حصلت (البيان) على وثيقة لم تنشر من قبل حول ودائع الرئيس الاندونيسي الأسبق أحمد سوكارنو في البنوك السويسرية. مما يؤكد ان الاستيلاء على ثروات اندونيسيا لم يكن مقتصرا على أسرة الرئيس السابق سوهارتو . وتفيد شهادة ضمان صادرة عن بنك الاتحاد السويسري بأن الرئيس سوكارنو أودع باسمه وباسم زوجته 620 كيلو جراما من سبائك الذهب الخالص في البنك المذكور بتاريخ السادس من اكتوبر 1962. وبقيت تلك الوديعة الضخمة في حساب الرئيس الراحل لترثها عائلته فيما بعد ولا يوجد ما يشير إلى سحب الوديعة من بنك الاتحاد السويسري والبالغة قيمتها مع احتساب الفائدة منذ 36 عاما نحو ثلاثة مليارات دولار أمريكي. وتشرف الابنة الكبرى للرئيس الأسبق ميجاواتي سوكارنو على ثروة أبيها الراحل ويشاركها ثلاثة اخوه وشقيقتان. وتلتزم ميجاواتي التي رشحت نفسها لرئاسة اندونيسيا الصمت ازاء ماضي والدها الراحل ولا تحبذ المواجهة مع سوهارتو وعائلته رغم العداء الشديد بينهما. وفي الوقت الذي يسعى فيه الرئيس يوسف حبيبي لاغلاق ملف قضية الفساد والاثراء غير المشروع للرئيس سوهارتو وعائلته يعيش هو أيضا فضيحة مصرفية ومالية مدوية قد تقضي على مستقبله السياسي. ويبدو ان هذا هو قدر اندونيسيا لتظل تعيش تحت الاستغلال والفساد السياسي ما لم يعرف عنه. ثروة عائلة (سوكارنو) : يدور الصراع السياسي في اندونيسيا حاليا حول ثروة عائلة سوهارتو وفضيحة حزب جولكار الحاكم في البلاد, الا ان الناس في اندونيسيا قد نسوا الثروة التي حققها الرئيس سوكارنو في الماضي. وتشير أحد الوثائق التي حصلنا عليها من مصادر خاصة ان الرئيس سوكارنو أودع باسمه وباسم زوجته 620 كيلو جراما من سبائك الذهب الخالص في بنك الاتحاد السويسري وذلك بتاريخ السادس من اكتوبر 1962 وتقدر هذه الوديعة بحوالي ثلاثة مليارات دولار مع احتساب الفوائد المتراكمة عليها منذ العام ,1962 وتفيد شهادة ضمانة من بنك الاتحاد السويسري في زيوريخ بأن الرئيس سوكارنو أودع الـ620 كيلو من الذهب حينما كان على قمة السلطة في اندونيسيا وتم استثمار هذه الوديعة لحسابه عن طريق بنك الاتحاد السويسري, ولا تزال هذه الوديعة في بنوك سويسرا, إذ لم تشر شهادة الضمان الصادرة من بنك الاتحاد السويسري حول مدة الاستثمار, وبالتالي فإن هذه الوديعة ترجع ملكيتها من الناحية القانونية إلى السيدة ميجاواتي سوكارنو الابنة الكبرى للرئيس الأسبق وأفراد العائلة. وهذه هي المرة الأولى منذ رحيل سوكارنو وتركه للرئاسة في انقلاب عسكري قاده الرئيس سوهارتو قبل أكثر من 27 عاما تتكشف معلومات رسمية موثقة حول ثروة عائلة سوكارنو في بنك سويسري واحد, ولا أحد يدري عما إذا كانت هناك حسابات أو ودائع سرية له في بنوك أو مؤسسات مالية أخرى. لذلك فإن المستقبل السياسي للسيدة ميجاواتي سيظل محاطا بالشكوك لانها تتربع على عرش ثروة مالية هائلة بعيدة عن أعين مؤيديها وربما معارضيها. فهذه السيدة التي تربت في مدرسة والدها سوكارنو ظهرت على الساحة السياسية الاندونيسية عام 1993 حينما تم انتخابها لرئاسة حزب الكفاح الديمقراطي, الا ان الرئيس سوهارتو لم يكن مرتاحا لهذه الانتخابات فعزلها بقرار حكومي كبد الحكومة المزيد من الدماء والتوتر