لماذا هبط سعر الذهب في الأسابيع الأخيرة؟ وما هو مغزى المزاد الذي جرى في لندن في السادس من يوليو بينما لايزال المستثمرون على نطاق العالم يحاولون السيطرة على التقلبات الكبيرة في أسعار هذه السلعة المهمة ؟ وهل يمكن اعتبار التطورات الأخيرة انعكاسا لعملية بيع متواصلة للذهب من قبل مستثمرين يائسين من آسيا والأسواق الصاعدة الأخرى اضطروا لتسييل ممتلكاتهم من الذهب من أجل الحصول على السيولة النقدية المطلوبة في ظل الأزمة الآسيوية, أم صدى لمبيعات قام بها البنك المركزي الروسي للحصول على سيولة نقدية بالدولار؟ أم أن هناك شيئا آخر في هذه العملية؟ كذلك, ما هي الآفاق المستقبلية للذهب في السنوات المقبلة؟ أسئلة كثيرة تبحث كلها عن إجابة أو إجابات تفسر ما يحدث. في الأسبوع الأول من الشهر الماضي, وقع حدث مهم داخل بنك انجلترا, فقد أقدم البنك على بيع 25 طنا من الذهب من أصل 415 طنا ينوي بيعها من احتياطاته. ويأتي هذا القرار بـ(بيع جواهر التاج) وتخفيض موجودات البنك من الذهب إلى أقل من النصف, في أعقاب قرارات مماثلة صدرت عن البنوك المركزية لدولتين عضوين في رابطة الكومنولث البريطاني هما كندا واستراليا, خلال السنوات الثلاث الماضية. إن مجرد الإعلان في الأسبوع الأول من شهر مايو الماضي, من قبل بنك مركزي له هذا النفوذ والروابط التاريخية بالذهب كبنك انجلترا, عن عزمه بيع كمية من الذهب بالمزاد العلني, أدى إلى خفض أسعار الذهب بمقدار 30 دولارا للأوقية, حيث وصل ثمنها إلى 262 دولارا عشية المزاد. وبعد يوم من المزاد وصل السعر إلى أدنى مستوى له منذ 20 عاما حيث تراجع سعر الأوقية إلى 257 دولارا في لندن ونيويورك. على صعيد آخر, أثار المزاد, الذي قام به بنك انجلترا على الذهب في السادس من الشهر الماضي, احتجاجا شديد اللهجة من قبل الرئيس الجديد لجنوب أفريقيا تابو مبيكي. واتهم مبيكي الدول الغنية مثل بريطانيا باتباع سياسات سيكون لها تأثيرات سلبية للغاية على اقتصادات الدول الأفقر. وتبدو صناعة مناجم الذهب في جنوب أفريقيا مهددة بالتعطل الشامل, حيث تواجه مناجم ذهب عديدة خطر الإفلاس أو الإغلاق في ظل الهبوط الأخير لأسعار الذهب. وصرح تريفور مانويل, وزير مالية جنوب أفريقيا قائلا: (هناك دول عديدة في أفريقيا تعيش على عوائد التصدير, وخاصة من السلع, وهذا القرار سيكون له تأثير مباشر عليها) . وتعليقا على دوافع بنك انجلترا التي تسببت في انهيار مقصود في أسعار الذهب وخصخصة احتياطي الدولة من الذهب, أكد محللون ماليون أن البيع كان جزءا من جهود النخبة المالية الدولية التي يقودها البريطانيون للإعداد للقفز إلى (عالم ما بعد الانهيار) . ويؤكد محللو الذهب على أن استراتيجية تخفيض الأسعار التي يجري اعتمادها الآن من قبل بنك انجلترا, تهدف إلى بيع الذهب بكميات هائلة, وهو ما سيمكن نخبا مالية مختارة من تكديس كميات كبيرة من الذهب الخاص استعدادا لليوم الوشيك عندما تصبح السندات والأسهم الورقية لا قيمة لها. ويعتقد هؤلاء المحللون أنه عندما