الاستعدادات تجري على قدم وساق للافتتاح الرسمي لسوق دبي المالي الذي بات وشيكا, ولا يقتصر الأمر على الاستعدادات الحكومية وانما امتد ليشمل كافة الأطراف المتعاملة في سوق الأسهم من شركات ووسطاء ومساهمين , فالشركات التي تريد طرح أسهمها للاكتتاب العام تعد أوراقها وميزانياتها والوسطاء في أصحاب المكاتب المرخصة يعدون أنفسهم ويدشنون مكاتبهم بالمحللين المتخصصين في تحليل البيانات المالية والخبرات المتخصصة في هذا المجال الى جانب الاستعدادات الادارية والمالية الخاصة بالسوق, وحتى المساهمين الذين بات كل منهم يفكر جديا في المكان الأنسب للاستثمار والفرص الأفضل التي يستثمر فيها أمواله. ان كل القطاعات الاقتصادية بدبي التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بسوق الأوراق المالية تعمل كخلية نحل استعدادا لهذا اليوم الذي تعمل فيه قاعة التداول وشركة المقاصة بشكل رسمي, وبقدر ما تتفاوت الاستعدادات بين كل طرف من الأطراف بقدر ما تتفاوت الآراء حول تقديره للاجراءات المتبعة حتى الآن والضوابط المطلوبة لبداية قوية تنعش السوق وتدفعه للأمام وتمنع التلاعب والمضاربات التي تضر بالسوق. ففي حين بدأت الجهة المسؤولة عن سوق دبي المالي تدريب موظفي البنوك في خطوة جيدة لاعداد كوادر فنية على مستوى عال وتستطيع أداء دورها بفاعلية, فان مكاتب الوساطة تطالب بأن تشملها عمليات التدريب وتأخذ على الجهات المسؤولة عدم اجراء أي اتصالات بها أو توفير أي قدر من المعلومات حول الاستعدادات المطلوبة منها أو الضوابط التي ستعمل في اطارها. ولكن الشيء الوحيد الذي تتفق عليه كل الأطراف هو ان وجود سوق رسمي للأسهم أيا كانت الملابسات هو خطوة كبيرة للأمام ستحقق الانضباط المطلوب لسوق الأسهم كما ستحقق انتعاشا مؤكدا, كما أكد الجميع وبخاصة اساتذة الاقتصاد وخبراء أسواق المال على ضرورة وضع ضوابط صارمة ومحكمة لمنع حدوث هزات كما حدث في السابق ومنع المضاربات والتلاعب بالأسعار, وطالبوا بانشاء مؤسسات صانعة للسوق ومؤسسات محايدة للتقييم المالي تكون بيوت خبرة لان هذا مما لا يستغني عنه السوق. صانع السوق د. عبد الله الملا استاذ الاقتصاد ورئيس مركز الخليج للدراسات يؤكد أهمية وضرورة السوق الرسمي فهو يحقق الانضباط وبالتالي يحقق الانتعاش للسوق من خلال عمليات تداول سليمة, ويطرح عددا من المقترحات لبداية قوية وسليمة لبورصة الامارات أهمها تأسيس هيئات صانعة للسوق, ويقول ان صانعي السوق لابد ان يوجدوا في أي سوق للأسهم بالعالم, ومهمة هذه المؤسسات الصانعة للسوق ان تكون صمام أمان, وهي عبارة عن شركات أو مؤسسات ذات ملاءة مالية ضخمة تتدخل وقت الضرورة لوقف تدهور السوق, وبدون هذه المؤسسات سوف يظل سوق الامارات المالي عرضة للاهتزاز في أي وقت, فهذه المؤسسات اذا انخفض سعر سهم معين بشكل كبير تتدخل لشراء كميات كبيرة من هذا السهم حتى توقف تدهور سعره من ناحية وتعيده للارتفاع والتحسن من ناحية ثانية لأن المسألة عرض وطلب فإذا زاد الطلب على هذا السهم فسوف تعود أسعاره للارتفاع. وفي المقابل اذا ارتفع سعر سهم بشكل غير مبرر ومبالغ فيه نتيجة للمضاربات وتوجيه السوق من جانب بعض كبار المستثمرين كما يحدث عادة يتدخل صانع السوق لبيع ما يملكه من هذا السهم فيزداد العرض مقابل الطلب وتعود الأسعار الى وضعها الطبيعي, وبالتالي يتحقق الانضباط الذي نتحدث عنه. وأوضح د. عبد الله الملا انه في ظل غياب