منذ نحو عامين بدأت العملات الآسيوية رحلة هبوط سريعة, كانت صناديق التحوط تهاجم وتضرب بشدة حتى أشرف العالم على السقوط في هوة من الأزمات. أما الآن, فقد أخذت العملات الآسيوية تستعيد قوتها , بينما الدولار هو الذي يتعرض للضغوط ليدفع العالم ثانية إلى شفا أزمة أخرى ممكنة. أو هكذا تردد النشرات الاقتصادية المختلفة. فهل هذا صحيح؟ الاقتصادي العالمي بول كروجمان يدلي بدلوه في هذا المجال. وهو لا يكتفي بالإجابة عن السؤال السابق, بل يطرح الحلول الممكنة أيضا. يعتبر الدولار الآن أكبر من قيمته الفعلية, لكنه ليس وحده كذلك, فسوق الأسهم تتسم بحالة من الإفراط, والفقاعة مكثت طويلا, بل أطول مما توقعه الجميع بكثير. والقلق يسيطر على الجميع. ولكي نقترب أكثر من الصورة لنتعرف على ملامحها بصورة أفضل سنطرح أسئلة أربعة: الأول هو: لماذا يجب أن نعتقد أن الدولار مقوم بأكبر من قيمته الحقيقية, وأنه لابد من أن يهوي؟ والثاني هو: لماذا يتوقع البعض لأي انخفاض في الدولار أنه يتحول إلى انهيار؟ والثالث: لماذا سيكون ذلك أمرا سيئا؟ والسؤال الأخير هو: ماذا يمكن القيام به؟ إن السبب الرئيس وراء القناعة التي تسيطر على كثيرين بأن الدولار يتجاوز قيمته هو بطبيعة الحال استمرار تلك العجوزات شديدة الضخامة في الحساب الجاري الأمريكي. بينما أصحاب العملات الرئيسة الأخرى, وخاصة الين الياباني, يشهدون فوائض ضخمة باستمرار في الحساب الجاري. لكن المشكلة أن الخلل في الحساب الجاري لا يكون بالضرورة إشارة للخطر الشديد. فهذا الخلل أدى إلى تحول الأموال من الأماكن التي تشهد فائضا في الادخار مثل اليابان إلى أماكن أخرى توفر عوائد أكبر على الاستثمار مثل الولايات المتحدة. ومع ذلك, فإن الخلل الشديد في الحساب الجاري يعني أن الدول ذات الفوائض تزداد حصتها من الثروة في الدول ذات العجوزات. وهذه العملية لا يمكن لها أن تتواصل إلى الأبد. ويذكرنا قانون هربرت شتاين أن الأشياء التي لا يمكن لها أن تستمر إلى الأبد, لا تستمر. يعني ذلك في النهاية أن العجز في الحساب الجاري الأمريكي والفائض الكبير لدى الأطراف الأخرى لابد من أن ينخفض بشدة, بل وقد ينعكس كلية. وهذا الأمر يمكن أن يحدث بطرق شتى, لكن ما هو محتمل أن معظم التحول سيتم من خلال انخفاض في قيمة الدولار مقابل الين واليورو, وغيرهما. وترتبط مسألة الاستدامة بما إذا كانت السوق ستسمح بالانخفاض المستقبلي المطلوب. وإذا كانت الإجابة بالنفي, فإن الدولار سيكون مصيره انهيار مفاجئ يمكن أن يحدث لحظة أن يدقق المستثمرون في الأرقام والإحصاءات. إن معدلات الفائدة في الولايات المتحدة أعلى منها في اليابان وأوروبا, وقد تكون تلك إشارة إلى أن السوق تتوقع بالفعل ذلك التراجع التدريجي في قيمة الدولار. والفارق الفعلي في معدلات السندات طويلة الأجل ربما يكون 2% بالمقارنة مع اليابان وأقل من ذلك مع الأوروبيين. والمستثمرون انخفاضا فعليا بنسبة 2% سنويا في قيمة الدولار مقابل الين على المدى الطويل, لكن في ظل الخلل الكبير والضخم في حجم العجز الحالي, فإن ذلك لن يكون كافيا. هناك إذن أسباب جيدة تجعلنا نتوقع انخفاضا في قيمة