يصبح انهيار السوق العالمية أمرا واقعا, فإن الصناديق الاستثمارية ستكون متعطشة للتحول إلى الذهب من جديد مما يؤدي إلى رفع أسعاره مرة أخرى. ويقولون إنه من خلال تنفيذ الانهيار في أسعار الذهب الآن, تأمل النخبة القوية داخل مدينة لندن وسويسرا ومراكز العملة الصعبة الأخرى بتعزيز سيطرتها على واحدة من السلع المرغوبة في فترة الأزمات وهي الذهب. ولقد تعزز هذا التحليل لدوافع تجار الذهب في لندن, عندما أخبر كيلفين ويليامز, مدير التسويق في شركة أنجلو جولد في جنوب أفريقيا, صحيفة التايمز اللندنية قائلا: (بنك انجلترا اختار أسوأ أسلوب لدخول السوق. فإعلان عملية بيع شفافة سلفا تعني السماح لكل مضارب بالمضاربة على المعدن قبل أن تتم عملية البيع) . إلا أن المحللين يصرون على أن هناك خللا قاتلا في اللعبة وشرح أحد المحللين ذلك بقوله: (في ظل ظروف الانهيار المالي, يمكن أن تتم مصادرة جميع الأصول العامة, كالذهب المملوك للدولة الذي يتم الآن تحويله إلى أيدي الممولين من القطاع الخاص. لذا, يتعين على أية جهة تقوم الآن بالعبث وسرقة هذه المملتكات العامة أن تكون حذرة, فهذه الممتلكات ستتم مصادرتها وإعادتها إلى الملكية العامة. ولن يتم السماح بعودة المعايير الخاصة بالذهب التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر) . لكن الطلب على الذهب من جانب القطاع الخاص باعتباره استثمارا وتحوطا من المجازفة في محفظة كلية بات الآن أقوى مما كان عليه منذ سنوات, ودليل ذلك أن الطلب الكلي الخاص على الذهب في الربع الأول من هذا العام في الولايات المتحدة ارتفع بنسبة 28% ليصل إلى 117 طنا, وهو رقم قياسي لم يسجل من قبل. إن الجزء الأكبر من هذا الرقم كان الطلب على الذهب بقصد الاستثمار والذي واصل تحطيمه لجميع الأرقام القياسية. وقد ارتفع الطلب الأميركي على عملات السبائك الذهبية وحدها بنسبة 14% خلال الربع الأول من هذا العام. وعودة الاهتمام بالذهب ترجع إلى مجموعة من الأسباب أهمها المخاوف من أن تؤدي علة القرن إلى تعطيل عمل النظام المالي والمخاوف من حدوث انهيار كبير في البورصات والاقتناع بأن الذهب له مكانة في أية محفظة استثمارية متوازنة. أما في اليابان, حيث أدت المشكلة المصرفية القائمة منذ عقد من الزمان إلى ادخار السبائك الذهبية خوفا من إفلاس البنوك, فقد ارتفع الطلب على الذهب بنسبة 50%. وعالميا, فإن الطلب على الذهب يقل بكسر واحد فقط عن الرقم القياسي الذي سجل في الربع الأول من العام 1997. على الجانب الآخر يرى البعض أن الذهب من المرجح أن يصبح الذهب ببساطة سلعة أخرى كالرصاص أو النحاس يتم تداولها على أساس مبدأ العرض والطلب البسيط. بينما يذهب آخرون إلى القول إن الذهب على وشك أن يشهد حركة انبعاث جديدة, حيث إن الضعف وعدم الاستقرار المالي العالمي يزيدان من الاهتمام بالذهب مجددا باعتباره دعامة لاستقرار العملة. لكن ما هي الشركات العاملة بتعدين الذهب التي من المرجح أن تنجو من إعادة الهيكلة العالمية الحالية لواحدة من أقدم الصناعات؟ وما هي التطورات التي من المتوقع أن تهيمن على تحديد أسعار أسهم شركات تعدين الذهب, سواء في فانكوفر أو جوهانسبرج أو ملبورن؟ سنحاول فيما يلي إيراد بعض التفاصيل التي قد تعطي إجابة عن هذه الأسئلة: في السابع من مايو الماضي, أعلن إيدي جورج, محافظ بنك انجلترا, أن البنك سيقوم ببيع أكثر من نصف احتياطاته من الذهب أي ما يعادل 415 طنا متريا من إجمالي احتياطيه البالغ 715 طنا متريا. وقد جرت أول دفعة من مبيعات ذهب بنك انجلترا البالغة 25 طنا في السادس من يوليو. وفي صبيحة اليوم الذي حمل إعلان جورج, كان سعر تبادل الذهب هو 25.289 دولارا للأوقية. وقال موظف في معهد الذهب والفضة الذي يقع مقره في واشنطن: (عندما سمعنا في السابع من مايو أن بنك انجلترا يعتزم بيع احتياطيه من الذهب, دهشنا جميعا. فقد كان هذا في النهاية بنك انجلترا الذي كان دائما مساندا لأسعار الذهب, وانجلترا في النهاية هي المكان الذي يبقى فيه سعر الذهب ثابتا. إنه لأمر مدهش بالفعل) . لقد دفع الإعلان بحد ذاته أسعار الذهب إلى الهبوط في خفض مقصود في الأسعار. وفي السادس من يوليو, باع بنك انجلترا 25 طنا من احتياطيه الذهبي بسعر 20.261 دولارا للأوقية بانخفاض مقداره 05.27 دولارا عن سعر الذهب يوم 7 مايو, ولم يقم بنك انجلترا ببيع الذهب للجمهور العام الذي كان من الممكن أن يكون متحمسا لشراء الذهب بهذه الأسعار المخفضة. وبدلا من ذلك قام بنك انجلترا ببيع الذهب إلى مجموعة مختارة مؤلفة من جمعية سوق لندن للسبائك ومؤسسات رسمية. وتتألف المؤسسات الرسمية من البنوك المركزية وصندوق النقد الدولي وبنك التسويات الدولية. وحيث إن العديد من البنوك المركزية تقوم ببيع مخزونها من الذهب وصندوق النقد الدولي يفكر ببيع جزء من مخزونه من الذهب, فإن المؤسسات الرسمية لن تكون من بين مشتري الذهب. وهذا يجعل أعضاء جمعية سوق لندن للسبائك المشترين الحصريين. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة هو: من هم هؤلاء الأشخاص والمؤسسات الأعضاء في جمعية سوق لندن للسبائك الذين اعتبروا (المزايدين المؤهلين) الوحيدين؟ هناك 12 من صناع السوق و50 عضوا عاديا يتألفون بشكل أساسي من البنوك, ويشملون كذلك بيوت السمسرة ومؤسسات تسوية ووسطاء الأسهم وناقلي السندات المالية. وهؤلاء يمثلون المؤسسات المالية البارزة التي تمثل أكثر العائلات قوة وثراء في المؤسسة الرأسمالية. فعلى سبيل المثال, يشغل منصب رئيس مجلس إدارة اتحاد سوق لندن للسبائك بيتر فافا من مجموعة (اتش إس بي سي ميدلاند) المصرفية, وهي الشركة الأم لبنك هونج كونج وشنغهاي. ويعتبر بنك هونج كونج وشنغهاي أحد أكبر البنوك في العالم, ويملك كذلك بنك صمويل مونتاجو, الذي يعتبر أحد البنوك الخمسة التي تضبط ثبات سعر الذهب اليومي في لندن. وتعتبر مؤسسات أخرى, مثل إن. إم. روتشيلد وبنك نوفاسكوتيا ـ موكاتا وبنك باركليز ومورجانتي جورانتي تراست ويونايتد بنك السويسري, الأعضاء المركزيين في جمعية سوق لندن للسبائك. ولقد تمكنت هذه المؤسسات ومدراؤها الأثرياء من استغلال السابع من يوليو في شراء الدفعة الأولى من الذهب والبالغة 25 طنا بهذا السعر الذي تعرض للتلاعب عن عمد. لقد كان الهبوط في أسعار الذهب مذهلا للغاية لدرجة أن أحدهم علق ساخرا بقوله: (إن لص البنوك الأسطوري ويلي ساتون كان سيعتبر نفسه مغفلا عندما يدرك أبعاد المناورة التي قام بها محافظ بنك انجلترا إيدي جورج, ففي أيام ساتون, كان يتعين على لصوص البنوك أن يقوموا ببعض العمل لكي يهربوا بهذا المبلغ الضخم) . لكن كم كلف هذا بنك انجلترا؟ بعد بيع 25 طنا من الذهب تبقى لدى بنك انجلترا 680 طنا, ولقد أدى قيام بنك انجلترا بتخفيض سعر الذهب من 25.289 دولارا للأوقية في 7 مايو إلى 20.261 دولارا يوم البيع, إلى تخفيض قيمة ما تبقى من ممتلكات بنك انجلترا من الذهب بمقدار 613 مليون دولار. ولكن بحلول العشرين من يوليو, كان سعر الذهب قد واصل الانخفاض إلى 80.252 دولارا للأوقية وتسبب هذا في تخفيض إجمالي لقيمة ما تبقى بحوزة بنك انجلترا من الذهب بمقدار 797 مليون دولار. ولكن السؤال الذي ظل ماثلا في الأذهان هو: لماذا تم ترتيب هذه الصفقة الخفية في الأصل؟ يعتقد البعض أن هذا مجرد فيض من غيض فهو بمثابة التحذير الأول بأنه ستكون هناك تصفية في الحسابات الورقية في أسواق الأسهم العالمية. فلو كان لدى أحد ما معرفة سابقة بأن مثل هذا الحدث يلوح في الأفق, فإن هذا الشخص سيقوم بالتأكيد بوضع مدخراته بعيدا عن الضرر. وبلغة أخرى, فإن المفتاح الأساسي لـ(إفلاس ناجح) يكمن في وضع ممتلكاتك الحقيقية بعيدا عن متناول الأخرين. فهل يخطط العارفون ببواطن الأمور المالية في العالم لعملية (إفلاس ناجحة) ؟ من الصعب قول ذلك, ولكن من السهل رؤية كيف استنتج المحللون المتشككون بأن الرأسماليين الذين نجحوا بشراء الذهب رخيصا, يقومون بتكديس الذهب لعالم ما بعد الانهيار الذي ستكون فيه قيمة الأوراق المالية كقيمة ورق الحائط. إن انخفاض قيمة احتياطي الذهب قد شمل العالم بأسره. ففي مارس من العام ,1999 كان لدى البنوك المركزية والمؤسسات الرسمية في العالم (مثل صندوق النقد الدولي وبنك التسويات الدولية) ما مجموعه 6.33 ألف طن من احتياطي الذهب. وفي الفترة من 7 مايو عندما أعلن إيدي جورج عن بيع بنك انجلترا للذهب, و6 يوليو عندما تم بيع أول دفعة من ذهب بنك انجلترا, خسرت البنوك المركزية والمؤسسات الرسمية 3.30 مليار دولار من قيمة احتياطيها الرسمي من الذهب بسبب الهبوط في سعر الذهب. وبحلول العشرين من يوليو, كانت هذه الخسارة قد وصلت إلى 3.39 مليار دولار. ويسود اعتقاد في أوساط المهتمين بالذهب بأن هناك هدفا آخر لمناورة بنك انجلترا في يوليو وهو التسبب بإفلاس شركات تعدين الذهب الأقل قوة مادية ووضع الأساس لاندماج الشركات الأقوى بحيث تحصل على الشركات الأضعف بأسعار بخسة. وهكذا سيتمكن اتحاد الشركات المنتجة التي تقف وراء تأرجح الأسعار من إحكام قبضته على الإنتاج المستقبلي من الذهب. لقد أدت إجراءات محافظ بنك انجلترا إيدي جورج إلى