بعد مصادقة البرلمان الايطالي مؤخراً على اتفاقية الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي, حيث صادقت عليها البرلمانات الأوروبية الأخرى من قبل, يأمل المغرب تصحيح علاقاته الاقتصادية مع الخارج , والعمل على واجهات متعددة لتحقيق التوازن والتوسع في الصادرات, وكذلك ايجاد التناسق بين السياسات الصناعية والتجارية والتجارة الخارجية, على نفس المستوى الذي يسعى فيه الى تجديد إهتمام المستثمرين الأجانب, خصوصاً وان سياسة الانفتاح التي انتهجها أسهمت في تشجيع هذا الاتجاه وتعزيزه, حيث دخل برنامج الخصخصة مرحلة متقدمة. واذا كان الخبراء يرون ان ذلك سيستغرق وقتاً طويلاً, نظراً لاقتصار المغرب على ترويج سلع محددة تلقى عادة منافسة حادة ناجمة عن الآليات الحمائية للسياسة الزراعية الأوروبية, والتي ستزداد حدة بعد انضمام دول اخرى كالنمسا وفنلندا الى الاتحاد الأوروبي, إلا ان ذلك لايقلل من أهمية الجهود التي يبذلها المغرب لتحسين حصصه في دول المغرب العربي وعدد من الدول العربية في اطار اتفاقيات تفضيلية, واستكشاف امكانات اسواق الجمهوريات الاسلامية في الاتحاد السوفييتي سابقاً. وتمثل التجارة الخارجية مكوناً مهماً من مكونات الاقتصاد المغربي, حيث تشكل حوالي 40 في المائة من الناتج الداخلي الخام, لكنها ظلت تعاني من عجز بنيوي لم يخفف منه تحسن النتائج الاستثنائية والظرفية المتحققة, وقد بلغت قيمة العجز التجاري منذ عام 1992 ما يقارب 29 مليار درهم (الدولار يساوي 10 دراهم مغربية تقريباً), كما هبط معدل التغطية (تغطية الصادرات للواردات) الى 1.54 في المائة, هذا في الوقت الذي تعثرت فيه معاملات المغرب مع السوق الليبي الذي يمتص 4 في المائة من المبادلات قبل أزمة لوكيربي. وكان المغرب اعتمد بعد الاستقلال استراتيجية تجارية وصناعية تقوم على أسس سياسة تعويض الواردات في أغلب صناعات المنافع الاستهلاكية, وكانت هذه الاستراتيجية ترتكز على سياسة حمائية مصحوبة باجراءات مشجعة على الاستثمار, غير انها لم تحقق النتائج المنتظرة منها, خصوصاً على مستوى تنمية القطاع الصناعي, وبصفة أدق على مستوى الانتاجية ونوعية المنتوج. كما ان الحكومة المغربية اتخذت, خلال السنتين الماضيتين, عدة اجراءات استهدفت تحسين مناخ الاستثمار في المغرب, وذلك من خلال التسهيلات والخدمات المقدمة الى المستثمرين الأجانب ولشركائهم المحليين, فالى جانب قانون الاستثمار الجديد الذي أقره البرلمان, والذي وحد جميع القوانين الاستثمارية في نص واحد يغطي مختلف القطاعات ويجعل من الحوافز والتشجيعات مكتسبات تلقائية, قامت مجموعة أومنيوم شمال افريقيا (أونا) أكبر شركة قطاع خاص مغربية, بتأسيس (صندوق الاستثمار في المغرب) الذي يرتكز على تعزيز العلاقات الاقتصادية بين المغرب ودول الخليج العربي. وفي اطار هذه الاجراءات تم اصلاح وتبسيط النظام الجبائي وتخفيض الرسوم الجمركية حيث كان أقصاها يبلغ 400% وأصبح لا يتجاوز الآن 35%, كما تم تحرير نظام الصرف وجعل الدرهم المغربي قابلا للتحويل فيما يتعلق بالمعاملات التجارية, وكذلك تحرير النظام المالي والمصرفي الذي أدى الى استبدال المراقبة المباشرة لمصرف المغرب (البنك المركزي) بمراقبة غير