على الرغم من توافر كل الامكانيات والطاقات الاقتصادية التي تسمح بقيام تكتل اقتصادي عربي جاد وقوي .. الا ان هذا التكتل لا يرقى الى حيز التنفيذ ويحاط دائما بشعارات وردية, لأن هناك قوى خارجية وتكتلات عديدة تخشى وترهب قيام هذا التكتل اذ ترى ان وجوده يعطل مسيرتها ويهدد وجودها الاقتصادي الذي يعتمد أولاً وأخيراً على الكيان العربي سواء من كونه معينا لا ينضب من الثروات والمواد الخام أو من حيث كونه سوقا استهلاكية تلتهم كل ما هو قادم من بلاد الغرب. والحقيقة ان المتغيرات الدولية والتطورات الجارية في العالم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وعسكريا, مثل انهاء الحرب الباردة ونهاية القطبية الثنائية بانهيار الاتحاد السوفييتي, وقيام التكتلات الاقتصادية الكبرى كالسوق الأوروبية المشتركة ومجموعة جنوب شرق آسيا (الآسيان) و(الاتحاد الأمريكي) (النافتا) الذي يضم الولايات المتحدة الامريكية وكندا والمكسيك, ومخاطر الهجرة اليهودية الى فلسطين التي تطمع في تحقيق حلم الصهيونية بإقامة مشروع اسرائيل الكبرى تفرض على الدول العربية ألا تظل غارقة في التبعية والتخلف والتجزئة .. بل المشاركة في التفكير في مستقبلها .. لأن تحقيق كيان اقتصادي تكاملي عربي يعد الطريق الوحيد لنقل فكرة الوحدة العربية من الأماني والأحلام .. الى طور الواقع الأفضل. تاريخ من المحاولات فقط. وتهدف عملية التكتل الاقتصادي العربي الى تحقيق الاعتماد المتبادل بين اقتصاديات مجموعة من الدول العربية بدرجات متفاوتة تتراوح تصاعديا بين صور من التعاون الاقتصادي البسيط وتستمر حتى تصل الى أقصى درجات الاندماج الاقتصادي التام .. فهي تسعى الى تغيرات في الطابع الهيكلي لاقتصاديات الأقطار والأطراف المشاركة في عملية التكامل الاقتصادي. وكانت الآمال كبيرة منذ البداية .. حيث وضعت اللبنة الأولى للتكامل الاقتصادي العربي مع مولد الجامعة العربية عام 1945 تحت اشراف مجلس الجامعة ولجنته الاقتصادية الدائمة .. وبعد هزيمة حرب فلسطين عام 1948 أكدت اجتماعات مجلس الجامعة العربية على عمق الترابط بين الأمن القومي والأمن الاقتصادي وبناء على ذلك تم ابرام معاهدة الدفاع العربي المشتركة والتعاون الاقتصادي .. وفي عام 1957 تم التصديق على اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية التي دخلت الى حيز التنفيذ عام 1964 وتوالى بعدها انشاء المؤسسات الاقتصادية العربية المتخصصة حتى أصبحت تلك المؤسسات مشكلة في حد ذاتها نتيجة تضارب أهدافها وسياساتها .. كذلك تم انشاء (صندوقي النقد) و(الانماء العربي) على غرار الصندوق والبنك الدوليين. هذه الاتفاقات العربية المشتركة أهداف ترمي الى تحرير التجارة العربية وتشجيع رؤوس الأموال والانتقال المباشر للقوى العاملة والمشروعات المشتركة والتنسيق في بعض المجالات الاقتصادية في مواجهة الاقتصاد الدولي, وكانت أولى الاتفاقيات عام 1953 بهدف تسهيل التبادل التجاري و(تنظيم تجارة الانترنت) اما الاتفاقية الثانية فكانت عام 1964 (اتفاقية السوق العربية المشتركة) والتي نصت على حرية انتقال الأشخاص ورؤوس الأموال وممارسة النشاط الاقتصادي .. وفي عام 1981 عقدت الاتفاقية الثالثة لتيسير التبادل التجاري وتنميته وتهدف الى تنمية جوانب التكامل الانتاجي بين الاقتصادات العربية. ورغم كثرة الاتفاقات والاستراتيجيات التي تهدف الى قيام تكامل اقتصادي عربي الا ان هذا التكامل ما زال غائبا, لان الاقتصاديات القطرية والاقليمية مكبلة بالعديد من العوائق الاقتصادية والادارية والقانونية, فهي