سوق رسمية ومعلومات وبيانات دقيقة وبدون المؤسسات صانعة السوق يظل الوضع غير منضبط ويظل السوق عرضة للاهتزاز في أي وقت, وأشار في الوقت نفسه الى ان جميع مقومات اقامة سوق مالي جيد بالامارات متوفرة ربما أكثر من غيرها من الدول الأخرى بالمنطقة التي سبقت الى تأسيس بورصة رسمية. بيوت الخبرة وحول الأسس الأخرى المطلوبة لدعم السوق ان تكون البورصة جيدة وتحقق الأهداف المرجوة من ورائها, طالب د. عبد الله الملا بضروة وجود بيوت خبرة لأنها من الأسس التي تعتمد عليها سوق الأسهم في أي مكان بالعالم, وقال ان هذه المؤسسات غير موجودة في سوق الامارات وتساءل كيف نستقي معلوماتنا عن السوق؟ هل من خلال مكاتب الوساطة؟ مشيرا الى ان هذه المكاتب لديها معلومات عن التداول ولكن ليس لديها معلومات عن الشركات أو قدرة على تحليل بيانات, كما ان اسعار الأسهم تختلف من مكتب الى آخر ومن ساعة إلى أخرى, بل ان بعض المكاتب تتاجر في الأسهم لحسابها, ولهذا لابد من وجود (بيوت خبرة) محايدة ولديها قدرة علمية على تحليل بيانات السوق وتحليل نتائج الشركات وتقديم التقييم الموضوعي لأي سهم وتتولى عملية تصنيف الشركات وفق أسس سليمة وبشكل محايد. ويختم بالاشارة إلى مقولة لـ (جان موليه) الذي يعد الأب الروحي للسوق الأوروبية المشتركة قال فيها: (ليس هناك شيء يمكن تحقيقه بدون أشخاص ولكن لا يكتمل شيء بدون مؤسسات) ولهذا لابد من دعم السوق المالي الرسمي عند افتتاحه بمؤسسات صانعة للسوق ومؤسسات خبرة للتقييم المالي. عدم التسرع الخبير المالي د. صقر نسيبة المدير التنفيذي لصندوق الاستثمار الأوروبي ومدير شركة تي. سي. دبليو للاستثمار بالأسهم يرى ان سوق الأسهم بالامارات ما زال في بدايته مشيرا إلى ان هناك امكانية كبيرة لقيام سوق نشط في الدولة نتيجة توفر مميزات كثيرة أهمها الحركة التجارية النشطة وكونها بوابة لمنطقة الشرق الأوسط بكاملها. وحذر د. نسيبة المستثمرين في الامارات من التعجيل في الاستثمار بالأسهم عقب الافتتاح الرسمي للبورصة لان هذا يضر بالسوق. وقال: ان السوق يحتاج إلى وقت طويل حتى يستقر في حين ان طبيعة المستثمر المحلي في الدول النامية هي التعجل والرغبة في الحصول على الربح السريع مشيرا إلى ان هذا بالضبط كان السبب الرئيسي فيما يحدث بالصيف الماضي. كما أشار إلى ان أحد أهم أسباب تذبذب الأسواق النامية هو ارتباط اقتصادياتها بعوامل خارجية الأمر الذي يجعلها عرضة للاهتزاز في أي وقت. الثقة والاستقرار د. خالد الخزرجي أستاذ الاقتصاد ووكيل كلية التجارة بجامعة الامارات يشدد دوما على ان التعجيل بانشاء البورصة الرسمية أمر مهم لضبط السوق لانه يحقق نوعا من الاستقرار واعادة الثقة. ويضع د. خالد مجموعة مهمة من الضوابط الواجب توافرها عند عمل البورصة. فلابد أن تتحمل الشركات المساهمة مسؤولياتها ولابد أن تقوم بدورها بتوعية المستثمرين وتوفير المعلومات للناس حول الشركة ونشاطها ومنتجاتها وخططها. فكثير من الناس يتصور حتى الآن ان هذه الشركات المساهمة إنما خلقت لكي تطرح للاكتتاب العام فقط وليس لها أي دور انتاجي آخر. ولهذا لابد من توعية المستثمرين. وهذا العبء لا يقع فقط على الجهات المسؤولة وإنما على كافة الأطراف بما في ذلك الشركات نفسها. كما ان المستثمر نفسه يقع عليه دور كبير في تحقيق انضباط السوق وذلك من خلال دراسة السوق واتخاذ قرار الاستثمار بناء على أسس سليمة وليس بطريقة ارتجالية عشوائية أو انسياقا وراء الشائعات. وختم د. خالد بأن اطلاق بورصة الامارات سيكون له أثر كبير في تحقيق الانضباط وان أفضل علاج للسوق هو ان يترك السوق يصلح نفسه بنفسه وتكتفي الحكومة بالتنظيم. الوسطاء ومن مكاتب الوسطاء يعرب عون المؤمن نائب مدير مركز الخليج لوساطة الأوراق المالية بدبي عن قلقه لان الصورة غير واضحة لدى الوسطاء سواء بالنسبة للضوابط التي ستحكم عملهم أو حتى بالنسبة للضوابط في عمل السوق. وقال: لقد أعطوا الأولوية للبنوك في التدريب والسؤال هو لماذا لا يتم تدريب جميع الأطراف واعطاؤهم دورات تعريفية؟ والأمر الثاني إذا كانوا سيبدأون بالبنوك كفترة محددة فإن أحدا لم يحدد لنا هذه الفترة وإلى أي مدى وهل سيتم استبعاد الوسطاء نهائيا أم ان هذه فترة مؤقتة؟ هل مكاتب الوسطاء حتى المرخصة من المصرف المركزي (ستوضع على الرف) ؟. ويضيف عون المؤمن: ان أقسام الأسهم في البنوك معها نفس الترخيص من المصرف المركزي الذي تحمله مكاتب الوساطة فلماذا هذه التفرقة إذا كان الطرفان من الناحية القانونية سواء. وطالب بالاستفادة من التجارب الأخرى في المنطقة وهي كثيرة مثل سوق الكويت, والبحرين, وعمان مع مراعاة ان الامارات لها خصوصية وهي ان التداول في سوقها يقتصر على المواطنين فقط وغير مسموح للأجانب أو المقيمين فيها بتداول الأسهم. رفع القيد ولتحقيق الانتعاش المطلوب للسوق يقترح عون المؤمن ضرورة رفع هذا الشرط الذي يقصر التعامل في البورصة على المواطنين وفتح الباب للوافدين لان هذا من وجهة نظره يزيد السيولة ويضخ أموالاً في السوق تعمل على رفع الأداء وتحقيق الانتعاش. وحول طرح الشركات للاكتتاب العام يشير عون المؤمن إلى ان المتعارف عليه بسوق الأوراق المالية في العالم كله انه لا يتم طرح شركات للتداول قبل أن تصدر ميزانيتين أو ثلاث. وأي شركة لا تنطبق عليها الشروط تطرح في السوق الموازي غير الرسمي. وأشار إلى ان معظم الشركات المتداولة في السوق حاليا ليس لها ميزانيات ولا تنطبق عليها هذه الضوابط وبالتالي يصبح على سوق دبي المالي أولا أن يختار فقط الشركات التي تتوفر عنها بيانات ومعلومات دقيقة حتى يتم طرحها للتداول. وطالب بأن تكون نسبة التداول الأكبر للأفراد. أما بالنسبة للمشروعات العملاقة مثل السعديات فيقول عون المؤمن: ان هذه مشروعات لها طبيعة خاصة حتى عند تأسيسها تختلف عن كل الشركات الموجودة بالدولة وهو كمشروع كبير وجيد ويعتبر استثمارا طويل الأمد فهو مستثنى أصلا من أي شرط. كما ان البيانات المتوفرة عنه ودراسات الجدوى عديدة ووافرة وبالتالي فإن طرحه للتداول يعد مكسبا كبيرا للسوق. أصحاب التجارب ويقول عبدالحميد منسي المحامي بمكتب لوتاه للاستشارات القانونية انه لابد من وجود أشخاص متخصصين داخل هيئة الرقابة في السوق المقترحة بحيث تكون لديهم الدراية بالمحاسبة القانونية لمعرفة الفصل في المنازعات المالية المحتملة داخل السوق المالي, فمعظم القضايا المالية داخل المحاكم على سبيل المثال - تعين خبيرا أو محاسبا قانونيا للاستعانة برأيه وخبرته في القضية موضوع النزاع. كذلك لابد من الاستعانة بخبراء من البورصات العربية أصحاب التجارب في المرحلة الأولى على الأقل لسد أية ثغرات قد تنشأ وتؤدي إلى تضاربات بشكل أو آخر. ويضيف ان وجود بنية تشريعية سليمة تحدد القواعد والضوابط من شأنها اخراج سوق مالي ناجح يحافظ على استقرار السوق من الهزات. تحقيق ـ عبد الفتاح فايد