تخفيض أسعار الذهب في السوق إلى ما دون متوسط تكلفة الإنتاج في العديد من الدول الرئيسة المنتجة للذهب. ووفقا للمختصين في شؤون الذهب في معهد المسح الجغرافي الأميركي, فإن (متوسط تكلفة الإنتاج لتعدين الذهب يبلغ نحو 273 دولارا للأوقية في جنوب أفريقيا و267 دولارا للأوقية في كندا و261 دولارا للأوقية في استراليا و257 دولارا للأوقية في أمريكا) . ويؤكدون أن هذا هو متوسط السعر, ففي الوقت الذي تقوم بعض المناجم بتعدين الذهب بأقل من هذه التكلفة, فإن البعض الآخر يقوم بتعدين الذهب بتكلفة تفوق هذا المتوسط, كما أن سعر الذهب في السوق هو الآن أقل من متوسط التكلفة. وأدى ذلك إلى وضع العديد من عمليات التعدين في ضيق شديد, مما جعلها أكثر عرضة للسيطرة من قبل الشركات الأخرى. وفي العشرين من يوليو, ذكر موظف في معهد الذهب والفضة, الذي يقع مقره في واشنطن, لأحد المحللين في واشنطن أنـه في ظـل هـذا السعر ستكون هناك عمليات اندماج إضافية في هذه الصناعة. فهناك شركات لتعدين الذهب تعتبر مستقرة ماديا لديها أصول جيدة وخامات ذهب غير مكلفة نسبيا في تعدينها, ولكن خلال الأشهر الأخيرة, هبطت أسعار أسهمها بنسبة 30 ـ 35% أو حتى 40%. وهذه الشركات لا يمكنها التنافس مع شركات تعدين الذهب الكبرى التي تتمتع بقوة مالية أكبر. وستتم السيطرة على بعض الشركات الأخرى من قبل شركات مثل باريك وأنجلو أمريكان ونيومونت وريو تينتو. وتعتبر الشركات الأخيرة أكبر الشركات المنتجة للذهب وجميعها تقع في محيط السيطرة البريطانية. ويذكر المختصون كذلك أن الشركات الرئيسة المنتجة للذهب ستحول الإنتاج إلى مناجمها الأرخص في الفترة الراهنة. ويمكن توضيح استراتيجية السيطرة من خلال الإجراء الذي اتخذته شركة (أنجلو أمريكان) . أكبر منتج في العالم للمعادن الثمينة والمواد الخام. وتملك أنجلو أمريكان شركة أنجلو جولد, أكبر منتج للذهب في العالم. ومن خلال نقل ملكية الأسهم, تتملك أنجلو أمريكان شركة دبي بيرز سنتيناري وشركة دي بيرز كونسوليديتيد اللتين تهيمنان معا على منظمة البيع المركزية التي تسوق وتسيطر على 80% من الماس في العالم. كما أن أنجلو أمريكان تعتبر أكبر منتج للبلاتين في العالم, وتصنف كواحدة من أكبر عشرة منتجين للكثير من معادن العالم. إن أنجلو أمريكان معتادة على الاستحواذ على الذهب والممتلكات الأخرى ففي العام ,1996 وخلال غزو أوغندا لما كان يعرف باسم زائير, وأصبح الآن يحمل اسم جمهورية الكونغو الديمقراطية, حصلت أنجلو أمريكان العاملة في المنطقة من خلال الشركة المنبثقة عنها (أم دبي دي زد) على حصة كبيرة من شركة التعدين الرئيسة (سوسيتيه مينيريه إي اندستريال دوكيفو) (سومينكي) الواقعة في مقاطعة كيفو الغنية بالمعادن. وقد حصلت أنجلو أمريكان على هذه الحصة بسعر بيع رخيص. وفي ديسمبر من العام 8991گ سلبت ـ أو سرقت فعليا ـ شركة أنجلو أمريكان من حكومة زامبيا أكبر مناجم النحاس في العالم, وهما منجما نانجا ونانا التابعان لشركة مناجم النحاس المتحدة في زامبيا مقابل