في اطار الجهود الجبارة التي تبذلها الدولة لتنويع مصادر الدخل تواصل (البيان) حملتها نحو صناعة وطنية للنقل البحري لترصد المعوقات وتقدم الاقتراحات من جانب أصحاب الاختصاص وأهل الخبرة , ونتعرف على آراء الباحثين والمتخصصين واجاباتهم على السؤال الهام: هل يمكن اقامة صناعة وطنية للنقل البحري بالدولة؟ وهل يمكن ان تكون هذه الصناعة أحد المصادر الرئيسية للدخل القومي والعملة الصعبة؟ وبعد ان أكد أصحاب الشركات الوطنية في الحلقة السابقة الدور الحيوي الذي تلعبه صناعة النقل البحري وتوفر جميع المقومات التي تساعد الامارات على قيام مثل هذه الصناعة مثل الموانئ العالمية خاصة في دبي وحركة التجارة النشطة, أوضح هؤلاء وجود العديد من المعوقات التي تحول دون ذلك وعلى رأسها الموقف الغريب من البنوك المحلية برفض تمويل مشروعات النقل البحري. وفي هذه الحلقة يتحدث جانب آخر من خبراء صناعة النقل البحري على المستوى المحلي والعربي حول اقتراحاتهم للتغلب على هذه المعوقات ورؤيتهم لكيفية اقامة صناعة النقل البحري في ظل المتغيرات المتلاحقة على الساحة العالمية وبخاصة العولمة وقوانين تحرير التجارة العالمية والتي كانت صناعة النقل البحري الأكثر تأثرا بها. وقد أجمع هؤلاء على ان صناعة النقل البحري من الصناعات كثيفة رأس المال وبالتالي فإنه لابد من اندماجات بين الشركات الصغيرة لتكوين شركات عملاقة تقوى على المنافسة العالمية, بل دعا البعض الى تكاتف الدول العربية فيما بينها لاقامة اسطول نقل تجاري قوي يستطيع امتلاك زمام الأمور فيما يتعلق بحركة التجارة مع الموانئ العربية. وأشاروا في هذا الصدد الى ان شركة الملاحة العربية المتحدة التي أسستها دول مجلس التعاون الخليجي تجربة رائدة في هذا المجال ولكنها وحدها غير كافية, ولابد ان تتلوها خطوات أكبر وأشمل. مليار دولار عبد الله الشامسي نائب رئيس شركة الملاحة العربية المتحدة يرى ان صناعة النقل البحري ليست في استطاعة الأفراد لأنها من الصناعات كثيفة رأس المال فهي تحتاج الى استثمارات ضخمة وعائدات قليلة على الأقل في الفترة الأولى, ويشير في هذا الصدد الى ان شركة الملاحة العربية المتحدة أسستها ست دول هي دول مجلس التعاون الخليجي برأسمال مليار دولار وهي أحد المشاريع الرئيسية في هذا المجال وتلعب دورا كبيرا في خدمة المنطقة, فهي الشركة الأكبر في هذا المجال بالشرق الأوسط وتسيطر على حوالي 15 ـ 20% من حجم السوق وهي نسبة كبيرة اذا نظرنا الى المنافسة الحامية بين شركات عملاقة من مختلف أنحاء العالم. ويرى عبد الله الشامسي ان الحكومة قد وفرت الجانب المهم لاقامة صناعة نقل بحري وطنية بالامارات مثل الموانئ العالمية الحديثة وبخاصة في دبي وكذلك البنية التحتية القوية التي تجذب الاستثمار والبنية الأساسية الأخرى من شركات استشارية ومعلوماتية وغير ذلك لكنه يشير الى عدد من الأسباب التي أعاقت حركة النقل البحري بشكل عام في الفترة الأخيرة أهمها هبوط أسعار النفط الذي أثر على حركة التجارة وبالتالي على صناعة النقل البحري, كذلك الأزمات الاقتصادية التي شهدها العالم في الفترة الأخيرة وبخاصة الأزمة الآسيوية الأمر الذي أثر سلبا على حركة التجارة وبالتالي على صناعة النقل البحري, وهذا أمر طبيعي لأنه اذا كان 80% من حركة النقل عموما يمر عبر البحار فهذه ميزة ولكن في الوقت نفسه عندما تتأثر حركة التجارة العالمية يكون النقل البحري هو الأكثر تأثرا. ويعتبر الشامسي هذه أسباب ايضا لاحجام المواطن عن الدخول في هذا المجال الذي يحتاج استثمارات ضخمة, ولهذا فالمواطن يفضل الوكالات أما شركات الملاحة فهي قليلة وما زلنا في حاجة لاقناع التاجر بقبول المخاطرة والمنافسة الشديدة. منافسة حادة ان ما ينطبق على صناعة النقل