الأمر الذي خلق منها شخصية وطنية بارزة على المسرح السياسي, وبعد رحيل سوهارتو عن السلطة عام 1998 عادت ميجاواتي بقوة لتتزعم حزب الكفاح الديمقراطي وهو أحد الاحزاب الرئيسية الثلاثة في اندونيسيا ولتعلن استعدادها لخوض معركة الرئاسة الاندونيسية. والسؤول المطروح الآن من سيكون الرئيس المقبل لاندونيسيا, حبيبي, ميجاواتي أم عبدالرحمن واحد؟! ثروة (سوهارتو) وأسرته: تقدر اجمالي الثروة التي استولى عليها الرئيس الاندونيسي السابق سوهارتو وأفراد أسرته بحوالي 33 مليار دولار أمريكي, وحسب هيئة اعادة هيكلة البنوك الاندونيسية (ايبرا) فإن أسرة سوهارتو وعددا من شركائهم من اثرياء اندونيسيا قاموا بتهريب أكثر من 100 مليار دولار خارج البلاد بعد ابعاد سوهارتو عن السلطة في جاكرتا في مايو 1998. ورغم عدم توفر دلائل مؤكدة بشأن ثروات أسرة سوهارتو وأبنائه الستة الا ان مؤسسة (ايبرا) استولت خلال عام واحد فقط على أصول أسرة سوهارتو بقيمة 13 مليار دولار أمريكي ومنها فنادق بقيمة 100 مليون دولار و60% من قيمة مصنع (شاندرا) و40% من مؤسسة تويوتا للسيارات في اندونيسيا و20% من بنك آسيا الوسطى وبرج جاكرتا ومصنع لتجميع السيارات في غرب جزيرة (جاوا). ويبدو ان هناك صفقة بين الحكومة الاندونيسية وأسرة سوهارتو لاسترداد هذه الأصول مقابل تجميد التحقيقات بتهمة الاختلاس والاثراء غير المشروع. وجاءت هذه الصفقة بفضل العلاقة الابوية الوثيقة التي تربط بين الرئيسين الحالي يوسف حبيبي والسابق سوهارتو فالحكومة الاندونيسية بحاجة الى استرداد جزء من الأموال المنهوبة والمحولة إلى الخارج لانقاذ الروبية والاقتصاد الوطني المتهالك وسد العجز وتخفيف عبء الديون البالغة 200 مليار دولار أمريكي وفوائدها المتراكمة لانقاذ ما يمكن انقاذه. هذه الحاجة الملحة دفعت بأسرة سوهارتو للموافقة على كل ما طلبته هيئة (ايبرا) التي تم تشكيلها بقرار من حبيبي للتدقيق في أصول البنوك المنهوبة والتعرف على أصول الشركات المملوكة لأسرة سوهارتو. لذلك ليس غريبا أن يصرح وزير العدل الاندونيسي السيد مولادي يوم 19 أغسطس 1999 في جاكرتا بأن التحقيقات بشأن فساد الرئيس السابق سوهارتو وأسرته وثروته المزعومة قد تتوقف لعدم كفاية الأدلة وقال: (يجب ان تحترم حقوق الانسانية وكذلك مبدأ افتراض ان المتهم بريء حتى تثبت ادانته. ممتلكات أبناء (سوهارتو) أوردت مجلة (بيزنس ويك) في عددها الصادر في مطلع أغسطس 1999 تقريرا حول ثروة أبناء سوهارتو وهم هوتومو ماندالا بوترا: ويمتلك 90 شركة تحت لواء مجموعة (هومبوس) التي تعمل في قطاع النفط والغاز. ـ بيامانج تريهايمودجو: ويمتلك 38% من شركة بيمانتارا القابضة ولها 27 شركة فرعية تعمل في البتروكيماويات والاتصالات والفنادق. ـ سيتي هاردياتي روكمانا: تمتلك 90 شركة متخصصة في مجالات الطاقة والطرق كما تمتلك 15% من بنك آسيا الوسطى أكبر بنك خاص في اندونيسيا. وتقول المجلة ان أبناء سوهارتو يديرون امبراطورية تجارية بقيمة 4 مليارات دولار أمريكية داخل وخارج اندونيسيا, ونجحوا في تكوين هذه الامبراطورية خلال تولي والدهم سوهارتو رئاسة اندونيسيا لمدة 27 عاما حصلوا خلالها على العديد من الامتيازات والتراخيص ومشاركة