مبلغ 72 مليون دولار فقط. وكان صندوق النقد والبنك الدوليان والمانحون الدوليون قد قطعوا معظم الدعم المالي عن هذه الدولة التي تعاني المجاعة حتى تقوم ببيع مناجم النحاس التي تملكها لشركات أجنبية. وفي التاسع عشر من نوفمبر ,1998 شجب رئيس زامبيا فريدريك شيلوبا الضغط الذي مورس عليه لحمله على البيع قائلا: (تثبت الجهات المانحة لنا أن النحاس هو حبل جديد ملفوف على أعناقنا من خلال إصرارها على ربط المساعدات ببيع مناجم النحاس) . وتتطلع أنجلو أمريكان للانقضاض على مناجم ذهب جديدة. والشركة تشكلت في العام 1917 بتمويل من بنك روتشيلد وجي بي مورجان, وتملكها حاليا عائلة أوبنهايمر التي تمتلك المليارات وتحتفظ بعضوية بارزة في نادي الألف وواحد (1001) الذي يضم أفراد العائلات المالكة وزعماء حكومات بارزين ورجال أعمال يتاجرون بالمواد الخام. ومنذ تأسيسها, كان مقر أنجلو أمريكان في جوهانسبرج بجنوب أفريقيا, ولكنها اختارت في هذا العام تسجيل نفسها كشركة مقرها لندن لترسيخ السيطرة البريطانية المباشرة. وإضافة إلى ذلك, وضعت أنجلو أمريكان, التي كان معظم أعضاء مجلس إدارتها من جنوب أفريقيا, في مجلس إدارتها بعضا من الأسماء البارزة في عالم النخبة الرأسمالية البريطانية بمن فيهم بيتر ويلمون ـ ستويل, من بنك واربورج للاستثمار سابقا (الذي يعتبر, بصفته جزءا من يونايتد بنك السويسري, واحدا من الشركات الصانعة للسوق الاثنتي عشرة الاعضاء في جمعية سوق لندن للسبائك), وكريستوفر فاي المدير التنفيذي البارز في شركة شل النفطية, وروبرت مارجيتس نائب رئيس مجلس إدارة شركة إمبيريال للصناعات الكيماوية. ونعود للإشارة إلى أن محافظ بنك انجلترا إيدي جورج هو الشخص الذي كان سببا في هبوط أسعار الذهب عندما قرر بيع 415 طنا من الذهب. ولكن هذا الإجراء تلاه إعلان من قبل صندوق النقد الدولي عبر فيه عن عزمه بيع عشرة ملايين أوقية أي ما يعادل 311 طنا من احتياطيه من الذهب. إن مبيعات صندوق النقد الدولي يجب أن تحظى بموافقة الدول التي لها حق التصويت في الصندوق والأعضاء في مجلس إدارة الصندوق الذين يمثلون 85% من قوة التصويت في المجلس. وتستطيع الولايات المتحدة, التي تملك 4.16% من قوة التصويت في الصندوق, أن تمارس حق الفيتو ضد مبيعات الصندوق من الذهب إذا لم توافق عليها. إلا أن الإجراء الذي اتخذه إيدي جورج والتهديد بمبيعات صندوق النقد الدولي كانا كافيين لفرض ضغوط هائلة ترمي إلى تخفيض سعر الذهب. وفي الواقع فإن مبيعات الذهب تعمل على تدمير اقتصاد جنوب أفريقيا ومناطق أخرى في أفريقيا, فمنذ بداية العام ,1997 ووفقا لتقرير صادر عن وزارة المناجم في جنوب أفريقيا, فقد نحو 103 آلاف عامل في مناجم الذهب بجنوب أفريقيا وظائفهم. وقد عملت جنوب أفريقيا على تخفيض تكلفة تعدين الأوقية من الذهب من 342 دولارا في العام 1997 إلى نحو 273 دولارا حاليا. ولكن بسعر الذهب البالغ 80.252 دولارا للأوقية, فإن ثمانية من بين مناجم الذهب في جنوب أفريقيا البالغ عددها 16 تصنف على