البحري بالامارات يعتبر هما خليجيا وعربيا بشكل عام, فشركات الملاحة الخليجية تعاني العديد من المتاعب في عملها بحيث انعكس ذلك سلبا على ادائها وانخفاض كفاءتها التشغيلية في مواجهة الشركات العالمية, ورغم وجود شركة الملاحة العربية المتحدة برأسمال خليجي مشترك الا ان طاقة الاسطول البحري الخليجي لا تزال محدودة ومساهمته في نقل التجارة الخارجية لدول المنطقة متدنية. هذا ما اكدته دراسة لاتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي أعدها عبد الله الابراهيم المستشار الاقتصادي للاتحاد, وترى الدراسة ان هذا الوضع سواء بالامارات أو غيرها من دول مجلس التعاون الخليجي يعود لعدد من الصعوبات والمعوقات في مقدمتها حدة المنافسة الأجنبية حيث تواجه شركات الملاحة الوطنية منافسة حادة من قبل شركات النقل الأجنبية التي تتمتع بصفات احتكارية حيث تهيمن على المؤتمرات الملاحية وخطوط النقل المنتظمة. دعم حكومي وترى الدراسة ان هذه الهيمنة من جانب الشركات الاجنبية على حركة الشحن والنقل البحري بالمنطقة يرجع بالأساس الى ان هذه الشركات تتلقى دعما من حكوماتها الى جانب اغراءات بلدان السوق المفتوحة, اضافة الى تمتعها بخبرات طويلة وكبيرة في مختلف جوانب صناعة النقل ادارية وفنية وتسويقية. ومما يزيد من خسائر الشركات الوطنية ان الجانب الأعظم من حركة التجارة الخارجية يعتمد بالأساس على ثلاث كتل جغرافية دولية هي الدول الآسيوية واليابان, ودول أوروبا الغربية, وأمريكا الشمالية, وهي دول تمتلك أساطيل كبرى تسيطر على معظم خطوط الملاحة العالمية, وهو الأمر الذي يزيد صعوبة المنافسة التي تواجه الشركات الوطنية بل ويعرضها لخسائر تشغيلية كبيرة مما يفرض عليها الانكماش واحيانا الخروج من السوق. ومع حدة المنافسة وانخفاض أسعار الشحن البحري في الفترة الأخيرة بنسب بلغت 35% عما كانت عليه في الثمانينات يؤكد أحد مسؤولي شركة ملاحية وطنية معروفة ان الشركة اضطرت لتقليص مواقع التشغيل غير المربحة, بينما يؤكد آخرون خروج شركات بكاملها من السوق. الخبرة والقصور ويقول عبد الله ابراهيم في دراسته ان هناك عدة أسباب فنية أخرى وراء الضعف الذي تعانيه صناعة النقل البحري الوطنية أهمها ان معظم السفن صغيرة الحجم وتتسم بانخفاض متوسط حمولتها مقارنة بالسفن الأجنبية, كما ان الاسطول غير مجهز لتلبية الطلب على نقل مختلف انواع البضائع, حيث يكون التركيز على ناقلات النفط والبضائع العامة مع قصور ملحوظ في اقتناء سفن نقل المواد السائبة والحاويات. ويشير إلى انه نظرا لحداثة العهد بصناعة النقل البحري فإن شركات الملاحة الوطنية تعاني القصور من الخبرات والمهارات الادارية والتسويقية والفنية الأمر الذي يدفعها الى الاعتماد على العمالة الأجنبية وما يصاحب ذلك من سلبيات كارتفاع أجور العمالة الفنية. ويؤكد أيضا مما سبق ذكره من عدم وجود تسهيلات ائتمانية لشركات الملاحة الوطنية وان هذا يعد أحد المعوقات الرئيسية لنمو هذه الصناعة التي تتطلب رؤوس أموال كبيرة وتعتبر من الصناعات كثيفة رأس المال. فالدعم الذي تقدمه صناديق التنمية الحكومية لا يشمل هذه الصناعة. كما ان حجم ما تقدمه البنوك التجارية من قروض يعتبر ضئيلا جدا نظرا لتخوف البنوك من المخاطر المصاحبة لهذا العمل من ناحية, ولعدم وجود التشريعات القانونية التي تحمي مصالحها أو عدم تكامل هذه التشريعات من ناحية أخرى. دعم الوقود ويقدم عبدالله الابراهيم مجموعة من المقترحات الى جانب ازالة المعوقات السابق ذكرها. أبرز هذه المقترحات تشجيع الاستثمار الاجنبي في صناعة النقل البحري. وتوسيع نطاق التعاون الخليجي في هذا المجال بحيث لا يقتصر على شركة الملاحة العربية المتحدة. وتقديم بعض الدعم للشركات الوطنية ولو بتقديم