكثر تعرضا للضرر, إذا أخذ بمبدأ تسعير وبيع المياه المشتركة دولياً, لن تقتصر على ما يساهم به في انتاج سلع الغذاء الرئيسية بل انها ستتعدى ذلك الى القطاع المنتج للسلع والمنتجات الزراعية التي تتمتع المنطقة العربية بميزة نسبية في انتاجها سواء ميزة موسمية أو نوعية أو من حيث تكلفة الانتاج, علما ان تلك المنتجات تعتبر مصدرا للعملات الأجنبية التي تحتاجها تلك الدول. واعتبرت المنظمة العربية للتنمية الزراعية عدم استقرار الموارد المائية السطحية نتيجة بيعها والحصول عليها بمقابل مادي يمكن ان يلحق ضررا بالغا بالميزة النسبية التي تتمتع بها الدول المعنية في انتاج الخضر وبعض الفاكهة. واكدت الدراسة ان كلا الأمرين سيؤدي الى اضعاف الفرص التصديرية لهذه المنتجات في الأسواق العالمية ويؤدي لتلاشيها فضلا عن انها ستؤثر سلبا على التجارة الزراعية العربية البينية علما ان الدول العربية المعنية تعتبر من المصادر الرئيسية لواردات بعض الأسواق العربية من تلك السلع والمنتجات الزراعية. وعن الآثار المتوقعة على الصناعات والأنشطة المرتبطة بالقطاع الزراعي توصلت الدراسة الى ان انتاج القطاع المروي في كل من مصر والعراق وسوريا والسودان ترتبط به أنشطة انتاجية وخدمية ومجتمعات سكانية على تلك الأنشطة, ويمثل هذا القطاع مصدر المادة الخام الرئيسية لعدد من الصناعات الهامة في مقدمتها صناعة السكر وتجهيز وتسويق الأرز .. مشيرة الى ان تلك الصناعات قامت على اقتصاديات لا تأخذ في الاعتبار ان الماء له سعر أو قيمة فضلاً عن انها لم تأخذ في الحسبان ان قرار توفير كميات المياه اللازمة لبقائها لن يكون مستقلاً. واعتبرت المنظمة ان معنى ذلك ان هناك أطرافا وعوامل خارجية يصعب السيطرة عليها ستشارك في اتخاذ القرار وحذرت ان ذلك يهدد هذه الصناعات وهذه التجمعات السكانية الضخمة من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية, كما انه يتوقع ان تتأثر الصناعات الزراعية القائمة وامكانات تطويرها مثل صناعة الألبان ومنتجاتها حيث تقوم بشكل رئيسي في بعض الدول المعنية على قطاع الانتاج الحيواني سواء التقليدي أو الحديث والذي يعتمد في تأمين احتياجاته الغذائية على المحاصيل العلفية والتي تشغل مساحة لا يستهان بها من اجمالي الرقعة الزراعية المروية في تلك الدول. وسجلت الدراسة ان الاثر السلبي سيمتد على صناعات أخرى مثل التعليب والحفظ المجمد للمنتجات الزراعية وما إلى ذلك من انعكاسات سلبية على مستويات التشغيل للقوى العاملة في تلك الصناعات ورفاهيتها الاقتصادية والاجتماعية اضافة الى توقع تأثر حركة التوسع العمراني واقامة المناطق التي تعتمد بشكل رئيسي على ممارسة الأنشطة الاقتصادية المرتبطة باقامة التجمعات الزراعية الصناعية بها تتطلبه تلك المجتمعات من توفير كميات اضافية من المياه لمواجهة المتطلبات اللازمة لها من مياه الشرب وغيرها. وبالنسبة للآثار السلبية المحتملة على موازين المدفوعات حذرت المنظمة من انه بالرغم من تباين الأقطار العربية الأكثر تضررا من تسعير وبيع المياه الدولية من حيث الموقف الكلي لميزان المدفوعات, فإن معظمها يعاني في أغلب الأحيان من عجز في هذا الميزان تجاوزت قيمتها في أحد الأعوام 1992 لمصر 5 مليارات دولار مؤكدة على ان الاختلال في الميزان التجاري لا شك يلعب دورا أساسيا في الموقف الكلي لميزان المدفوعات في الأقطار العربية محل الاعتبار. وأشارت المنظمة الى ان الدول العربية التي كانت تحصل على حصتها وفقا للاتفاقيات الدولية بين الدول المتشاطئة على الأنهار المشتركة مثل النيل, ودجلة, والفرات, عليها ان تسدد الى الصندوق المشترك مبالغ تتراوح بين 11 و28 مليار دولار سنويا كقيمة للماء الذي تستهلكه أو تطالب بالحصول عليه وفقا للحصص المتفق عليها سابقا .. ونبهت الى ان موازين الدول الخمس مجتمعة سوف تتحمل نحو 72 مليار