مباشرة تعتمد أساسا على آليات تقنية حديثة مثل الاحتياط النقدي واعادة تنظيم البورصة وجعلها تؤدي دورها في تمويل الاقتصاد المحلي. وما زالت وزارة الاقتصاد والمالية, من خلال العديد من النشاطات الخارجية تبرز أهمية الدور المنوط بها والذي يتجلى أساسا في البحث عن المستثمر المحتمل, ووضع جميع المعلومات المتعلقة بالأنظمة والضمانات المتوفرة للاستثمارات الأجنبية في المغرب, والتعريف بالتحسينات التي أدخلت على الهياكل الاقتصادية المحلية, وكذلك مساندة المستثمر خلال السنوات الأولى من الشروع في مزاولة نشاطه, تفاديا للصعاب التي يمكن أن تواجهه, وتسهيل الاتصالات اللازمة مع الوزارات والأجهزة العمومية التي لها علاقة تقنية أو ادارية بمشروعه. ويحظى القطاع السياحي باهتمام خاص من قبل الجهات الاقتصادية التي اعتبرته دائما من بين أولويات خططها الاقتصادية والاجتماعية منذ الستينات, ويرجع هذا التوجه الى أسباب ومقومات عدة بينها المؤهلات السياحية المتنوعة والغنية التي يزخر بها المغرب والتي تمنحه مكانة مرموقة في مساعي تطوير الصناعة السياحية على الصعيد العالمي, ولما تمتاز به هذه الصناعة من تأثير ايجابي على الاقتصاد الوطني وما تدره من مداخيل بالعملة الصعبة, اضافة الى مستوى التشغيل حيث يوفر القطاع السياحي حوالي 360 ألف وظيفة مباشرة وأكثر من مليون وظيفة تتصل بالأعمال غير المباشرة. ويلاحظ ان انتعاش النمو الاقتصادي العالمي ينعكس بشكل ايجابي على المبادلات المغربية التجارية الخارجية, ولكن على الرغم من ان الواردات لم تتوسع سوى بمعدل ادنى قدره 6.6% فانها ما زالت تؤثر على تطور رصيد الميزان التجاري, بالنظر الى وزنها النسبي, حيث ان معدل تغطية التقنيات بواسطة المبيعات الخارجية لا يتعدى 56%. وقد سجلت المعاملات التجارية بين المغرب والخارج في العام الماضي ارتفاعا بنسبة 3.4%, وهو ما يعادل 1773 مليون درهم (53.886 مليون درهم مقابل 52.113 مليون درهم) مقارنة مع عام ,1997 وعزا خبراء هذه النتيجة الى ارتفاع الصادرات والاستقرار النسبي للواردات (34.888 م د مقابل 34.585 م.د). وكانت في مقدمة هذه الصادرات المواد الخام وانصاف المنتجات التي حققت وحدها عائدات بمبلغ 15 مليار درهم, وسجلت المواد الزراعية ومنتجات الصيد البحري زيادة قدرها 14.4% مما رفع حصتها الاجمالية ضمن الايرادات الكلية الى 28%. وعلى العكس من ذلك عرفت عائدات المنتجات منتهية الصنع التي لا تزال مكونة في حدود ثلاثة أرباع من منتجات النسيج انخفاضا نسبته 5.9% وتراجعت حصتها الى 29.4% من مجموع الصادرات مقابل ما يفوق الثلث عام ,1993 وقد شمل هذا التوجه غير الملائم كل فروع صنع الالبسة الجاهزة ايضا وفي مقدمتها المواد المصنوعة من الجلود التي تراجعت مبيعاتها في المجمل الى 13.7%. وتجدر الاشارة الى ان الصادرات من المواد المصنوعة من مواد مستوردة في اطار نظام القبول المؤقت عرفت ارتفاعا بمعدل 12.4% وبلغت 20.6 مليار درهم مشكلة بذلك أكثر من نصف مجموع الصادرات في حين بلغت المقتنيات 9.4 مليارات, ولم يعرف التوزيع الجغرافي للتجارة الخارجية تغييرا يذكر اذ ظلت المبادلات مع الاتحاد الأوروبي هي المهيمنة, وتسجل علاوة على ذلك عجزاً كبيراً.