أنها (حدية) أي لا تربح ولا تخسر, بينما يعمل منجمان للذهب بالخسارة. وفي السادس من يوليو, قدمت شركة (إيست راند بروبرياتري للمناجم) , التي تعتبر واحدة من أقدم وأعمق المناجم في جنوب أفريقيا, طلبا لإشهار إفلاسها. بعد ذلك بأسبوع, أصدر جيمس موتلاتسي, رئيس اتحاد عمال المناجم في جنوب أفريقيا, وبوبي جودسيل, رئيس غرفة المناجم في جنوب أفريقيا, بيانا مشتركا حذرا فيه من أنه في ظل الأسعار الحالية للذهب, فإن نحو 40% من مشروعات تعدين الذهب في جنوب أفريقيا ستفقد جدواها الاقتصادية, وأن هناك إمكانية بأن يفقد 80 ألفا آخرون من عمال المناجم عملهم. وأفاد البيان المشترك عن موتلاتسي وجودسيل: (تتعرض صناعتنا للهجوم وهذا هو الوقت الملائم لجميع مواطني جنوب أفريقيا, بل الأفارقة جميعهم, لكي يقفوا صفا واحدا دفاعا عن الذهب والصناعة التي يدعمها) . وبوجود 103 آلاف عامل مسرح من عمال المناجم و80 ألفا مهددين بالمصير نفسه, فقد تفقد جنوب أفريقيا 183 ألف فرصة عمل في المناجم, في وقت يعاني اقتصاد جنوب أفريقيا من الضعف, حيث تصل نسبة البطالة الرسمية إلى 30% بينما هي أعلى من ذلك بكثير في تقديرات غير رسمية. وعلى الرغم من قيام موتلاتسي وجودسيل بزيارة إلى لندن, مؤخرا, للالتقاء بأعضاء حكومة بلير للمطالبة بوقف عمليات بيع الذهب التي تقوم بها انجلترا, إلا أن بلير أعلن بتحد إنه لن يغير من سياسته. وكان رئيس الوزراء البريطاني قد قال سابقا: (لقد قمنا بذلك بناء على نصيحة فنية من بنك انجلترا..) , ووصف هذه السياسة بأنها (معقولة تماما) . وعلاوة على ذلك, هناك عمال مناجم من دول أخرى يعملون في مناجم جنوب أفريقيا, فعمال موزامبيق العاملون في مناجم جنوب أفريقيا يرسلون 50 مليون دولار إلى عائلاتهم شهريا في موزامبيق. وكل عامل مناجم لديه أكثر من خمسة أشخاص يعتمدون عليه في إعالتهم والراتب الذي يرسل إلى الوطن يمكن أن يطعم 20 شخصا. وكذلك أعلنت شركة (أشانتي جولد فيلدر) , أكبر شركة للتعدين في غانا, في أواخر يوليو عن نيتها تسريح 2500 عامل من عمالها بسبب الانخفاض في أسعار الذهب. والشركات العشر الكبرى المنتجة للذهب والتي تنتج مجتمعة أكثر من ثلث ذهب العالم (1996), إما جزء من الكومنولث البريطاني أو تحت تأثير بريطاني كبير كما هي الحال مع ثلاث من الشركات الأميركية هي نيومونت وهومستيك وفريبورت ـ ماكموران. وخلال الحروب التي شهدتها مؤخرا وسط أفريقيا, تمكنت أنجلو أمريكان من الحصول على بعض شركات الذهب الإضافية. والآن, مع قيام إيدي جورج بتمهيد الظروف لحفنة من الرأسماليين (لسرقة) الذهب من بنك انجلترا ووضع العديد من شركات تعدين الذهب في ظروف اقتصادية صعبة, أصبحت شركة أنجلو, التي اقتربت أكثر من الشكل الانجليزي, مرشحة لاختطاف المزيد من الشركات. والخلاصة أنه لا أحد يمكنه معرفة طبيعة التأثيرات الطويلة الأجل لهذا كله على الأسواق أو كيف سيستوعب ملايين المستثمرين جميع المعلومات المتوفرة الآن, لكن لا يبدو أن الذهب سيسترد عافيته على المدى القصير.