يلعب النقل البحري دورا هاما في ميدان التجارة الدولية حيث يقوم بنقل ما يزيد على ثلاثة أرباع حجم التجارة العالمية وما يقرب من 70% من قيمة البضائع المتداولة فيما بين دول العالم , هذا فضلاً عن حركة نقل الركاب التي تشكل جزءا لايستهان به من حركة السفر العالمية, ولاشك ان دولة الامارات العربية المتحدة ودبي بشكل خاص تحتل مكانة مرموقة في مجال التجارة العالمية وتعتبر مركزا اقليميا يتوسط الشرق والغرب, وهو الأمر الذي جعل اقتصادها يقوم ومنذ أمد بعيد على البحر حتى أصبحت موانيها تصنف ضمن أقوى وأفضل موانئ العالم, وفي الوقت الحالي تبذل الامارات جهوداً جبارة في سبيل تنويع مصادر الدخل وعدم استمرار الاعتماد الكامل على النفط, وهنا يطرح السؤال نفسه بشكل قوي: هل تمتلك الامارات صناعة نقل بحري قوية توازي حجم موانيها العالمية ومركزها المرموق على خارطة التجارة العالمية؟ وهل يمكن ان يكون النقل البحري أحد المصادر القوية للدخل القومي؟ وتحت هذا السؤال الكبير يندرج عدد هائل من الاسئلة التي تهدف لاستكشاف واقع هذا القطاع الحيوي كم يبلغ عدد شركات الملاحة والنقل البحري المحلية وما حجمها بالنسبة للمستوى الذي وصلت اليه تكنولوجيا هذا المجال؟ وهل لديها القدرة على المنافسة في سوق مفتوح وتزداد فيه حمى المنافسة؟ هل تواجه شركات الملاحة المحلية أية معوقات أو عراقيل؟ ما نوعها وما طبيعتها؟ وما هو المطلوب لدعم هذا القطاع والنهوض به واقامة صناعة ضخمة خاصة وان البيئة مهيأة لاقامة مثل هذه الصناعة سواء من حيث الموانئ الكبيرة الحديثة أو حركة التجارة وكذلك ملاءمتها لطبيعة الصناعات المطلوبة في الدولة التي تعتمد على عمالة قليلة العدد فنية ومدربة وليس على العمالة الكثيفة؟ عدد محدود محمد عبد العزيز السويدي صاحب شركة ماركو للملاحة يعد أحد الكوادر الوطنية التي احترفت صناعة النقل البحري في مجال البضائع على وجه خاص, وبحكم خبرته العريضة في هذا المجال يرى السويدي انه اذا تحدثنا عن النقل البحري وبخاصة في مجال نقل البضائع والركاب وباستثناء نقل الوفود فإن هذا القطاع لا يزال متواضعا جدا بدولة الامارات العربية المتحدة رغم توفر جميع المقومات التي تجعل الامارات صاحبة أقوى الأساطيل في المنطقة. ويؤكد ان عدد الشركات الوطنية الحقيقية اي التي يملكها ويديرها مواطنون بنسبة 100% وليس ملكية الرخصة فقط لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة, كما ان امكانياتها لا تزال ضعيفة اذا ما قورنت بالشركات الأجنبية التي تعمل في موانئ المنطقة, وبالتالي فإن الشركات الأجنبية تعتبر هي المسيطر على قطاع الشحن والملاحة والنقل من والى الامارات. ويطالب شباب المواطنين اقتحام هذا المجال المهم خاصة في ظل دعم الحكومة وتشجيعها للشباب من ناحية وكذلك الدعم الكبير لكافة الانشطة الاقتصادية في اطار سياسة تنويع مصادر الدخل, ويؤكد انه رغم ان السنوات الأخيرة شهدت ضربة قوية لقطاع النقل البحري على مستوى العالم بسبب الأزمات الاقتصادية العالمية الا انه يظل أحد أهم القطاعات وأكثرها ربحية اذا مارسها شخص خبير ومدرب وعلى دراية