دولار موزعة على مصر (27.25 مليار دولار), وسوريا (11.05 مليار دولار) وموريتانيا (0.50 مليار دولار). وأضافت الدراسة انه على أية حال فإن مقدار العبء على موازين مدفوعات الدول سيتوقف على قيمة المتر المكعب التي ستعتمد كأرخص قيمة ماء بديلة وهو أمر سيكون محل خلاف ونقاش واسعين, علما ان تلك القيم التي ستتحملها موازين المدفوعات العربية قيم افتراضية لبيان ضخامة الأعباء التي سيثقل بها كاهل موازنات هذه الدول وبما لا يتناسب ومواردها المالية. وشددت المنظمة على ان الأضرار الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على مثل هذا العبء ستنعكس سلبا على مستوى الرفاهية في هذه المجتمعات العربية حتى ولو اقتصر الامر على ان يطبق هذا المبدأ على الحصص المختلف عليها بين الدول المتشاطئة على الأنهار المشتركة ذلك ان الأعباء على موازنات هذه الدول نتيجة سداد قيمة هذه الحصص ستكون ايضا ضخمة وستؤثر حتما على مسيرة ومعدلات التنمية الاقتصادية عموما, والتنمية الزراعية خصوصاً. وأشارت المنظمة الى ان البدائل المحتملة لموقف الحكومات ازاء هذه الأعباء الاضافية تتمثل في تحمل الدولة للأعباء المترتبة على الحصول على الاحتياجات المائية اللازمة للقطاعات الانتاجية والخدمية المختلفة أو في تحميل هذه الأعباء على القطاعات المستفيدة أو توليفة من هذين البديلين مؤكدة ان قطاعي الانتاج والاستهلاك لن يكونا بمنأى عن تحمل الجزء الأكبر من الضرر سواء في صورة ضرائب لأغراض تحسين الموازنة العامة أو في صورة مستويات أعلى لأسعار السلع والخدمات نتيجة ارتفاع تكلفة الانتاج. كما ان هناك تداعيات اقتصادية كثيرة يمكن ان تصاحب هذه النتائج تتعلق بكفاءة أداء الأنشطة الاقتصادية ومعدلات التضخم والبطالة شأنها في ذلك شأن أي متغيرات اقتصادية خارجية أو داخلية تطرأ على البنيات الاقتصادية. آثار سلبية على الطاقة أما عن الآثار السلبية المحتملة على الطاقة الكهرومائية فقالت دراسة المنظمة العربية للتنمية الزراعية انه بالرغم من ان مساهمة الطاقة المائية في اجمالي استهلاك الدول العربية من الطاقة لا يتعدى 2% الا ان هذا المصدر للطاقة على درجة كبيرة من الأهمية لبعض الدول العربية السابقة, ويتركز استهلاك الطاقة المائية في ثماني دول عربية يبلغ نصيب مصر فيها 60% مقابل العراق 45.5%, وسوريا 14%, والسودان 8%. وسجلت الدراسة ان المياه السطحية كمصدر للطاقة في الدول الأربع المذكورة توفر ما قيمته حوالي 568 مليون دولار سنويا بأسعار عام 1992 اضافة الى انه بالأخذ بعين الاعتبار الامكانات المستقبلية لزيادة استفادة بعض الدول المذكورة مثل السودان من الموارد المائية السطحية للطاقة الكهرومائية فإن هذه القيمة يمكن ان تتضاعف. وذكرت ان الامر لا يقتصر عند هذا الحد بالنسبة للآثار السلبية الاقتصادية على قطاع الكهرباء, لأن التحكم في كميات المياه التي يمكن ان تحصل عليها الدول العربية من الأنهار بمقابل يهدد هذا القطاع بمخاطر جسيمة قد يؤدي الى خفض معدلات التوليد للمنشآت القائمة بما يتناسب والكميات التي ستتمكن الدولة من الوفاء بقيمتها للحصول عليها حيث يرتبط قطاع الكهرباء ارتباطا وثيقا بأنظمة الري في الدول المذكورة, كما ينعكس أي خلل في هذا القطاع سلبا على أداء القطاع الزراعي والمحصلة النهائية ستتمثل في مزيد من الأعباء على موازين مدفوعات تلك الدول وموازناتها العامة. وأبرزت الدراسة ان التسعير سيتسبب في ارتفاع تكاليف الانتاج الزراعي في المنطقة العربية مقارنة بمثيلتها بالسوق العالمية الأمر الذي سيؤدي الى توقف هذه الدول عن انتاجها تمشيا مع مبدأ تكلفة الفرصة البديلة وتحقيقا للكفاءة في استخدام الموارد الاقتصادية المتاحة, حتى في ظل الارتفاع المتوقع في أسعار بعض المحاصيل نتيجة تطبيعه اتفاقية التجارة الدولية (الجات). القاهرة ـ (البيان) ـ حسين عبد الهادي