الوقود بأسعار مخفضة كما تفعل كثير من الدول مع شركاتها. ووضع اجراءات تشريعية وقانونية تسمح بتنفيذ اتفاقية مدونة قواعد السلوك التي تخول للأطراف في التبادل التجاري نقل 40% من وارداتها وصادراتها على أسطولها الوطني. ويطالب الابراهيم البنوك الحكومية التنموية والبنوك التجارية تقديم التسهيلات الائتمانية لهذه الصناعة ومعاملتها مثل أي صناعة أخرى. ويرى ضرورة الاهتمام بتأهيل الكادر المواطن المتخصص في هذا المجال سواء عن طريق انشاء مراكز مهنية للتدريب أو انشاء أكاديمية بحرية خليجية. كما يرى امكانية حث القطاع الصناعي وخاصة الشركات التي تمتلكها الحكومة أو تسهم فيها باعطاء أولوية للنقل البحري الوطني. كما ان على القطاع الخاص أن يزيد مشاركته في تنشيط هذا القطاع الحيوي. التعاون العربي التعاون العربي واقامة منطقة التجارة الحرة العربية المشتركة يمكن أن تكون أيضا أحد العوامل التي تسهم في نمو صناعة نقل بحري وطنية ليس فقط في الامارات ولكنه في كل الدول العربية. هذا ما يراه عبدالرحمن السحيباني الأمين العام المساعد للشؤون الاقتصادية بالجامعة العربية في دراسة حول النقل البحري وتحرير التجارة العربية البينية. فعن طريق النقل البحري يتم نقل أكثر من 80% من حجم الصادرات المشحونة من الدول العربية. كما يقع على عائق النقل البحري نقل ما بين 50-80% من حجم الواردات. ويعرب السحيباني عن أسفه ان الاسطول العربي لا يتعدى اسهامه في النقل البحري العالمي 3%. ويقدم مجموعة من الاقتراحات لاقامة صناعة نقل بحري قوية أولها سرعة تحديث السفن لتوائم التطورات البحرية العالمية من حيث التوسع في استخدام الحاويات. وأشار إلى ان أهم معوقات نمو هذا القطاع هو ان الدول العربية تفتقر إلى التنسيق في مجال النقل البحري رغم امتلاك الحكومات العربية لنسبة 70% من الاسطول التجاري العربي. وطالب الحكومات العربية باعطاء أولوية للنقل على شركات عربية. وأكد ان هناك اتفاقا دوليا على منح نسبة 40% من كمية ونوعية المنقول للمصدر, ونسبة مماثلة للمستورد والنسبة الباقية 20% تنقل حرة وفق فعاليات العرض والطلب الدولية. طريق ثالث وأكد أهمية اقامة خطوط ملاحية منتظمة بين الدول العربية خاصة وان معظم الدول العربية بلدان ساحلية مشيرا إلى ان هذا يدعم شركات الملاحة الوطنية ويدعم اقامة صناعة وطنية للنقل البحري في الدول العربية. ويعرب عن أسفه انه كثيرا ما تلجأ الدول العربية إلى طريق بحري ثالث لاتمام عمليات الشحن البحري فيما بينها مما يؤدي إلى زيادة كبيرة في تكاليف الشحن بين الدول العربية بنسب تزيد عن 30% من تكاليف الشحن المدفوعة للمسافات المماثلة. ويشير إلى ان هذه المشكلة تتسبب في ان يكون نقل الحاوية القياسية من ميناء روتردام بهولندا إلى دبي يكون أرخص وأسرع في الوقت من نقل ذات الحاوية من ميناء بيروت إلى ميناء دبي. ومن ثم فإن اقامة خطوط بحرية منتظمة بين الدول العربية سيدعم صناعة النقل البحري الوطنية. كما سيؤدي إلى خفض تكاليف الشحن البحري بينها بنسبة لا تقل عن 30%. د. جمال مختار رئيس الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري يرى ان التحدي الحقيقي الذي يواجه هذه الصناعة في الدول العربية كلها وليس في الامارات فقط هو خلق الفرد المتخصص القادر على التعامل مع معطيات عصر المعرفة ومتطلبات التقنية الحديثة. كما يطالب المنطقة العربية بالاستفادة من موقعها الجغرافي وسواحلها في اقامة هذه الصناعة الحيوية. ويؤكد على أهمية عنصر العمل المشترك في هذا الصدد. ويؤكد ان أحد أهم عناصر الدعم هو امكانية اندماج الشركات لكي تشكل شركات عملاقة في مواجهة الشركات العالمية العملاقة خاصة في ظل المنافسة الحادة في ظل الجات. تحقيق ـ عبد الفتاح فايد