مبرمجة في اساسها, لكي تصب في اتجاه واحد فقط, وهو الاقتصاد العالمي المهيمن على مجريات كل الأمور في الأقطار العربية وهذا يتضح بصورة جلية في ضآلة التبادل الاقتصادي بين الأقطار العربية قياسا الى حجم العلاقات الاقتصادية بين الدول الغربية والدول العربية .. ما ينتج عن ذلك تبعية اقتصادية محكمة, فعلى سبيل المثال البترول العربي ثروة العرب الاقتصادية الأولى يخضع لهيمنة الغرب وشركاته .. ويمكن بالقياس على البترول ادراج قائمة طويلة من الثروات العربية الأخرى. لماذا الفشل؟ على الرغم من كون العرب أمة ثقافة, حضارة واحدة ومصير واحد, الا انها فشلت في تحقيق التكامل الاقتصادي العربي .. ففكرة السوق العربية المشتركة بدأت متزامنة مع فكرة السوق الأوروبية المشتركة, الا ان الأخيرة استطاعت ان تدخل حيز التنفيذ وتحقق أهدافها على الرغم من أن أوروبا أمم وثقافات وتواريخ متعددة, وبالطبع هناك أسباب عديدة تكمن وراء فشل محاولات التكامل الاقتصادي العربي حيث نجد ان المشاريع العربية المشتركة لم تكن بالعدد والضخامة التي تجعلها تستأثر بمكانة كبيرة في الانتاج العربي الموحد. ان الاقتصاد العربي ما زال يعاني من بعض المشاكل التي يمكن أن تبقيه في حالة التخلف منها: ـ تخلف الهياكل الانتاجية لكل الأقطار العربية وضآلة حجم الصناعة الحديثة .. مما يؤدي الى ضعف الانتاج العربي مقارنة بنظيره في البلدان المتقدمة, وبلا شك يؤثر هذا بالسلب على نسبة التبادل التجاري بين الأقطار العربية بينما يرتفع مؤشر التبادل التجاري مع العالم الخارجي إلى أقصى درجة. ـ اختلال تنمية الانتاج العربي حيث سيطرة القطاع الزراعي والمنجمي على مجمل انتاجيته هذا بالاضافة إلى انقسام الوطن العربي إلى عالمين: عالم عربي (غني) ينعم بدخل قومي مرتفع وامكانية استثمارية محلية محدودة, و(فقير) تتوافر لديه الامكانيات الاستثمارية ولكنه في حاجة إلى رؤوس الأموال لاستثمار موارده. ـ التبعية الاقتصادية للعالم الخارجي, ليس فقط فيما يتعلق باستيراد السلع الرأسمالية, بل أيضا في استيراد المواد اللازمة للاستهلاك اليومي, والعمالة, اقامة المشروعات وتسويق المنتجات وحتى ايداع المدخرات العربية في البنوك الأجنبية. ومع ازدياد تبعية العالم العربي على العالم الخارجي الرأسمالي برز سلاح الغذاء كعنصر ضاغط وخطير في يد البلدان الصناعية الكبرى بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية واستغلاله في العلاقات الدولية بما يهدف ويخدم مصلحتها وهناك العديد من الشواهد على ذلك. مستقبل مرعب ونتيجة لارتفاع استهلاك العرب من المنتجات الغذائية ـ من 30 مليار دولار عام ,1992 إلى 120 ملياراً عام 2000 ـ فقد أصبح الوطن العربي مركزا تنافسيا بين البلدان المنتجة خاصة الولايات المتحدة الأمريكية والسوق الأوروبية المشتركة, ويمكن الاستفادة من تنافس الدول المنتجة على الأسواق العربية.. واعتماد خطة عربية موحدة لتوسيع الهوة بين المتنافسين والتعامل مع الدول الأكثر تقربا والتي تنسجم مصالحها مع المصالح العربية. يضاف إلى ذلك أيضا التباين والاختلاف في الاقتصاديات العربية من حيث هياكلها الانتاجية ومراحل ومستويات النمو التي وصلت إليها, والموارد والثروات الطبيعية والبشرية والمالية.. بحيث نجد ان الجمع بين الاقتصاديات المتفاوتة لن يؤدي إلا إلى مضاعفة عدم التوازن بين الدول العربية حيث سيزداد الفقر بالنسبة للاقتصاد المتأخر في حين يتضاعف مسلسل تراكم التقدم بالنسبة للاقتصاد المتقدم. من العوائق الشائكة التي تعرقل اقامة تكتل اقتصادي عربي