الدولار, وربما يكون الانخفاض شديدا إذا ما انتبهت الأسواق إلى أرقام التجارة. ولنتذكر أنه في العام 1985 عندما وصل حجم العجز في الحساب الجاري للولايات المتحدة إلى نسبة مماثلة من إجمالي الناتج المحلي لما هي عليه الآن, تسببت مراجعة الحسابات بعد إدراك العجز إلى هبوط سعر صرف الدولار مقابل الين من 240 ينا إلى 140 ينا للدولار, ومن 3.3 ماركات ألمانية إلى 3.1 مارك فقط. هناك عنصر آخر جديد يمكن له أن يضاعف من سرعة هبوط الدولار, ويتسبب في انهيار دراماتيكي مثير. وهذا العنصر هو التأثيرات المتتالية في ما يشبه قطع الدومينو وتساقطها واحدة تلو الأخرى عند إعلان بيانات الميزانيات العمومية. وطبقا لما يقوله إناس يفترض أنهم يعرفون بواطن الأمور, فإن الممارسات التي أسهمت بنصيب كبير في تحريك سعر الفائدة في الخريف الماضي عادت بقوة إلى الساحة, فهناك مجموعة صغيرة من المستثمرين (الكبار) اقترضوا بالين, وربما باليورو وإن كان ذلك غير مؤكد, ثم استثمروا ما حصلوا عليه بفائدة ضئيلة للغاية في شراء أصول بالدولار ذات عائد مرتفع. فإذا ما حدث وتراجعت قيمة الدولار بشدة, فسيخسر هؤلاء, وسيضطرون إلى تقليص ميزانياتهم العمومية, ويقدمون على بيع الدولارات, ما يزيد من الانخفاض في قيمة الدولار في ما يمكن أن يكون انهيارا شديدا. ولا يفترض للصلات الميكانيكية بين الميزانيات العمومية التي تفضي إلى خلل في الأسعار أن تحدث في السوق المالية سليمة القواعد والأركان. وتخبرنا نظريات الأسواق أن الانخفاض الشديد في قيمة العملة لابد أن يستتبع إقبالا من جانب المستثمرين الذين يسعون وراء الفائدة طويلة الأجل على شراء الدولار بكميات ضخمة. وبذلك يمكن تعويض الخلل الشديد في الميزانيات العمومية لصناديق التحوط. لكن هذا أمر غير مؤكد. إننا حتى ولو كنا نواجه حالة للدولار يشهد فيها مبالغة في تقويم سعره تذكرنا بما حدث في أوائل العام ,1985 إلا أننا إذا ما عدنا بالذاكرة إلى تلك الأيام سنجد أنه على الرغم من التحذيرات والمخاوف من حدوث (انهيار وشيك) , فإن التصحيح الذي تم آنذاك جاء من دون أن يخلق أية مشكلات مزعجة, وإن كان البعض يرى بأنه تسبب بطريقة أو بأخرى في ما آلت إليه الأمور من تطور لاقتصاد الفقاعة الياباني. الأمور مختلفة الآن, لأننا نبدأ من منطقة مختلفة. والبعض يشير إلى أن الاقتصاد العالمي الآن في حال يفضي أي انهيار حاد للدولار في ظلها إلى ضغوط انكماشية في العالم كله تقريبا. ولكي نفهم لماذا ذلك, فيجب أن نتذكر أن تراجع قيمة العملة (أو بدقة أكبر مراجعة التوقعات بصورة تؤدي إلى الانخفاض في قيمة العملة) يمثل صدمة إيجابية للطلب وصدمة سلبية للعرض في البلد الذي يخفض قيمة العملة. والصدمة الإيجابية للطلب تنبع من أن السلع التي تنتجها الدولة تصبح أكثر تنافسية في الأسواق العالمية. أما بالنسبة للعرض, فإن الصدمة تكون سلبية لأن أسعار الواردات تزداد وترتفع. وفي المقابل, نجد أن ارتفاع قيمة العملة يؤدي إلى صدمة سلبية للطلب وإيجابية بالنسبة للعرض. والسبب الذي يدعو إلى القلق من حدوث انهيار مفاجئ للدولار هو أن الاقتصاد الأمريكي الآن هو اقتصاد يعاني من ضيق في