تعيش الأسرة الملكية الألمانية (السابقة) عصرها الذهبي في بافاريا لنجاحها في استعادة حصون وقصور الملك الراحل لودفيج الأول ونجله الملك لودفيج الثاني . وتتركز القصور والقلاع الملكية التي يشرف عليها الدوق فرانس عميد الأسرة الملكية البافارية في ميونيخ ومدينة (هوهن شوانجون) وسط جبال الألب. وتقدر قيمة هذه القصور والقلاع التي يقطنها أفراد الأسرة الملكية أو يديرونها للأغراض السياحية والاستثمارية بأكثر من 100 مليار مارك ألماني. ويقول أحد خبراء الاستثمار ويعمل لدى الدوق فرانس ان قلاع الملك لودفيج الأول والملك لودفيج الثاني لا تقدر بثمن, بل إنها ثروة أسطورية خالدة, إلا ان عوائدها السياحية تدر أموالا هائلة على الأسرة الملكية, وتزيد العائدات المالية الناجمة عن فتح حصن (هوهن شوانجون) (نويشف نشتاين) أمام الزوار على 120 مليون مارك سنويا, فيما تقدر عائدات حدائق القصر الملكي (نمفنبورج) والقلعة التابعة له والمطاعم السياحية المحيطة بها بحوالي 150 مليون مارك سنويا. ويقول أحد موظفي الدوق فرانس وهو ابن عم ملك بافاريا السابق ان هذه العائدات الضخمة يتم توظيفها في مشروعات سياحية وصناعية في المقاطعة الألمانية الشهيرة, وتدفع الأسرة الملكية ضرائب للحكومة بانتظام ودون تأخير تتراوح نسبتها ما بين 30-40% تقريبا. ولم يذكر ان أحدا من أفراد الأسرة البافارية المالكة قد تهرب من الضرائب مثلما يحدث في بعض الملكيات الدستورية في أوروبا. وتحتفي بافاريا حتى الآن بالملكية التي أسقطت من الحكم قبل سبعة عقود, فقد حرص منظمو مؤتمر السفر الدولي (M.D.M) الذي عقد في ميونيخ مؤخرا على اقامة أمسية مع الملك لودفيج الثاني في قصره الشهير (نمفنبرج) لتعريف المشاركين والزوار بالتقاليد الملكية العريقة التي يعشقها الألمان. وبعد تلك الأمسية التي شارك فيها شبيه للملك لودفيج الثاني وفرق الموسيقى الملكية (الأوركسترا) , توجهنا في صباح اليوم الثاني إلى عدة مدن في بافاريا للتعرف على طبيعة الألب من جهة ومشاهدة ممتلكات الأسرة الملكية الألمانية التي يصعب وصفها. وكانت مدينة (جارميش) وسط جبال الألب هي نقطة البداية بعد ميونيخ. وهي مدينة جميلة تقع بالقرب من جبال (سوجشيبيتزيه) , وحالت الأمطار الغزيرة والسحب الداكنة دون قيامي برحلة إلى قمة الجبال البالغ ارتفاعها 2964 مترا, في المساء توجهنا إلى مدينة مجاورة في أحضان الألب تدعى (هوهني شوانجو Hohenschwangau) وتعني بالألمانية أرض الأوز لكثرة بحيراتها والأوز التي يعيش فيها, وهي عبارة عن موطن صيفي للعائلة المالكة الألمانية وبها حصن لينديرهوف الذي بناه الملك لودفيج الأول وحصي (نويشفا نشتاين) الشهير الذي بناه نجله الملك لودفيج الثاني ومات منتحرا في مياه النهر قبل أن يكمل بناءه. وأمضيت تلك الليلة في فندق أشبه بالقصر التاريخي يدعى (شلوس هوتيل) وحدثني مدير الفندق ستيفان جيجر ان هذا الفندق كان بمثابة استراحة صيفية لابن عم الملك لودفيج الأول ولذلك فإن موقعه مقابل تماما لحصي لينديرهوف الملكي الزاخر بالتراث الملكي والتاريخ الألماني ويؤمن مئات الزوار الأجانب يوميا وغالبيتهم جاؤوا من اليابان في محاولة للتعرف على تاريخ حلفائهم في الحرب العالمية الأولى والثانية (ألمانيا