موحد غياب الارادة السياسية.. فعلى العكس مما يقال أحيانا, بأن السياسة تفسد الاقتصاد, فلا يمكن تصور تكامل اقتصادي عربي دون سياسة موحدة, فالسياسة هي المسؤولة, واخفاقها في تحديد الوحدة العربية أدى إلى اخفاقات اقتصادية.. ولا سبيل لتحقيق وحدة اقتصادية عربية كاملة وناجحة دون تغيير جذري في النخب السياسية العربية الحاكمة, فلا بد من استبدال سياسة التجزئة إلى سياسة الوحدة العربية.. حيث نجد ان كل التحديات التي تواجه الاقطار العربية ذات مضمون سياسي مثال ذلك التحدي الاسرائيلي والأمريكي وتحدي التبعية للدول الخارجية وتحدي التنمية الشاملة وتحدي الغزو الثقافي الغربي ومن شأن تلك التحديات ان توقف وتجمد مشروعات التكامل الاقتصادي. امكانيات ... وطموحات إن الأقطار العربية في مجملها تمتلك كل العوامل 0التي تمكنها من قيام كيان اقتصادي عربي متكامل.. من حيث توافر أراضي زراعية ضخمة ذات خواص جغرافية متنوعة نتيجة اختلاف توزيع كمية المياه المتوفرة وتنوع التربة والمناخ وكمية الأمطار, بجانب التنوع في الموارد الطبيعية وعناصر الانتاج الاقتصادية المكتسبة والتي تتمثل في توزيع السكان وكفاءتهم وخبراتهم الفنية والادارية كما نلاحظ التنوع في توافر الموارد المالية ووجودها في بعض الدول بكثرة بينما يفتقر إليها الجزء الآخر من الوطن العربي.. كل هذه العوامل الموجودة بكثرة في الوطن العربي تجعله من أكثر المجموعات الدولية اقترابا نحو تحقيق التكامل الاقتصادي العربي.. حيث تتوافر هناك أنشطة اقتصادية ذات مقدرة فائقة على ايجاد تنمية اقتصادية في المنطقة العربية وتحقيق التكامل بين اقتصادياتها.. فعلى سبيل المثال في المجال الزراعي هناك الموارد الطبيعية والثروة البشرية اضافة إلى الموارد المالية الكبيرة التي تمكن الاقطار العربية من تنفيذ برامج التنمية في مجال الانتاج الزراعي.. الا انه يجب الاعتراف بأن التكامل في المجال الزراعي والغذائي في الوطن العربي لا يمكن تحقيقه الا في ظل سياسة قومية بعيدة عن القطرية.. ينتج عنها مشروعات مشتركة تمكنها من استغلال أرض قابلة للزراعة غير مستغلة حتى الآن. وفي المجال الصناعي.. يمتلك الوطن العربي طاقات متنوعة تسمح له بتركيز التصنيع داخليا واقليميا على سياسة استثمارية عالية إذا ما توفر التخطيط السليم.. ولكن لابد من التأكيد على ان الاقطار العربية, أقطار مختلفة, لذلك يجب عليها قبل أن تمر بمرحلة التكامل الصناعي الاقليمي, أن تبذل مجهودات عديدة من أجل تكامل اقتصادها على المستوى القطري. هذا بالاضافة إلى ان هناك بعض الأنشطة الاقتصادية ذات القدرة المرتفعة على الاسراع بتنمية المنطقة العربية وتحقيق التكامل الاقتصادي كقطاعات الخدمات الأساسية النقل والمواصلات, الري, الطاقة, البحوث الأساسية التي تهم المنطقة العربية.. ثم قطاعات الصناعات الثقيلة المنتجة للسلع الرأسمالية. لا شك انه توجد امكانيات وطاقات, وآمال وطموحات ولكن هناك ايضا صعوبات وعقبات تعوض قيام تكتل وحدوي اقتصادي عربي ولكن لكي يتحقق ذلك لابد من تخطيط جيد تقوم به هيئة عربية متخصصة يهدف إلى بيان موارد كل دولة عربية ومشروعاتها الاستثمارية كما تضمن توزيعا عادلا ومتوازنا للاستثمارات على القطاعات الاقتصادية وعلى الدول وفي اطار سلسلة من المشروعات المشتركة الاستثمارية.. حتى يتم تحقيق الحلم الذي راود الكثير ولم يعد هناك أدنى شك في اننا في أشد الحاجة لهذا التكتل خاصة في ظل التطورات والاحداث المتلاحقة, التي تطالعنا كل يوم على الساحة العربية والاقليمية والعالمية. (وكالة الصحافة العربية)