أفلتت منطقة الشرق الأوسط والدول العربية خصوصا من أسوأ أعراض الأزمة التي أصابت آسيا وروسيا والبرازيل, إلا أن التقلبات المالية العالمية كان من الطبيعي أن تلقي بظلالها على الأداء الاقتصادي العربي , خاصة وأن أسعار النفط كانت قد دخلت بموازاة ذلك دورة من الانخفاض الشديد. ماورو ميكاني الممثل المقيم لصندوق النقد الدولي بمصر يقدم تحليلا لهذا الأداء من خلال مقارنته مع أداء الاقتصادات الأخرى النامية والمتقدمة. وهو لا يبدو راضيا عما تحقق, خصوصا وأن نتيجة المقارنات التي يقوم بها لا تصب بالمرة في صالح الاقتصاد العربي. لذا, فإنه يقترح بعضا مما يلزم عمله لتصحيح الأوضاع وإعطاء دفعة لقاطرة النمو بالاقتصادات العربية حتى تستقيم الأمور ولو جزئيا. تشير حقائق ودلائل عدة إلى أن التباطؤ في النمو بالمنطقة العربية سبق ما حدث في آسيا وغيرها. ولذلك, فإن الدخل الفعلي للفرد اليوم يقل بنحو 5% عنه في العام 1980. ويتضح سجل النمو غير المرضي بالمرة تماما عند مقارنة الوضع بما حدث في مناطق أخرى بالعالم. فبينما شهدت الدول العربية بعض التقلص في دخل الفرد بها, فإن الدول النامية شهدت ارتفاعا مقداره 64%, وارتفعت النسبة إلى 100% في الدول سريعة النمو بشرقي آسيا حتى بعد حساب تأثيرات الأزمة الأخيرة. لكن ذلك يخفي حقيقة مهمة, وهي أن الأداء الاقتصادي شهد اختلافا كبيرا, فبعض الدول العربية مثل مصر ولبنان وقطر أدت أداء جيدا نسبيا خلال السنوات الأخيرة, بينما دول أخرى مثل الكويت والمملكة العربية السعودية لم تكن في أحسن حالاتها. ويتفق غالبية الخبراء على أن البيئة الخارجية المحيطة بالدول العربية لا يحتمل لها أن توفر حافزا للنمو. فارتفاع معدلات البطالة في الدول الأوروبية وعدم استقرار الأوضاع في الدول المصدرة للنفط يحد من التدفق الخارجي للعمالة من الدول العربية غير المصدرة للنفط. كذلك, فإن فرص حصول هذه الدول على مساعدات ثنائية تبدو غير مؤكدة خاصة وأن الدول المانحة تواجه بعض المشكلات التي تفرض ضغوطا على ميزانياتها. وهكذا, فإن محاولة الدول العربية الحفاظ على معدلات عالية للنمو تمثل تحديا كبيرا, ولاسيما أن هذه الدول لاتزال تشهد معدلات مرتفعة للنمو السكاني. وحسبما يقول البنك الدولي, فإن إجمالي الناتج المحلي بالمنطقة يحتاج إلى معدل نمو يتجاوز 5% سنويا خلال العقد المقبل إذا ما أرادت الدول العربية ضمان تحقيق نمو في الدخل الفردي وتوفير فرص العمل اللازمة, وتقديم الخدمات الاجتماعية الضرورية. ولعل من أكثر ما يعكس ضعف أداء النمو في الدول العربية الأداء الفقير للاستثمار منذ منتصف الثمانينات. فبعد أن شهد نموا حادا في السبعينات ووصل إلى ذروته في بداية الثمانينات (30% من إجمالي الناتج المحلي), أخذ إجمالي تشكيل رأس المال الثابت يدور حول 20% في التسعينات, وهي نسبة تقل عن المتوسط الحالي بالدول النامية إجمالا والبالغ نحو 26%. ولا يقتصر الأمر على تواضع مستوى الاستثمار في الدول العربية عند قياسه بالمستويات الدولية, بل إن كفاءته أيضا, عند قياسها من خلال المعدل التراكمي للناتج على رأس المال, تبدو هي الأخرى منخفضة نسبيا. وفي أحيان كثيرة كانت الاستثمارات تتم على أساس إشارات ودلائل خاطئة. وكان هناك تشوه كبير (أسعار مدعومة, تكلفة منخفضة للطاقة) ما أدى عند ظهور تأثيراتها إلى السطح إلى خفض كفاءة الاستثمار. وتمويل الاستثمار يأتي من المدخرات, داخلية كانت أم خارجية. وتاريخيا شكلت المدخرات الداخلية المصدر الأول لتمويل الاستثمار, ويمكن لدولة مثلا أن تجتذب مدخرات أو مصادر أجنبية تكافئ ضعف أو حتى ثلاثة أمثال إجمالي الناتج المحلي لديها على أساس متواصل, لكن تجاوز ذلك يمكن أن يتسبب في تراكم دين خارجي يمكن لخدمته أن تهدم الرخاء الاقتصادي المستقبلي. وتشير الأرقام إلى أن المدخرات المحلية في الدول العربية كانت أقل منها في آسيا وفي الدول النامية عموما, وإن كان الأداء على هذا الصعيد تباين من دولة لأخرى. فإن نظرة عامة على أنماط الادخار توضح أن منافذ حشد الادخار الخاص محدودة, خاصة في ظل جوانب الخلل الشديدة في الأسواق المالية. كذلك, هناك ارتفاع معدلات التضخم ومعدلات الفائدة الفعلية السالبة وأسعار الصرف المبالغ في قيمتها, وحوافز كبيرة تدفع الأفراد إلى الإفراط في الاستهلاك في عدد من الدول العربية. فضلا عن ذلك, فإن العجوزات المالية السائدة تؤدي إلى ضعف الادخار العام, وهو ما يدفع إجمالي المدخرات في النهاية إلى الانخفاض الشديد. وتظهر النظريات الاقتصادية والتجارب المعملية المختلفة أن التحسن المستدام في أداء الاستثمار والادخار يعتمد على عدد من العوامل, أبرزها: ـ المحافظة على استقرار الظروف الاقتصادية الكلية. ـ تحفيز الاستثمار الخاص الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بزيادة الناتج الإجمالي لرأس المال. ـ تقوية دعائم البيئة المؤسساتية, وخاصة حكم القانون ونشر المعلومات. ـ الاسراع بالإصلاحات الهيكلية, وخاصة في مجالات التجارة والنظام المالي وسوق العمالة. وإلى جانب مراكمة الموارد والمصادر, ترتبط عملية النمو بالمكاسب التي يتم تحقيقها في الإنتاجية. ويمثل الانفتاح التجاري بصفة خاصة أحد المحددات المهمة, هذا علاوة على أن تحرير التجارة يشكل مكونا لا غنى عنه في أية حزمة إصلاحية ناجحة, حيث إنها توصل إلى تحقيق الكفاءة في الأداء من خلال زيادة حدة المنافسة. ولا تكفي عملية تحرير التجارة وحدها, إذ لابد لهذه العملية حتى تثبت كفاءتها من أن تلازمها مجموعة من الإصلاحات الأخرى. إن منطقة الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا تتخلف عن المناطق الأخرى في المشاركة في الاقتصاد العالمي. وهذا يعكس جزئيا القيود التجارية الشديدة بالمنطقة. وبينما نجد معدلات الجمارك تنخفض في دول مجلس التعاون إلى نحو 5%, كما هي الحال في دولة الإمارات ودولة البحرين, فإن هذه المعدلات تميل في غالبية دول المنطقة الأخرى إلى الارتفاع الشديد, حيث تبلغ في هذه الدول في بعض الأحيان ضعف المتوسط العالمي ولا تقتصر القيود على الرسوم والتعرفات, إذ تمتد لتشمل عناصر مختلفة ومتعددة, لذلك, فإن المنطقة إجمالا تعاني من مستوى مرتفع من (تقييد) التجارة, وهي صفة تستخدم لتصنيف مدى تعقيد النظم التجارية بدول العالم. ويرتبط ذلك إلى حد كبير بإرث من السياسات ذات التوجه الداخلي التي حرصت دول المنطقة على التزامها خلال الستينات والسبعينات, وهما العقدان اللذان شهدا تكريسا لاستراتيجيات تنموية تستهدف تقليص الاستيراد ومحاولة تحقيق الاكتفاء الذاتي, ما تطلب فرض قيود شديدة على التجارة. إن أحد العناصر الضرورية للنمو في المنطقة يتمثل في تبني إجراءات إصلاحية شاملة تساند استراتيجية ذات توجه خارجي. والمشكلة أن أكثر من نصف دول المنطقة تستقي الجزء الغالب من إجمالي الناتج المحلي لديها من قطاعات تقوم على الموارد الطبيعية, تعتمد في النهاية على أسعار متقلبة للنفط. وحتى يمكن تحفيز النمو والوفاء بالاحتياجات المستقبلية من الواردات, وخاصة الغذائية, يجب عدم الركون إلى النفط وحده على المدى الطويل. وهكذا, فإن التحدي الماثل هو كيفية تطوير صادرات غير نفطية. فمستوى الانفتاح في اقتصادات المنطقة محدود إلى حد كبير عند المقارنة مع اقتصادات المناطق الأخرى, كذلك فإن الصادرات الصناعية التي تمثل المصدر الأهم لتحقيق المكاسب في الإنتاجية تنمو بمعدلات تقل عنها في المناطق الأخرى باستثناء الدول الواقعة تحت الصحراء الكبرى الأفريقية. وتكمن الفرص الأكبر للنمو في المجالات التي تتمتع فيها دول المنطقة بميزة نسبية, مثل أنواع الوقود المكرر, والكيماويات. وتتطلب استراتيجية النمو المرجوة ذات التوجه الخارجي للقطاع الخاص أكثر من مجرد الانفتاح التجاري وتنويع الصادرات. فهناك حاجة إلى إصلاحات تكميلية. ويشمل ذلك على وجه التحديد وجود قنوات مالية وسيطة صحية وديناميكية, وأسواق مالية أكثر عمقا.