أثارت الاحتياطات النقدية المتراكمة لدى بعض الدول العربية مخاوف البعض من امكانية تعرضها للخطر أو تأثيرها سلبيا على الاقتصاد الوطني لهذه الدول.. حيث لجأت بعض الدول إلى تحويل جزء كبير من تلك الأموال للاستثمار في أذون خزانة أمريكية , مقابل فائدة لا تتجاوز 3%, وهو ما أثار المخاوف من امكانية تعرضها للتجميد في حالة حدوث أي خلافات سياسية, مثلما حدث مع العراق وليبيا وايران. وفي الوقت الذي يرى فيه بعض الخبراء ان وجود هذه الاحتياطات - التي بلغت حوالي 50 مليار دولار في السعودية, و20 مليار دولار في مصر - تمثل عامل أمان ووسيلة انقاذ في وقت الأزمات, الا ان فريقا آخر يعتبرها تمثل ارهاقا للاقتصاد الوطني ولا تساعد على تنميته. (البيان) استطلعت آراء الخبراء حول هذه القضية. تتمثل الاحتياطات النقدية في الأموال من العملات الأجنبية الحرة والذهب وحقوق السحب غير المشروطة وحقوق السحب الخاصة من صندوق النقد الدولي وهي تكون تحت سلطة البنوك المركزية ويمكن استخدامها عند الضرورة لتحاشي تبعات أي سياسات غير مرغوبة. هذا التعريف يطلقه الدكتور رمزي ذكي أستاذ الاقتصاد وصاحب أول دراسة في الاحتياطات النقدية وتأثيرها على اقتصاديات الدول العربية. يقول الدكتور رمزي ان الاحتياطات النقدية لأي دولة يجب ألا تتخطى احتياجات تلك الدولة من الواردات وبما يكفي مدة تتراوح ما بين ثلاثة إلى ستة شهور فقط لكونها تمثل أموالا مكتنزة وليس لها فرص استثمارية إلا في حدود ضيقة في مجال استثمارات قصيرة الأجل لمدة يوم أو عدة أيام. وأيضا في ودائع ادخارية مقابل سعر فائدة منخفض جدا. وتمثل الاحتياطات النقدية في مصر أكبر نسبة في العالم خاصة من بين الدول النامية, حيث تصل إلى حوالي 5.20 مليار دولار كلها مستثمرة في أذون الخزانة الأمريكية.. بينما نحن لا نحتاج أكثر من ستة مليارات دولار. ويجب توجيه المبالغ الباقية لتنشيط الاستثمارات الداخلية والخارجية في مصر. سلاح ذو حدين ويرى الدكتور رمزي ان زيادة الاحتياطات النقدية وتعظيم دورها هو سلاح ذو حدين يمكن عن طريقه الخروج بالدول صاحبة الاحتياطي من أزماتها والتصدي لأي عوامل يكون لها تأثير مباشر على أوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وتبرز أهمية الاحتياطات النقدية لأي دولة عندما تقع الدولة تحت حصار اقتصادي أو سياسي حيث يمكنها من خلال العملات الصعبة الموجودة لديها وكذلك الذهب أن تشتري احتياجاتها بدلا من الاستسلام, وكذلك يمكن عن طريق هذه الاحتياطات التدخل لتصحيح مسار سعر الصرف. مخاطر التجميد أما الوجه السلبي للاحتياطات - كما يراها الدكتور رمزي - فهو خروجها من البنك المركزي وتوجيهها للاستثمار لدى جهات أجنبية.. والسبب انه في حالة اثارة أي قلاقل سياسية يمكن تجميدها وبالتالي تسقط قدرة الاحتياطات على القيام بدورها الذي من أجله تم تخصيص تلك الأموال. رؤية الدكتور رمزي لا تقتصر على ذلك ولكنها تضع صندوق النقد والبنك الدوليين موضع الشك في قيادتهما لفكرة اكتناز العملات الصعبة والذهب في اطار تكوين احتياطات لتكون ضامنا للديون المتأخرة على الدول النامية بينما من الأفضل أن تستثمر تلك الأموال في مجالات يمكن عن طريقها سداد الديون بدلا من افتقاد تلك الأموال للقدرة على التدفق والتوظيف بشكل جيد ومن عائدها يمكن سداد الديون بشكل أفضل وأكرم لأن متوسط سعر الفائدة للاحتياطات النقدية المستثمرة بالخارج لا يتجاوز 3% لكونها أموالا تحت الطلب بينما متوسط سعر