يبدو ان الحظ لايريد أن يبتسم للقارة السوداء, فعلى الرغم من ان قيام السوق الافريقية المشتركة يمكن ان يكون حلا للمشكلات المزمنة التي تعاني منها القارة الا ان ذلك ليس بالأمر السهل, وبين الاغراق في التفاؤل والافراط في اليأس يجب ان يقف من يهمه الأمر من مسؤولين ومتخصصين لدراسة الأرقام والحقائق بما يؤدي لقيام مثل هذه السوق .. فإن نهب ثروات القارة وتحويلها الى الغرب, والأخطار التي تواجهها دول القارة من مجاعات وحروب أهلية ونزاعات حدودية هي بذاتها دوافع لمواجهة الأزمة والتوحد ازاءها, كما انها عوائق للتقدم والتكامل الاقتصادي, لكن المؤكد ان قيام السوق المشتركة أمراً لا غنى للدول الافريقية عنه. في السنوات الأخيرة استطاعت القارة الافريقية ان تحقق نسبة من النمو في الناتج القومي لا تقل عن 4% الى 5% سنويا بعد فترة طويلة من الركود والنمو السالب, وعلى الرغم من هذه الايجابية فإن هناك الكثير من العوائق التي تقف أمام الانطلاقة الافريقية على رأسها الحروب الأهلية التي تمتد من الصومال الى سيراليون ومن الجزائر الى أنجولا بما تسببه من خسائر بشرية وانتاجية هائلة, وهناك الديون ونسبة النمو السكاني التي تتراوح بين 2.5% الى 3.5% سنويا لتلتهم مع عوائد الديون السنوية عوائد التنمية وتجعل القارة كأنها تراوح مكانها في سلم التدرج الاقتصادي بين الأمم, الا ان زعماء القارة الافريقية أدركوا مدى أهمية التعاون الاقتصادي الشامل بين دولهم وقرروا في مؤتمر أبوجا سنة 1991 انشاء جماعة اقتصادية افريقية تضم دول القارة, وتعمل على انشاء سوق افريقية مشتركة بحلول العام ,2028 وفي خلال هذه الفترة نشأت منظمات اقتصادية اقليمية عدة في غرب ووسط افريقيا وفي الجنوب والشرق, اضافة الى الاتحاد المغاربي في شمال افريقيا وتعتزم منظمة الوحدة الافريقية توحيد هذه الجماعات الاقتصادية الافريقية من خلال انشاء سوق افريقية موحدة .. وبين حلم افريقيا في الوحدة الاقتصادية, والواقع الاقتصادي الذي يقول ان افريقيا لا تزال من أفقر قارات العالم وأكثرها اكتظاظا بالسكان, كما انها من أكثرها ديونا اذ تزيد نسبة الدين للفرد الواحد على آلاف الدولارات سنويا, وذلك كله يتطلب المزيد من سعي وجهد زعماء القارة السوداء للخروج من عنق الزجاجة الاقتصادية. وفي استطلاع لآراء نخبة من المتخصصين في الشؤون الافريقية حول هذه القضية الحيوية يؤكد د. حسن عبيد استاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة, على وجود العديد من المبررات لقيام هذا التكتل الافريقي الاقتصادي, بداية بالديون الخارجية التي يقدرها البعض بما يتراوح ما بين 300 و350 مليار دولار بنسبة 18% من اجمالي المديونية العالمية تتحملها 52 دولة افريقية, يبلغ عدد سكانها حوالي 644 مليون نسمة يمثلون 20% من سكان المعمورة, واذا عرفنا ان القارة تضم حوالي 65% من سكان الوطن العربي, فإن ذلك يعني ان الأزمة الافريقية لها بعد عربي, وبالتالي كان لزاما على دول القارة اقامة هذه الجماعة الاقتصادية الافريقية, ثم ان هناك مبررا آخر لوجود مثل هذا الاتحاد ويتمثل في توافر كل مقومات التكتل واقامة السوق الافريقية المشتركة, وعلى الرغم من ذلك فإن حجم التبادل التجاري بين الدول الافريقية لا يتجاوز 4% من حجم تجارتها الخارجية بينما تبلغ تجارتها مع الغرب نحو 90%, وهي المشكلة نفسها التي يعاني منها الوطن العربي, الذي لايتجاوز حجم تجارته البينية 8%. ويضيف د. عبيد ان هناك دافعا مهما وقويا جدا لقيام هذه الجماعة, وهو تلال المشكلات التي تعيش فيها القارة وتحتاج الى حلول سريعة لا تحتمل التأجيل, وفي مقدمتها عجز غالبية البلدان عن النمو والتنمية, حتى بعد توقيع اتفاق اقامة الجماعة الاقتصادية الافريقية, هذا اضافة الى قضية التصحر التي تعم معظم البلدان الافريقية والتي أدت الى حدوث مجاعات ووفاة مئات الآلاف نتيجة ذلك, علاوة على الخلافات الحدودية والحروب الأهلية المشتعلة في كثير من الدول. ومن جهتها تقول د. نجوى الفوال: (خبيرة القرن الافريقي والخبيرة بمركز اعلام البحوث الاجتماعية: (ان الحديث عن الجماعة الاقتصادية الافريقية, يطرح تساؤلا مهما وهو إلى أي مدى يمكن تحقيق وقيام هذه الجماعة الاقتصادية على أرض الواقع؟ وهذا التساؤل ذو أهمية كبرى من خلال الواقع المحيط بنا والذي تمر به معظم البلدان الافريقية قياسا على الحالات المماثلة المحيطة بها, فالسوق الأوروبية المشتركة والتي لايمكن مقارنتها بمثيلتها الافريقية نشأت العام 1957 وبدأت تأخذ طريقها الفعلي العام الماضي فقط, كذلك فالسوق العربية المشتركة التي بدأت في أوائل الخمسينات لا تزال حبراً على ورق, لأنها تعاني من الأعراض الافريقية نفسها. ويرى د. أحمد النجار الخبير الاقتصادي بمركز الدراسات الاقتصادية بجريدة (الأهرام) ان افريقيا ساعدت بطريقة غير مباشرة في تصنيع وتطور العالم عن طريق خاماتها الزراعية التي تستوردها الدول المتقدمة والخامات اللازمة للصناعات الأوروبية, والتي تستوردها اوروبا من افريقيا وتعيد تصنيعها وتصديرها الى القارة مرة أخرى بأسعار مرتفعة, فالقارة تحتكر كثيرا من الخامات الزراعية اللازمة فهي تنتج حوالي 75% من الصادرات العالمية للكاكاو, وحوالي 75% من التجارة العالمية لزيت النخيل والفول السوداني, 35% من الانتاج العالمي للبن, علاوة على احتكار القارة الافريقية لانتاج الصمغ العربي. ويضيف د. النجار ان هذه الثروات التي تتميز بها القارة الافريقية لم تكن الثروات الوحيدة, بل ان هناك ثروات في المجال المعدني لا تقل أهمية عن سابقتها, حيث تسهم بحوالي 30% من الانتاج العالمي للثروات المعدنية, هذه الثروات يتجه حوالي 90% منها الى الأسواق الأوروبية التي تسيطر عليها الشركات متعددة الجنسية, وهناك دراسات أجريت مؤخرا أوضحت ان هناك مستقبلا كبيرا للقارة في المجال البترولي سيصل الى 15% من مجموع الانتاج العالمي للبترول وان المستقبل سيكون للقارة الافريقية. جماعة اقتصادية افريقية ويرى د. ابراهيم نصر الدين أستاذ التنمية الافريقية بمعهد الدراسات الافريقية بجامعة القاهرة, ان هناك العديد من الصعوبات التي تعترض قيام السوق الافريقية المشتركة التي طرحت فكرتها في الستينات, هذه الصعوبات في مقدمتها مستوى النمو الاقتصادي, فمعظم هذه الدول في المراحل الأولى لبناء البنية الاقتصادية الأساسية لكنها تعاني من عدم تنوع في اعتمادها الأساسي في سياساتها الخارجية على تصدير محصول واحد أو أكثر, ومن ثم فإن حجم التبادل التجاري بين الدول الافريقية ضعيف للغاية, وهذه الحقيقة تجعل اقامة الجماعة الاقتصادية الافريقية على أرض الواقع أمرا صعبا للغاية. وتؤيد هذا الرأي د. هيام الببلاوي: (خبيرة الاقتصاد الافريقي) وترى ان البداية الحقيقية لتحقيق وميلاد هذه الجماعة على أرض الواقع, تبدأ من اعادة توجيه الاقتصاد في كل دولة, على حدة, بحيث يصبح اقتصادها وطنيا بالدرجة الأولى أو بمعنى فصل ارتباط الاقتصاد الافريقي عن الدول المستعمرة سابقا. ويضيف د. مجدي صبحي (الخبير بمركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام) انه ليست المشكلات الاقتصادية وحدها هي التي تقلل من احتمال تنفيذ هذه المعاهدة في السنوات القليلة المقبلة, وانما ايضا العقبات الأمنية, بمعنى انه ليس من الممكن ان تقوم تنمية اقتصادية في دولة لا تتمتع بالاستقرار السياسي, فالحروب الأهلية والنزاعات بين الدول الافريقية بعضها البعض, كل ذلك يؤدي الى خفض الناتج القومي لتلك الدول, الذي يصل في بعض الاحيان الى الصفر, وبالتالي ضياع ثروات الدول الافريقية التي من الممكن ان تسهم بشكل فعال في نجاح عمل الجماعة الافريقية الاقتصادية التي اذا سار هذا المشروع بخطوات ايجابية فقد تستطيع هذه الجماعة الوليدة مواجهة التكتلات الاقتصادية العالمية بشكل لايضر بمصالحها. وكالة الصحافة العربية