المستثمرين الناجحين في الشركات متعددة الجنسية وبعد الاطاحة بسوهارتو نجح أبناؤه في تحويل شركاتهم الى مؤسسات خاسرة على الورق فقط لانهم قاموا بتهريب أموالهم الى سنغافورة وسويسرا وغيرها من الدول, ويتوقع الخبراء ان تعود هذه الأموال بطرق شرعية أخرى عبر شراء أصول شركات رابحة في اندونيسيا مرة أخرى عن طريق شركاء محليين ومستثمرين أجانب, وبهذه الطريقة يفلت أبناء سوهارتو من الملاحقة القضائية لان (بوترا) الابن الأكبر للرئيس سوهارتو قدم كشفا رسمياً الى الحكومة بديونه البالغة 1.4 مليار دولار والابنة الكبرى لسوهارتو سيتي هاردياتني روكمانا قدمت تقريرا بديونها البالغة 435 مليون دولار والابن الثاني لسوهارتو تريها يمودجو قدم تقريرا بديونه البالغة 521 مليون دولار. وبموجب هذه التقارير التي لم يتأكد أحد من صحتها بقي أبناء سوهارتو يمارسون أعمالهم الخاصة دون مساس واكتفت الدولة بعزلهم من مناصبهم الوزارية والبرلمانية. أما الرئيس سوهارتو الذي قالت مجلة (التايم) الأمريكية انه كون ثروة تقدر بـ 27 مليار دولار خلال فترة حكمه فانه يعيش في هدوء في منزله بجاكرتا والحكومة صامتة وربما تبحث له عن طريق لتجميد قضية الاثراء غير المشروع بعد تهدئة خواطر الشعب الجائع والمعارضة الهائجة نحو السلطة. الرئيس حبيبي وفضيحة (بالي بنك) لم يسلم الرئيس يوسف حبيبي من فضائح الاثراء غير المشروع في اندونيسيا ويبدو ان منصب الرئاسة في تلك الدولة الاسلامية يفوض من يعتليه التحكم في ثروات الدولة وشعبها. ففي يوم 14/8/1999 هدد مجلس النواب الأندونيسي بحجب الثقة عن حكومة الرئيس حبيبي اذا لم تتعامل بحزم مع فضيحة بنك بالي التي عرفت باسم (بالي جيت) والتي أهدر فيها مبلغ 70 مليون دولار أمريكي. وتصاعدت المطالبة بإقالة كبار مسؤولي الحكومة الضالعين في فضيحة (بنك بالي) خاصة بعد تأكيد هيئة اعادة هيكلة البنوك (ايبرا) ان بنك بالي قام بتمويل مبلغ 546 مليار روبية (60 مليون دولار أمريكي) لحساب شركة يملكها نائب أمين صندوق حزب (الجولكار) وهو الحزب الحاكم الآن في اندونيسيا وهذا المبلغ هو عبارة عن عمولة مقابل مساعدة البنك في استرداد مبلغ 946 مليار روبية ديونا على عدد من البنوك التي أغلقتها الحكومة وتتولى هيئة (ايبرا) أمرها في الوقت الراهن. وكان الجدل بشأن تحويل هذا المبلغ قد تفجر بعد الاشتباه في ان الفريق الخاص المكلف بالحملة الانتخابية للرئيس حبيبي لفترة رئاسية جديدة قد حصل على جانب كبير من هذه الأموال, وتشير أصابع الاتهام ايضا في هذه الفضيحة الى أعضاء الدائرة المحيطة بالرئيس حبيبي. ويرى خبراء الاقتصاد الاندونيسي ان هذه الفضيحة أثرت سلبا على التعاملات في البورصة كما ان تقاعس الحكومة في التحقيق في هذه الفضيحة ادى الى ضياع فرص لتحسين (العملة الوطنية لاندونيسيا) . واستفادت المعارضة من هذه الفضيحة لترفع من شعبيتها في البلاد حيث أعلن حزب الكفاح الديمقراطي الذي تتزعمه المنافسة الرئيسية على منصب الرئاسة في اندونيسيا ميجاواتي سوكارنو يوم 19/8/1999 عن امتلاكه لأدلة على تورط مسؤولين حكوميين ورجال أعمال كبار من بينهم شقيق الرئيس الحالي يوسف حبيبي في الفضيحة وجاء في اعلان حزب ميجاواتي انه تم