بالنقل البحري. مقومات هائلة ويوضح محمد السويدي ان مستوى صناعة النقل بالامارات لا يتوازى مطلقا مع الامكانيات الهائلة التي تتوفر بالامارات لنجاح مثل هذه الصناعة, فهذه أولاً صناعة الاجداد وكان هذا ادعى بأن تتطور مع الزمن وتواكب التطورات العالمية سواء في حجم السفن أو امكانياتها, والأمر الثاني المهم ان الامارات تمتلك حاليا أهم موانئ المنطقة, وهي موانئ تحتل مكانة مرموقة على المستوى العالمي مثل ميناء جبل علي وميناء راشد وغيرهما من الموانئ ذات السمعة العالمية والتي تقدم خدمات على مستوى عالمي, ومن المقومات ايضا وجود سواحل كبيرة للامارات على الخليج, كما ان شركات التأمين بالدولة لا تتأخر في دعم هذا القطاع ليس فقط رغبة في دعم النقل البحري ولكن لان ارباحها من هذا القطاع أضعاف أرباحها من أي مجال آخر. حاجة وطنية ويؤكد محمد عبد العزيز السويدي ان الحاجة لدعم واقامة صناعة نقل بحري قوية بالامارات هي مطلب وطني وليس فقط مجرد دعم ومساندة للمواطنين العاملين في هذا المجال. فهذه الصناعة تعتمد على عمالة قليلة ومع ذلك فهي مصدر مهم للعملة الصعبة وبالتالي فإنها ستكون أحد المصادر المهمة للدخل القومي. ومن وجهة نظره فإن هناك أسبابا أخرى غير اقتصادية تدعو للاهتمام بهذا القطاع وامتلاك اسطول نقل بحري قوي, ففي الأزمات التي تتعرض لها المنطقة كما حدث اثناء حرب الخليج تتوقف السفن الأجنبية عن دخول الخليج, وهنا يصبح وجود سفن محلية أمرا مهما لنقل البضائع وتسيير حركة التجارة من والى الدولة, وبالفعل فإنه اثناء أزمة الخليج لم يكن يعمل سوى الشركات المحلية, وهكذا فإن دعم هذه الشركات المحلية يصبح أمراً وطنياً. البنوك ترفض وحول المعوقات التي تحول دون نمو هذا القطاع في الامارات برغم تشجيع الدولة ودعمها يقول محمد عبد العزيز السويدي ان القطاع المصرفي يلعب دورا أساسياً للأسف الشديد في اعاقة نمو هذا القطاع, فالبنوك في الامارات ترفض تمويل أي مشروعات للنقل البحري وتعتبر ذلك مخاطرة كبيرة رغم ان هذا مفهوم خاطئ, ويرجع السبب في ذلك الى افتقار البنوك المحلية الى العناصر المتخصصة في مجال النقل البحري, ففي كل دول العالم تقف البنوك وراء مشروعات النقل البحري وتقدم التحويل اللازم لشركات الملاحة لبناء السفن اما عندنا فمهما قدمت من ضمانات فإن البنوك ترفض دخول هذا المجال من حيث المبدأ, وهذا الأمر يعوق نمو هذا القطاع نظرا لأن بناء أو تحديث السفن وتشغيلها أمور مكلفة جدا وتحتاج عشرات الملايين. ومن الغريب ان بعض بنوك لندن وغيرها من البنوك الأجنبية تقدم لنا التمويل وتساعدنا بينما ترفض ذلك بنوكنا الوطنية. أما بالنسبة للمخاطر في هذا القطاع فهي غير موجودة بالمرة بالنسبة للبنوك لان السفن تخضع لتأمين شامل ليس فقط على جسم السفينة انما حتى المحركات كما انها تخضع لاشراف مستمر من شركات ومؤسسات التصنيف العالمية للاطمئنان على سلامتها, وبالتالي فإنه لا توجد أية مخاطر وتصبح مخاوف البنوك المحلية في غير موضعها. وفيما يتعلق بتثمين السفينة فإنه يمكن للبنك الاستعانة بشركات تثمين لتحديد السعر الحقيقي لها قبل الدخول