لا يزال أداء أسواق الأسهم الخليجية يفتقد إلى البوصلة الواضحة في مساراته حيث يفاجئنا دوما بتحركاته غير المستندة إلى أساسيات واضحة مما يذكرنا مجددا بالصعوبات والاختلالات التي تعاني منها هذه الأسواق بصورة متفاوتة والتي يرتبط أغلبها بعوامل اقتصادية عامة خارجة عن اطار سيطرة هذه الأسواق نفسها. وتتمثل هذه الصعوبات في ضآلة عدد الشركات المساهمة ومحدودية الأوراق المالية المعروضة القابلة للتداول والتي تقتصر على الأسهم فقط. كذلك تركز تداول الأوراق المالية في أيدي عدد محدود من المستثمرين مما يعرض التداول إلى ممارسات وتقلبات غير موضوعية. كما ان تلك الأسواق بحاجة بصورة أكبر إلى وجود مؤسسات متخصصة تدعم وتعزز من دورها الاقتصادي كالوسطاء الماليين وصانعي السوق وشركات وبنوك الاستثمار التي تقوم باعداد الدراسات المالية اللازمة وتقديم الخدمات الاستشارية للمتعاملين في الأسواق المالية. اضافة إلى ذلك هناك حاجة إلى استكمال التشريعات والقوانين التي تحمي المستثمرين والمتعاملين في السوق وبما يؤكد الثقة بها ويقلل من مخاطر الاستثمار فيها. إن تجاوز هذه الصعوبات والعقبات يستدعي ضرورة مواصلة الجهود المتواصلة التي تبذلها أسواق الأسهم الخليجية حاليا من أجل تحسين شروط تشغيلها من حيث أنظمة المتاجرة والمعلومات المتوفرة للمتعاملين والرقابة على التحركات السعرية والتداول الداخلي وسرعة تخليص التعاملات وقواعد الافصاح المالي وقوانين حماية المستثمرين فيها. أما على مستوى الاقتصاد الكلي فإن المطلوب اعادة النظر في مفهوم ودور السوق بحيث يتم ربطها بأهداف أكثر عملية ووضوح وقابلية للتنفيذ بعيدا عن الشعارات المجردة. كما انه في في ضوء الحاجة إلى ربط توجهات السوق بتوجهات التنمية ككل تبرز أهمية دراسة جدوى انشاء هيئة مستقلة برأسمال مشترك - عام وخاص - تكون لديها الصلاحيات في تحقيق التنسيق والتعاون المطلوب بين السوق وبقية قطاعات الاقتصاد مستهدفين بذلك بدرجة أساسية تنمية سوق الاصدارات الأولية وبالتالي تشجيع الاستثمار الوطني. إن الحديث العام والمجرد عن دور أسواق المال بدول المنطقة في حشد المدخرات وفي تحويل هذه المدخرات إلى استثمارات منتجة, وكذلك دورها في تنفيذ برامج التخصيص وفي تسهيل عمليات الرقابة المالية والنقدية, وفي خلق بيئة أكثر عدالة لتوزيع الثروة وغيرها من الأهداف العامة, نقول ان هذا الحديث ظل وللأسف مجرد حديث دون أن يجد طريقه للتنفيذ بصورة عملية. لذلك فانه من الضروري أن يتم النظر بصورة عميقة في كل من هذه الأهداف وايجاد آلية عملية لربطها وبصورة ما بالنشاط الذي تؤديه أسواق المال, وبالتالي خلق تفاعل ايجابي بين الاثنين. ولعل التجارب الآسيوية الناجحة في تنمية دور أسواقها المالية قد اعتمدت بصورة رئيسية على ربط هذا الدور بشكل عملي باحتياجاتها التنموية في كل مرحلة من المراحل. فعلى سبيل المثال, وفي الوقت الذي يجري فيه الحديث في بعض البلدان الخليجية عن فتح أسواقها المالية عالميا لترجمة المكانة المالية لهذه الأسواق, فان فتح الأسواق الآسيوية عالميا قد ارتبط بخطوات أكبر لجذب الاستثمارات الأجنبية مع وجود الحوافز لتوجيهها نحو مشروعات معينة. ان احدى الوسائل الملائمة لتفعيل الدور الاقتصادي والتنموي لاسواق المال هو من خلال ـ كما ذكرنا ـ تشكيل هيئات اسواق المال لتقوم بدورها الرقابي على نشاط البورصات في بلدانها, وكذلك لتشجيع نشاط الأسواق الأولية التي يتم من خلالها تأسيس الشركات الجديدة. بالاضافة إلى دورها في ربط وتنسيق نشاط هذه البورصات بتوجهات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في بلدانها.