التوصل الى أدلة قوية على تورط أربعة في مناصب وزارية وثلاثة مسؤولين كبار واثنين من المسؤولين بحزب (جولكار) الحاكم وخمسة من رجال الأعمال في فضيحة (بنك بالي) ولذلك فان البرلمان الاندونيسي قرر بدء تحقيق رسمي في هذه الفضيحة اعتبارا من يوم الخميس الموافق 19/8/1999 الأمر الذي يلقي بظلال من الشك حول فرص اعادة ترشيح الرئيس حبيبي للرئاسة في نوفمبر المقبل ويهدد الجهود الرامية لاصلاح الاقتصاد الاندونيسي المتهالك. معركة الرئاسة على الأبواب الرئيس الحالي حبيبي يحظى بدعم حزب (الجولكار) الحاكم وميجاواتي سوكارنو هي مرشحة الحزب الديمقراطي الفائز الأول في الانتخابات التشريعية الأخيرة, أما مرشح الوسط عبد الرحمن واحد فقد يؤيده عدد من الأحزاب الاسلامية الأعضاء في المحور الجديد. غير ان اختيار الرئيس الرابع لاندونيسيا منذ الاستقلال يتوقف على مجلس الشورى (البرلمان) المكون من 700 عضو, ويعتقد بعض المراقبين ان المؤسسة العسكرية القوية في اندونيسيا سوف تدعم ميجاواتي التي حصل حزبها على 33.7% من الأصوات في الانتخابات الأخيرة وهو ما يتيح له 154 من مقاعد مجلس النواب, ويأمل الحزب الديمقراطي ايضا في ان يدعم حزب نهضة الشعب الذي أسسه عبد الرحمن واحد والذي حصل على 12.6% من الأصوات (حوالي 51 مقعدا) وهناك عدد من الأحزاب القومية وغير الاسلامية الصغيرة التي يمكن أن تؤيد ترشيح ميجاواتي للرئاسة في مقدمتها حزب العدالة والاتحاد ستة مقاعد وحزب الديمقراطية 3 مقاعد وحزب الوحدة ثلاثة مقاعد, غير انه في حالة سحب عبد الرحمن واحد تأييده لميجاواتي اذا كان جادا هذه المرة في الترشيح للرئاسة فقد تواجه ميجاواتي صعوبات في مجلس الشورى خاصة وان الأحزاب الاسلامية أعلنت رفضها لرئاسة ميجاواتي لاندونيسيا بسبب جذورها الهندوسية من ناحية جدتها لأبيها والتي كانت أميرة هندوسية تعيش في مملكة صغيرة شمال جزيرة (بالي) الاندونيسية وتبدو الولايات المتحدة الامريكية أكثر الدول اهتماما بالوضع الراهن في اندونيسيا, فهي التي اقنعت الرئيس حبيبي باصدار مرسوم رئاسي رسمي يوم 4/8/1999 يؤكد نتائج الانتخابات البرلمانية التي جرت في يوم 7/6/1999 ليمهد السبيل لاجراء انتخابات رئاسية في نوفمبر المقبل, وترى واشنطن انه من الاهمية بمكان ان يتم تشكيل الحكومة الجديدة وانعقاد مجلس الشورى لاختيار الرئيس الجديد لاندونيسيا في أقرب وقت ممكن للمساعدة في تقليص الآثار المترتبة على القلاقل المستمرة في البلاد وتعزيز فرص تحقيق الانتعاش الاقتصادي بسرعة. ويتردد في الدوائر الدبلوماسية والسياسية بواشنطن ان الادارة الأمريكية تدعم ميجاواتي في معركة الانتخابات بفضل شعبيتها ونظرا لزواجها من رجل أعمال حاصل على الجنسية الأمريكية, أما الرئيس الحالي يوسف حبيبي فانه يبدو الأقل حظا لدى واشنطن بسبب ضعفه في معالجة التوتر الداخلي. وعدم قدرته في استقطاب الجماهير التي تعتبره امتداداً لسوهارتو بل وصنيعته, والمرشح الاسلامي عبد الرحمن واحد هو مجرد ورقة انتخابية فقط ولايبدو ان الادارة الامريكية تحبذ وصول زعيم اسلامي الى سدة الحكم في أكبر بلد اسلامي في العالم, وتميل الى دعم القيادات السياسية العلمانية المؤثرة. كتب د. جمال المجايدة