الفائدة للأموال المفترضة يصل إلى 12%. جبل جليد ويصف الدكتور عبدالخالق الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة تزايد الاحتياطات النقدية للدول العربية عن النسب المتعارف عليها بجبل من الجليد يعترض الاقتصاديات العربية وبالتالي يمثل عبئا على كاهله. ويوضح الدكتور جودة ان أموال الاحتياطات النقدية الموظفة في أذون خزانة في الدول النامية يتم اعادة استثمارها عن طريق تلك الدول مقابل أربعة أضعاف أسعار فائدتها الأساسية بينما الاحتياطات الفعلية لأي دولة يجب ألا تتعدى قيمة واردات ستة أشهر. ويضيف: انه في مصر نجد ان الواردات المصرية تصل إلى 11 مليار دولار سنويا بينما الاحتياطات تتجاوز 20 مليار دولار وهو ما يتطلب تقليلها إلى حوالي ستة مليارات دولار فقط. ويتفق الدكتور رمزي ذكي مع هذا الرقم ويطالب أيضا بأخذ المخاطر السياسية في الاعتبار لان المنطق يتطلب عدم وضع البيض كله في سلة واحدة وبالتالي من المفترض أن توزع تلك الاحتياطات من استثمارات قصيرة الأجل على عدد من الدول الأخرى وليس دولة واحدة. وجود الاحتياطات النقدية العربية في الخارج وبأسعار فائدة بسيطة واعادة استثمارها في الدول العربية مقابل أسعار فائدة عالية تمثل عائدا مرتفعا يحول للخارج والنتيجة هي التأثير بشكل سلبي على توازن ميزان المدفوعات وتنامي العجز في الميزان التجاري وهو ما قد يؤثر بالتبعية على أسعار الصرف السائدة للعملات الوطنية. علاقة صحية الدكتور أحمد عبدالحليم أستاذ الاقتصاد بتجارة الأزهر يقول ان الاحتياطات تمثل علامة صحية, ولكنها بعد أن تتجاوز حدا معينا يجب أن تدار إدارة رشيدة. ويفترض انها تغطي الواردات لمدة سنة دون أن تمس تلك الأموال الا لهذا الغرض, وليس ستة أشهر فقط, حيث يمثل انخفاض الاحتياطي النقدي عن عام خطرا. وما عدا ذلك يجب تحويله إلى استثمارات قصيرة الأجل مثل أذون الخزانة لكونها سريعة العائد يمكن تسييلها فورا. ومجالات الاستثمار العربية التي يمكن أن تكون منافسا لدول الغرب هي توزيع الاستثمار على أكثر من دولة وفي أصول مختصرة منها أسهم ونقد أجنبي وحتى لا تقع فيما وقعت فيه الدول الآسيوية خلال الفترة الماضية. ويشير الدكتور عبدالحليم إلى ان الدول العربية لديها أجهزة رقابية تتبع البنوك المركزية وهو ما يعطي هامشا لتأمين الأموال الممثلة في احتياطيات نقدية, حيث يتم اجراء دراسات مستمرة عليها وعلى الأوضاع السياسية المحيطة بها. الاكتناز الدكتور محمد محمود الامام وزير التخطيط الأسبق يرى ان دول الخليج العربي رغم قدراتها المالية على حفظ احتياطيات ضخمة الا انها ترفض رفع معدلات الاحتياطي النقدي الخاص بها عن الحدود المسموح بها. وعلى رأسها دولة الامارات العربية. والنموذج الواضح هو ان السعودية والكويت يتم توجيه أموال كلاهما للاستثمار طويل الأجل ومتوسط الأجل بينما يبقى للاحتياطي مبالغ محدودة.. ففي الكويت وصلت استثماراتها إلى 100 مليار دولار بينما احتياطياتها لا تتعدى أربعة مليارات. والسعودية هي الأخرى تدخل اطار الدول العربية التي لا ترى جدوى من زيادة الاحتياطيات النقدية ولذلك نجد ان هناك أعلى استفادة من أموالها سواء بالاستثمار خارجيا أو داخليا. ويرى الدكتور الامام ان الدول العربية وضعت برامج استثمارية للاستفادة من أموال النفط ومن خلال توظيفها داخل الدول العربية الشقيقة وهو ما يتضح من مشروعات استصلاح الأراضي وكذلك انشاء الصناعات الصغيرة والتي تتمكن من جذب العمالة وتوفير