في عملية التمويل. كوادر مدربة العائق الثاني لنمو هذا القطاع بالدولة هو عدم وجود الكوادر المتخصصة المدربة, ويقول محمد عبد العزيز السويدي ان ميناءي راشد وجبل علي لعبا دورا في توفير هذا الكادر بارسال وفود الى الاكاديمية البحرية بمصر ولكن لم يكن هذا بشكل كافٍ, فالأمر يتطلب اكاديمية خليجية او ارسال أعداد أكبر من الشباب لدراسة هذا المجال, فبدون الخبرة والدراية بهذا العالم فإن الخسائر تكون مخيفة هذا ما يجعل الناس تعزف عن الدخول فيه ولكن مع الخبرة والدراية تكون الأمور مختلفة تماماً. اجراءات كثيرة ويطالب السويدي بأن تحتضن حكومة الامارات هذا القطاع وتقدم له الدعم والمساندة حتى يقوى على المنافسة العالمية لأن الأمر يحتاج الى استثمارات ضخمة, ويشير الى ان شركات الملاحة الوطنية تعاني حاليا من صعوبة الاجراءات وكثرتها الأمر الذي يعوقها عن أداء عملها ويزيد من أعبائها المالية, ومن الغريب ان هذه الاجراءات مطلوبة فقط من الشركات الوطنية في حين انها غير مطلوبة من الشركات الأجنبية التي تتعامل مع موانئ الدولة, وهنا يصبح من حقنا ان نطالب بتخفيفها أو الغائها لأننا لا نطالب بامتياز وانما نطالب بالمساواة مع الشركات الأجنبية. واوضح ان أي سفينة ترفع علم الامارات يتم ايقافها قبل دخول الميناء لحين استخراج اوراق وتصاريح للبحارة وغير ذلك مما يستغرق وقتا طويلاً ويكلف السفينة مبالغ ضخمة كرسوم رسو في الميناء. ويشير الى ان معظم دول المنطقة مثل ايران والهند على العكس تعطي امتيازات لشركاتها الوطنية وتخفيضات في الرسوم تصل إلى 6% وهو ما يعطيها ميزة تنافسية عالية في مواجهتنا ونحن لا نتمتع بهذه الميزة. بل العكس فمن المشاكل الأخرى التي تواجهنا اننا في بعض موانئ الدول المجاورة نتعرض لعمليات ابتزاز كبيرة لمجرد اننا نرفع علم الامارات وينظر إلينا على اننا من دولة غنية وبالتالي علينا أن ندفع. وبالتالي فإن معاناتنا تكون مضاعفة داخل موانئ الدولة وخارجها. ويختم محمد عبدالعزيز السويدي بالاشادة بجهود الحكومة ودعمها لكافة القطاعات الاقتصادية ويشيد بقرارات الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع بالغاء وتخفيض الرسوم تشجيعا للقطاعات المختلفة على الانطلاق مؤكدا ان هذه سياسة حكيمة وبعيدة النظر لانها تستهدف اقامة اقتصاد قوي. تعطيل جمعة عبيد مبارك مدير شركة مبارك للملاحة يثير نفس القضايا التي طرحها السويدي ويؤكد ان البنوك المحلية تشكل أهم معوقات نمو هذه الصناعة برفضها المتعنت وغير المبرر لتمويل بناء وتحديث السفن. لكنه في الوقت نفسه يؤكد ان الدعم لا يقتصر على البنوك ولكن لابد أن يتم دعم صناعة النقل البحري من قبل الموانئ والدوائر المحلية والجهات الرسمية المختصة بهذا الجانب. ويكون الدعم من خلال تسهيل الاجراءات واختصار وقت استخراج التصاريح لان كل ساعة تتأخرها السفينة على الرصيف يعني خسائر بآلاف الدولارات. ويشير في هذا الصدد إلى ان السفن بما في ذلك سفن أعالي البحار نفسها والتي لن تتوقف في موانئ الدولة أكثر من ساعات يتم منعها من دخول الميناء حتى يتم الحصول على تراخيص وأوراق