واليابان)! وأبلغني جيجر ان الأسرة الملكية الألمانية لا تزال تحتفظ بأملاكها في هذه المدينة الجميلة على الرغم من مرور أكثر من ثمانية عقود على سقوط الملكية في ألمانيا. وقال: ان الدوق (فرانس) هو كبير العائلة الملكية الألمانية ولا تزال هذه العائلة تمتلك حصن (هوهن شوانجو) الذي شيده الملك لودفيج الأول قبل أكثر من مائة عام, اضافة إلى سلسلة من القصور والفيلات الفاخرة والفنادق الضخمة وعربات الأحصنة الملكية المستخدمة في خدمة السياحة. وذكر ان العائلة الملكية الألمانية كبيرة وتقيم في قلعة (نوفمنبيرج) في ميونيخ وبعض أمرائها يقيمون في مدينة (هوهن شوانجو) التي يقطنها ألف نسمة فقط. غير انه أشار إلى ان حصن (نويشفا نشتاين) التاريخي مملوك للدولة لان الملك لودفيج الثاني شيده من أموال الدولة البافارية وكادت ميزانيته أن تواجه الافلاس نتيجة لذلك. ويزور هذا الحصن نحو 200.1 شخص سنويا فيما يزور حصن هوهن شوانجو نحو 350 ألفا فقط. وعن شعوره بالتعامل مع الدوق البافاري (فرانس) قال جيجر: (ان الناس يحبون الأسرة الملكية ويحترمونها, كما ان الدوق الذي يمتلك فندق (شلوس هوتيل) الذي أعمل به هو إنسان طيب القلب, ويكفي انك إذا عملت في وظيفة مع الأسرة الملكية لمدة عشر سنوات فإنك لا تفقد وظيفتك مدى الحياة, لذلك فإن الناس هنا تربطهم علاقة مستقرة مع الملكية) . ولا تزال مدينة (هوهن شوانجو) تستقبل في مواسم الاجازات الشتوية والصيفية أمراء من اسبانيا وهولندا والنرويج وانجلترا ودول الخليج والمشرق العربي ومغربه نظرا لما لها من مدلول بالنسبة لهؤلاء الأمراء. فالقلاع والحصون الملكية في (هوهن شوانجو) لا تزال تحتفظ بنمط حياة ملوك وأمراء ألمانيا بكل تفاصيلها الصغيرة وغرف نومهم وملابسهم وعربات أحصنتهم وموائد طعامهم وقواربهم لا تزال موجودة تذكر الناس بعهد الملكية الألمانية العريقة حتى يومنا هذا. على ضفاف البحيرة في صباح اليوم التالي استيقظت مبكرا للاستمتاع وحيدا بجولة حول ضفاف بحيرة (شوانجو) .. صوت الطبيعة كان موغلا في الشعور الذي لا يوصف, زقزقة العصافير تحاصر الأحاسيس التواقة بالانسجام مع الذات والزهور والحشائش الملونة تفتح الباب أمام تلاقي المشاعر مع الطبيعة, ولكن كل شيء يتوقف فجأة تحت وطأة الوقت اللعين الذي يداهم المرء حتى في أجمل لحظات التأمل والوحدة. حان وقت العودة إلى الفندق إنها الساعة العاشرة, سائق سيارة التاكسي ديفيد لن أتركه ينتظر كثيرا, حمل حقيبتي ووضعها داخل التاكسي, ودعت كل العاملين في مكتب الاستقبال والمدير جيجر وكلهم أناس طيبون ربطتني بهم علاقة حميمة خلال بضع ساعات فقط, حتى أنتوني كوزتس مرشد القلعة أصبح صديقا, انطلقت سيارة التاكسي عبر الحقول وأشجار الصنوبر في تلك الطرق الجبلية المليئة بالحيوية وأشعة الشمس مسرعة لنصل بعد ساعة وعشر دقائق إلى مدينة تنام على ضفاف بحيرة تدعى (تيجرن زيه) وحينما أطللت من نافذة غرفتي في فندق WALTER'S HOF الواقع على ضفاف البحيرة, تساءلت هل (تيجرن زيه) مدينة في بحيرة أم بحيرة في مدينة؟ لكنه في النهاية عناق دائم في حالة استرخاء لا يتوقف! كانت بيرجت سارتيتير مديرة شركة (بافاريا تورز) في انتظاري كي تصحبني في جولة عبر سلسلة التلال الجبلية المحيطة بالمدينة, حيث تناولنا طعام الغداء (سمك تراوت مع شرائح البطاطا) وبعدها مباشرة نزهة في وادي تيجرن حيث تتدفق شلالات مياه الثلج الذي يبدأ الذوبان ورحلة العودة إلى الأرض في فصل الصيف. ويقول مدير الفندق ريتشارد ماير: ان (تيجرن زيه) هي بمثابة الحلم لسكانها الذين لم يتجاوز عددهم الخمسة آلاف نسمة وبالنسبة للزائر فإنها المدينة التي لا يمل منها أبدا) وهي فعلا كذلك لان المدينة بكل ملامحها الصغيرة وبيوتها وفنادقها وتلالها وأشجارها تبدو كلوحة تشكيلية جميلة شارك فيها فنانو العالم كل بريشته وألوانه وذوقه الرفيع! في مدينة الملح : في الصباح غادرت (تيجرن زيه) قبل أن تستيقظ من غفوتها متوجها إلى مدينة (باد رايخنهال) الواقعة في أحضان جبال الألب على بعد 18 كيلو مترا من مدينة سالزبورج النمساوية, وفي حدود الـ 120 دقيقة وصلت إلى فندق (Axelmann stein) التاريخي وسط المدينة, وضعت حقيبتي في الغرفة رقم 402 وعدت إلى قاعة الاستقبال, لأشاهد حشدا كبيرا من الجنرالات والضباط والجنود وقد اكتظ بهم المكان, سألت بفضول الصحفي, ما الأمر؟ أجابني أحد الضباط: اننا هنا في اجتماع لرؤساء أركان جيوش حلف شمال الأطلسي لبحث الموقف في كوسوفو وكيفية تنسيق مهام القوات الخاصة بحفظ السلام. ويبدو ان جنرالات الأطلسي اختاروا ذلك الفندق في تلك المدينة الحالمة كي يأخذوا قسطا من الراحة في أعقاب حرب جوية هي الأطول في التاريخ ضد يوغسلافيا, ففي أعقاب الجلسات التي عادة ما تنتهي في الخامسة عصرا, يذهب الجنرالات مع زوجاتهم إلى قمم الجبال لتناول العشاء أو احتثاء المشروبات الكحولية المحلية الصنع (شنابس) بقصد الراحة. المهم انني غادرت الفندق ذاهبا إلى أقدم مصنع للملح في ألمانيا وربما في أوروبا كلها, عجلات مثل طواحين الهواء العملاقة تدور بلا توقف منذ 220 عاما حاملة الماء المالح من أعماق الأرض لتضخه إلى المعامل, ويبدو ان (باد رايخنهال) مدينة تسبح فوق بحر من مياه الملح المعدنية التي تم استغلالها بأسلوب ذكي, فقد أقيمت حولها المصحات العلاجية ودور الاستشفاء وأبرزها (Viktoria Bad) ويزورها مختلف فئات الناس من معظم دول العالم, والجميل ان هناك مراكز استشفاء مجانية لمرضى الربو وضيق التنفس وغيرها من الأمراض. كما شاهدنا في تلك المدينة أقدم خط أنابيب في العالم وقد بني في القرن السابع عشر من الأخشاب لنقل المياه المالحة من قاع الجبل إلى مصنع الملح, مدينة (باد رايخنهال) التي طفتها مشيا على الأقدام هي بمثابة متحف تاريخي فسيح تحيط به الحدائق والأشجار الوارفة الظلال إذ ان معظم مباني المدينة ترجع إلى الفترة ما بين عامي 1180 - 1787م. بعد افطار هادئ في حديقة الفندق, صعدت إلى غرفتين استعدادا للمغادرة, ودعت كل الأشياء الجميلة بناظري وتركت (باد رايخنهال) عائدا إلى ميونيخ, وصلت في المساء إلى فندق كيمبنسكي حيث أمضيت ليلتي هناك بجوار المطار استعدادا للرحلة الطويلة إلى برلين عاصمة الوحدة الألمانية, ورحت أتأمل مشاهداتي وانطباعي في تلك الرحلة التي أمضيتها عبر (الطريق إلى الألب) لقد اختزنت الذاكرة بالعديد من الصور والوجوه والأشياء الجميلة التي صادفتني وما أجمل الصدف التي تداهمك دون ترتيب مسبق. ميونيخ ـ جمال المجايدة