منتجات معظمها يعرف طريقه للتصدير. ويوضح الدكتور عبدالمطلب عبدالحميد أستاذ الاقتصاد ونائب رئيس أكاديمية السادات للعلوم الادارية, انه رغم استثمار جزء من الاحتياطي النقدي المصري في أذون خزانة أمريكية قصيرة الأجل وبفائدة لا تتجاوز 3% الا انها مضمونة من جانب الحكومة الأمريكية وتمكننا من الحصول على سيولة مع عدم وجود مخاطر عالية. أما بقية الاحتياطي فله وظائف أخرى منها استيراد السلع التموينية الضرورية والتحكم في أسعار الفائدة البنكية ومواجهة الكوارث الطبيعية التي يمكن أن تحدث وتحتاج لعملات صعبة لمعالجتها فوريا وأيضا الكوارث السياسية وبالتالي تكون كل البنوك الموجه لها الاحتياطي لا يمكن تجاهلها. 670 مليارا ويضيف د. عبدالمطلب ان كل الدول العربية لديها احتياطيات مستثمرة في الخارج تزيد عن 670 مليار دولار موزعة على دول العالم مقابل استثمارات مصرية في الخارج لا تتجاوز 5.1 مليار دولار. ويحدد الدكتور عبدالمطلب قيمة الاحتياطي النقدي السعودي بحوالي 50 مليار دولار وهو كباقي الاحتياطيات النقدية العالمية يتم استثمار جزء منه مقابل فائدة بسيطة ويتعرض أيضا لنفس المخاطر التي سبق وأن أصابت احتياطيات النقد الليبية والعراقية والايرانية. ويؤكد الدكتور عبدالمطلب ان كافة الأموال العربية سواء المكونة لاحتياطيات نقدية أو استثمارات لا يمكن سحبها من الدول المستثمرة فيها على دفعة واحدة ولكن على دفعات. كما تتعرض للانخفاض في حالة تراجع أسعار الصرف للدولار أو العملات الأجنبية الأخرى, الأمر الذي يعني تآكل في قيمة تلك الأموال وأيضا في حالة تقلبات أسعار الفائدة وأسعار الأوراق المالية. والدرس الذي يضعه أمامنا الدكتور عبدالمطلب هو ما حدث في عام 1974 عندما انخفضت قيمة الدولار بمقدار 10% وترتب عليها خسائر للدول العربية بلغت 500 مليون دولار خلال يوم واحد تحديدا في 18 يناير 74 يسبقه أزمة الانخفاضات المتلاحقة في أسعار العملات الأجنبية مقابل ارتفاع أسعار النفط في عام 1973 وكذلك ما حدث في يوم الاثنين الأسود في اكتوبر 1987 وتصاعد الخسائر إلى حوالي 100 مليار دولار, الأمر الذي دفع العديد من الدول العربية إلى اعادة النظر في حجم استثماراتها الخارجية. احتياطي الأزمات ويرى الدكتور حمدي عبدالعظيم رئيس مركز البحوث والدراسات بأكاديمية العلوم الادارية ان أي عمليات تتم للسحب من الاحتياطي النقدي الخاص بالدول العربية تمثل خطرا لان المتعارف عليه عالميا باسم احتياطي الأزمات ويتم اللجوء إليه في أوقات الضرورة القصوى مثل الحروب أو استيراد سلع له أهمية استراتيجية. ويشير إلى ما حدث في أزمة دول جنوب شرق آسيا وتدهور اقتصاديات تلك الدول إلى انه كان نتيجة اندفاع تلك الدول على السحب من احتياطياتها النقدية لسداد قروض وبالتالي لم يكن هناك ما يكفي لمعالجة أزمة انهيار عملتها أمام كل الاستثمارات الأجنبية بالبورصات الخاصة بها كما لم تجد تلك الدول ما يكفي لاستيراد احتياطياتها الضرورية. ويؤكد الدكتور حمدي عبدالعظيم ان معالجة مشكلة تزايد الاحتياطيات النقدية العربية لن يكون إلا باعادتها إلى البنوك المركزية وتحديد نسبة ضئيلة منها للاستثمار في العمليات ذات الدوران السريع بالدول الأجنبية على ألا تتجاوز النسبة 15%. ويبرر د. عبدالعظيم رؤيته بأن ذلك يمثل ضمانا لاستمرار تدفق عوائد من النسبة المستثمرة وضمان قدرة الدول العربية على استغلال أموالها من الاحتياطيات النقدية وقت الحاجة. القاهرة ـ مكتب البيان