اقامة للبحارة من وزارة المواصلات. وربما تصادف يوم عطلة أو أكثر مما يعطل السفينة عدة أيام تكلف الشركة آلاف الدولارات. كما ان هذه التصاريح لا تستخدم في أي ميناء آخر غير موانئ الدولة وبالتالي تصبح أموالا مهدرة. فضلا عن ان الشركات الاجنبية لا تستخرج هذه الأوراق وبالتالي يصبح الأمر خسارة فادحة للشركات المحلية. صورة الدولة الأمر الثاني الذي يضر بالشركات المحلية من وجهة نظر جمعة عبيد مبارك هو السماح لسفن غير مرخصة أو مصنفة بالعمل في موانئ الدولة. فهذا الأمر يضر بالسفن المصنفة والتي تلتزم بكل اجراءات السلامة الدولية لان هذه السفن انفقت عشرات الآلاف للحصول على شهادات السلامة الدولية سواء من خلال الانفاق على السفينة وتجهيزها لتكون مؤهلة للفحص الفني الدوري أو كرسوم لشركات التصنيف الدولية. وبعد ذلك نفاجأ بسفن أخرى غير مصنفة تقدم أسعارا أقل وبالتالي تضرب السفن المرخصة. والأمر لا يتوقف على خسائر للشركات الوطنية فقط ولكن يمتد ليؤثر على صورة الدولة بشكل عام ولهذا لابد من ان تلتزم الموانئ بهذا الأمر التزاما كاملا. وعلى سبيل المثال فإن 40% من حركة البضائع بميناء الحمرية الآن تقريبا تتجه ناحية الصومال وبلاد افريقيا. فإذا لم تكن السفن المتجهة إلى هناك سليمة ومجهزة فإن هذا يضر حتى بسمعة الدولة ويؤثر على تجارتها. ونحن نقول هذا من باب الحرص على سمعة دولتنا التي حققت قفزة كبيرة وتعتبر مركزا تجاريا عالميا وتتمتع بموانئ عالمية تقدم أفضل الخدمات. اتجاه جيد د. حسن علي موسى مدير شركة عالم الملاحة أشاد بتوجه الامارات ودبي بشكل خاص بتشجيع السياحة البحرية والنقل البحري بشكل عام. وقال: هذا اتجاه جيد وينم عن وعي ورؤية مستقبلية واعية لان قطاع النقل البحري في حاجة إلى دعم وتشجيع من جانب الدولة. وقال: ان أكبر مشكلة تواجه صناعة النقل البحري الوطنية هي ان الشركات قليلة جدا وغير مؤثرة. وإنما الشركات الأجنبية التي تسيطر على السوق وهذا أمر له جانب تاريخي علينا أن نتخلص منه. ولكن د. حسن في الوقت نفسه قال ان مستويات الرسوم بالامارات جيدة جدا مقارنة بدول أخرى كثيرة. كما ان الاجراءات سريعة وليس هناك روتين كما يحدث في دول أخرى. ولكن المشكلة التي تعرقل نمو هذا القطاع هي انها صناعة شاقة نظرا لكثرة القوانين الدولية التي تنظم عمل الشركات بها مثل أنظمة السلامة الدولية وأنظمة الاتصالات حتى الطاقم الاداري لابد ان يخضع لهذه الانظمة الحديثة وكثير من الشركات لا تقدر على ذلك. وأشار كذلك إلى المشكلة المصرفية المتعلقة بتمويل بناء وتحديث السفن. حيث انه في العالم كله لا تتحمل الشركة أكثر من 20% ويمول البنك النسبة الباقية ولكن في الامارات فإن البنوك ترفض ذلك. والبنك الذي يقبل على مضض يضع العراقيل ويلجأ إلى المماطلة والتسويف حتى يهرب العميل. جمعية أو اتحاد ويقترح د. حسن علي موسى لتطوير هذا القطاع الوطني تأسيس جمعية أو اتحاد أو مؤسسة ترعى العاملين فيه وتحاول تطويره ومحاصرة سلبياته وابراز ايجابياته. ويمكن لصاحب الباخرة أن يلجأ إليها بدل أن يرجع إلى الدوائر الرسمية. تحقيق ـ عبد الفتاح فايد