العرض, بينما اقتصادات الغالبية العظمى من دول العالم تعاني من ضيق في الطلب, وهو ما يعني أن التأثيرات ستكون سلبية في شتى أنحاء العالم. وفي الولايات المتحدة, حيث بدأت الأجور والرواتب تعكس أخيرا صورة لسوق العمل, فإن انخفاضا مفاجئا في قيمة الدولار سيهدد على الأقل بإثارة الحركة في دورة الأجور والأسعار, كما أن مجرد الإحساس بالخطر يمكن أن يدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع معدلات الفائدة. ومن الصعب القول ما إذا كان ذلك يمكن أن يؤدي إلى انكماش أم لا. وإن كان الأمر المؤكد هو أن حدوث انخفاض شديد في قيمة الدولار لن يكون أمرا إيجابيا للولايات المتحدة حاليا. وبالنسبة لبقية دول العالم, فإن صدمات الطلب الناتجة عن زيادة قيمة العملة يسهل في الغالب التعامل معها, إذ يمكن ساعتها خفض أسعار الفائدة, فهذا أحد الإجراءات التي يمكنها أن تحد من الارتفاع. لكن بالنسبة لليابان, فهي متعثرة تماما في مصيدة السيولة, ولا يمكنها أن تخفض أسعار الفائدة. أما منطقة اليورو فلا تعاني من مشكلة السيولة, وإن كان انخفاض قيمة الدولار يمكن أن يدفعها إلى مصيدة السيولة. والمناطق الوحيدة التي يمكنها الاستفادة بوضوح من دولار أضعف هي ذات الاقتصادات التي تشهد ضيقا في الطلب والمرتبطة بالدولار, ولكن اقتصادا مثل اقتصاد الأرجنتين أو هونج كونج ليس كبيرا تماما على نحو يمكن أن يغير الصورة في النهاية. ماذا يمكن إذن أن نفعله للحيلولة دون حدوث مثل ذلك السيناريو المزعج؟ إن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تخفف من قيود العرض. فالاقتصاد الأمريكي يشهد معجزة بقدرته على التوسع بهذه الدرجة من دون أن يشهد التضخم زيادة, وإن كانت مؤشرات هذه الزيادة بدأت تظهر. لذا, من السخف أن ننتظر حدوث معجزة أخرى أو نتوقع استمرار المعجزة الحالية إلى الأبد. فهل يمكن للتدخل أن يحدث استقرارا في الدولار؟ إن التدخل إذا لم تسانده بعض التغييرات الجذرية في السياسات لا يحتمل له أن يفعل شيئا, نعم التدخل يمكنه أن يخفف أو ينهي حالة الذعر التي تسيطر أحيانا على الأسواق, لكنه لن يستطيع تحقيق الاستدامة. ما يمكن أن ينجح هو تحقيق توسع نقدي جذري في الاقتصادات التي تشهد ضيقا في الطلب. وبصفة خاصة اليابان, وربما أوروبا إذا كان ذلك ضروريا. فذلك لا يؤدي فقط إلى توسيع مساحة الطلب الداخلي, بل ويزيد من الطلب على الصادرات الأمريكية. وهي التأثيرات نفسها التي يمكن أن يحدثها خفض أسعار الفائدة في الدول التي تشهد ارتفاعا في قيمة العملة, ذلك في ظل الظروف العادية. هذه هي النقطة الأساسية, فالمرة الأخيرة التي عانت فيها الولايات المتحدة من ارتفاع في قيمة الدولار, كانت كلفة التصحيح غير مرتفعة لأن الدول الأخرى كانت لديها القدرة على دفع حركة الطلب الداخلي. أما الآن, فالموقف أصعب, وذلك لأن الدول الأخرى غير الدولارية لا يمكنها أن تزيد الطلب باستخدام سياسات تقليدية. كما أنها غير راغبة في التفكير في سياسات غير تقليدية. وعدم الرغبة هذه هي لب المشكلة, وليس الدولار بعينه. أستاذ الاقتصاد الدولي بمعهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا