انشغل الرأي العام في مصر خلال الشهور الماضية بمتابعة عدة قضايا هامة تفجرت, لتنثر شظاياها في الساحة الاقتصادية وخاصة بعد أن أعلن عن تورط بعض رجال الأعمال الكبار في النصب على البنوك , ورغم ان البعض يؤكد انها مجرد حالات استثنائية إلا ان آثارها كانت سلبية على عنصر الثقة الذي يحكم عمليات البيع والشراء والاقتراض في السوق, خاصة مع التزايد المستمر في عدد القضايا المتبادلة بين البنوك والعملاء. وإذا كانت البنوك مطالبة بوقفة تعيد فيها النظر في الأساليب المتبعة في أنظمة الائتمان الخاصة بها وتداركها للموقف فإن البعض سيضار بالفعل من هذه الوقفة, فما زال عنصر الثقة رغم كل ما حدث هو العامل الأساسي الذي يحكم عملية الائتمان والتزام العميل بسداد الدين, مناخ الثقة هذا من شأنه أن يمنح عمليات الائتمان بعضا من المرونة عند حصول البنك على ضمانات, فمن الضروري أن يتفاوت هذا التشدد من قرض لآخر تبعا لقيمة القرض المطلوب, فربما يضع البنك شروطا محكمة لمنح القروض الضخمة لكن الأمر يختلف مع القروض البسيطة. فلا بد من تشجيع العميل في هذه الحالة والاكتفاء بضمانات مثل جدية دراسة الجدوى والعقد الابتدائي لعملية الشراء وهناك قروض بمبالغ ضخمة - مثل القروض للاستثمار العقاري وهو استثمار طويل الأجل, ومن الممكن في حالة زيادة العرض عن الطلب أن تتراجع أسعار العقارات ويتعثر المستثمرون عن السداد ويؤدي ذلك إلى عدم توافر سيولة بالبنوك.. وبالتالي انهيار الاقتصاد القومي وهذا ما حدث بالفعل في عدد من الدول مثل انهيار أكبر بنوك فرنسا وانهيار عدد كبير من بنوك دول شرق آسيا, وأيضا انهيار الين الياباني. مما يدفعنا للتوقف برهة على الأقل لنستفيد من أخطاء الآخرين ونتجنب الأزمات الكبيرة قبل حدوثها. إن الجدل الواسع الذي يدور حول مسؤولية زيادة الديون والحلقات المفقودة في رقابة البنك المركزي على مديري الائتمان والبحث عن وسائل الأمان لضمان عمليات الاقراض وكيفية التعامل مع الأصول الخطرة هي أمور مطروحة على الساحة الآن. تحري الدقة أولا د. بهي الدين الابراشي (المحامي بالنقض) يعلق على ارتفاع عدد القضايا المصرفية المتداولة بين البنوك وعملائها بأنه نتيجة طبيعية لحالة الانكماش التي تسيطر على السوق المصري في السنوات الأخيرة, وتعسر العديد من عملاء البنوك, وعدم مقدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم, في المواعيد المحددة, لتسديد القروض البنكية التي حصلوا عليها لمشروعاتهم, وبالتالي كان النزاع القضائي. والحقيقة انه لا يمكن الادعاء بأن توسع البنوك في منح القروض الائتمانية, هو السبب في زيادة مخاطر القروض البنكية.. بل يكمن السبب الحقيقي في قصور الدراسات التي تتم قبل منح هذه القروض, والتي يجب أن تضع في اعتبارها حجم التدفقات النقدية المتوقعة للعميل في المستقبل, والتي من خلالها أيضا يمكن الحكم على مدى قدرته على الوفاء بالتزاماته. كما لا يمكن القول بأن اللجوء للقضاء, هو الحل الأمثل لهذه المشكلة, حيث توجد دائما أبعاد فنية بها, تدفع القضاة إلى اسناد الأمر إلى خبراء اقتصاديين, مما يؤدي إلى طول فترات التقاضي, وتظهر الحاجة إلى وجود قضاء متخصص للنظر في قضايا البنوك والاستثمار لتحقيق سرعة الفصل فيها. ويتفق د. محسن الخضيري خبير التسويق المصرفي مع الرأي السابق, مؤكدا ان الأصل في التعامل في القطاعات المصرفية هو عدم اللجوء إلى القضاء التي تكفل لها حقوقها في حالة تعثر أي من العملاء, ويفضل في حالة حدوث خلافات أن يتم اللجوء إلى التحقيق ثم التوفيق أو الوساطة, للحفاظ على سرية المعاملات والعملاء لان ارتفاع حجم القضايا المتداولة في المحاكم من شأنه أن يؤثر بلا شك على سلامة الجهاز المصرفي, لانه يحيد به عن نطاق عمله الأصلي كما يفضل أن تتضمن العقود الموقعة بين البنوك وعملائها بنودا تنص على احالة أي نزاع ينشأ إلى التحكيم, بشكل الزامي, لا يقبل الخلاف حوله. أما الخبير الاقتصادي ابراهيم الدسوقي أباظة, فيؤكد ان عددا كبيرا من البنوك لم يستطع استيعاب متغيرات التحول إلى النظام الاقتصادي الحر, بعد أن ظلت هذه البنوك لسنوات طويلة ماضية تعمل تحت سيطرة الدولة في ظل النظام الاشتراكي, وحدثت انحرافات وأخطاء عديدة شلت نشاط هذه البنوك, ولم يسلم كثير منها من الفساد, فحدث هذا التوسع في منح الائتمان والتهاون في الضمانات, مما أسفر عن زيادة مفرطة في الاقراض, وضياع أموال هذه القروض بسبب تعثر المشروعات حينا, أو عمليات النصب والتدليس في كثير من الأحيان, ورغم القيود الشديدة التي تضعها البنوك المركزية لم تفلح في التصدي لهذه المشكلة, خاصة ان بعض ممن يحصلون على هذه القروض لهم صلات بالنظام السياسي الحاكم, وقد لا يتخيل البعض ان هذه الفئة رغم قلة عدد أفرادها يتحكمون فيما يقرب من 40% من السيولة النقدية للبنوك الحكومية, وعندما يتعثرون في سداد القروض يحصلون على كل العون من إدارات البنوك نفسها, من خلال جدولة هذه الديون أو اسقاط جزء منها. ويضيف الدسوقي أباظة: أما الخطر الحقيقي فهو ان الديون المعدومة أصبحت من الألعاب المفضلة لبعض البنوك, عند تعثر عملائها وعدم قدرتهم على السداد, تأسيسا على ان هذا الدين يكون في معظمه فوائد مركبة, ورغم ان هذا متعارف عليه عالميا الا انه يحدث بنسبة محدودة ومقبولة, وليس بنسب كبيرة كما يحدث لدينا, بسبب سوء تصرفات البنوك, وسوء تقديرها لامكانيات عملائها, وخاصة الكبار منهم, ومن المعروف ان اجراءات تحويل أي دين إلى ديون مسألة فنية, لابد من الموافقة عليها من جانب مجالس ادارات البنوك, وتتم بشكل تقديري يحول دون الاصطدام بأجهزة الرقابة المصرفية, بالاضافة إلى عدم قدرة البنك المركزي على فرض رقابته على الشبكة المصرفية بالكامل, وهنا تتضح الحاجة إلى اعادة النظر في الكوادر المصرفية وقياداتها وأساليب الترقيات, مع منح البنوك سلطات أوسع بالنسبة لعمليات الائتمان على أسس وضوابط جديدة, منها على سبيل المثال ضمان المشروعات ودراستها بواسطة البنوك العالمية المتخصصة. ويقول عبدالغني جامع رئيس مجلس ادارة بنك مصر الدولي سابقا: ان البنوك هي محفظة القروض التي تمثل أهم الأنشطة.. ونظرا لأهمية هذا المجال فلا بد من تحري الدقة أثناء منح الائتمان والتأكد من المركز المالي وسمعة الفرد وماضيه وحاضره وسياساته المستقبلية والتأكد من التزام العميل بهذه القواعد مع أي بنك يتعامل معه, كما يجب التأكد من ان القروض تستخدم في مكانها الصحيح. ويضيف عبدالغني: من الضروري أيضا متابعة الائتمان ذاته حيث يفوق ذلك أهمية منح الائتمان وتشمل المتابعة زيارات موظفي البنك الدورية لمكان العمل حسب حجم القرض لتدارك أي خطأ قبل وقوعه والتعامل معه حتى لا تضيع أموال البنوك والتي هي في الأساس أموال المودعين ورغم كل هذا يجب أن يضع البنك نسبا مئوية للديون الرديئة وعمل مخصصات كافية لها, فالقروض وخاصة مرتفعة القيمة لابد أن تستخدم في النواحي الانتاجية وليست للمضاربة على الأسهم أو الذهب أو في تشييد الفيلات, ومن الضروري ألا تكون هناك مبالغة في ضمان سمعة الفرد.. والتأكد من تماسك المركز المالي والقدرة على السداد مع ضمان السمعة. اعتبارات شخصية ويؤكد أيضا مصطفى زكي الأمين العام السابق لغرفة القاهرة التجارية ان الاعتبارات الشخصية لأصحاب القروض خرقت قواعد وشروط منح الائتمان بل انها في بعض البنوك تجاوزت حدود سقوف الائتمان المتعارف عليها دوليا, خاصة في القروض كبيرة الحجم التي تصل إلى عدة مليارات والتي استطاع أصحاب النفوذ الحصول عليها لاعتبارات شخصية بحتة وبعيدة تماما عن جميع الأعراف والقواعد التي تحكم عمليات الاقتراض, وهو ما يهدد البنوك بالانهيار في حالة فرار وهروب العميل بهذه المليارات للخارج أو في حالة اعلان افلاسه فضلا عن ان جهاز أمناء الاستثمار داخل البنوك هو الجهاز المسؤول عن تثمين الضمانات العينية للحفاظ على حقوق البنوك, بينما يحدث العكس فهو يعمل بكفاءة عالية عندما يقوم بتسويق أراضي وعقارات العملاء بيعا وشراء بينما لا يعمل بنفس الكفاءة عند الحفاظ على حقوق البنك. وأضاف: تكمن الخطورة أيضا في تركيز القروض الكبيرة التي تمنحها البنوك بين عدد محدود من رجال الأعمال فهم المستفيدون من معظم التسهيلات الائتمانية مثل القروض المستخدمة في اقامة العقارات الفاخرة التي لا يستفيد منها سوى أثرياء المجتمع فقط فضلا عن هيمنتهم أيضا على القروض التي توجه إلى شراء الأسهم رغم تحذير البنك الدولي من خطورة استخدام أموال المودعين في المضاربة على أسعار الأسهم والعقارات والأراضي. ويحدد زكي المعايير والقواعد التي يجب أن يتبعها البنك المركزي في هذا الخصوص وهي أن تكون هناك إدارة لمراجعة مركز العملاء واعداد الدراسات اللازمة لمعرفة امكانية سداد الديون ومدى كفاءة البنك والتأكد من ان البنك يطبق المعايير الحسابية بنفسه والتأكد من المشروعات التي يستخدم العميل فيها القروض. أما محمود عبدالعزيز رئيس مجلس ادارة البنك الأهلي قال ان على البنك القيام بعمل مخصصات للديون في أولى مراحلها بتخصيص جزء من أرباحه السنوية لتغطية الديون التي تزيد أو تقل وفقا لنوع الدين من حيث كونه دينا رديئا, أو دون المستوى, ويتم اعداد هذه المخصصات للبنوك وفقا لتعليمات البنك المركزي. وأشار إلى ان البنك يقوم باعدامها من دفاتره ولكن تظل مطاردة ومتابعة العملاء في كل أنشطتهم سواء في الداخل أو الخارج لمدة خمس سنوات كما نص القانون. ويضيف محمود عبدالعزيز: لكل بنك بيان بمركزه المالي وحجم ودائعه وجملة مخصصاته وعلى هذا الأساس يقبل المستثمرون شراء البنك على حسب متانة وجودة أصول مخصصاته. قواعد صارمة ويرى د. جودة عبدالخالق أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة ان العبء الأكبر يقع على ادارات الائتمان بالبنوك في عمليات منح الاقراض, وتضع قوانين البنوك المركزية في الدول الأخرى قواعد صارمة لاختيار المسؤولين عن الائتمان في البنوك, حيث يولي البنك المركزي الأمريكي المسمى بالبنك الاحتياطي الفيدرالي أهمية قصوى في اختيار قيادات الائتمان بالبنوك الخاصة لاشرافه حيث ان له الحق في تعيين أو فصل قيادات البنوك خاصة مديري الائتمان. ويرى د. جودة ان هناك نقاط ضعف في قانون البنك المركزي المصري تتطلب التدخل السريع لتعديل النص التشريعي الخاص بها, فالبنوك مثلا تعين قيادات أولا ثم تخطر البنك المركزي المصري في مرحلة تالية. ويؤكد المهندس عبدالله محمد العصفوري رجل أعمال ورئيس الغرفة المصرية للتعبئة والتغليف ان الأسقف الائتمانية ليست هي المشكلة, ولكن الأهم هو نوع الاستثمار وكيفية تسويق المنتج ومراحل انتاجه ومدى خضوعه لمنظومة سليمة بمعنى: هل هناك احترام للمقاييس الصحيحة للانتاج بكل مراحله بدءا بالمادة الخام حتى التعبئة؟ فهذه المراحل هي التي تحدد التكلفة ونوعية المنتج. ويضيف العصفوري: على البنوك ألا تتقيد بفكرة العائد الاستثماري للمشروع عند فحص ملف العميل إذ لابد من اعطاء أولوية في منح القروض المخصصة لمشروعات تصديرية وتخفيض الفائدة في هذه الحالات, والحصول على الضمانات الكافية لتسهيل المهمة. تلاعب د. مصطفى خليل وزير الاقتصاد ورئيس وزراء مصر الأسبق أشار إلى زاوية أخرى فهو يؤكد ان هناك تلاعبا في بعض البنوك خاصة في عمليات تقدير أسعار الأراضي التي يمنح المستثمر على أساسها القرض, حيث تقدر تلك الأراضي بأسعار تفوق أسعارها الحقيقية, وبالتالي يحصل المستثمر على قرض كبير لا يتناسب مع حجم مشروعه, ويجب أن تعي البنوك توابع هذه المشكلة حتى لا يتعرض الاقتصاد القومي لأزمات كبيرة.