قدر الدكتور على نجم محافظ البنك المركزي المصري الأسبق ورئيس مجلس إدارة بنك الدلتا الدولي قيمة الاستثمارات المطلوبة لتمويل مشروعات البنية التحتية في الدول العربية خلال السنوات العشر المقبلة بنحو 250 مليار دولار.. مشيرا إلى أن هذه الاستثمارات الضخمة تتطلب مصارف عربية قادرة ماليا ومهنيا على المساهمة الفعالة في تأمين هذه الاحتياجات الضرورية. وحذر الدكتور على نجم في دراسة اقتصادية أعدها عن المصارف العربية من أن القطاع المصرفي العربي الذي يضم 342 بنكا و87 مصرفا ومؤسسة مالية تعمل في مجالات الاستثمار والإقراض الصناعي والزراعي والإسكاني مازال متواضع ا جدا ومحدودا من حيث أعماله وموجوداته وحقوق المساهمين به باستثناء عدد محدود من البنوك مقدرا إجمالي الموجودات في البنوك العربية بنهاية العام الماضي بنحو 595 مليار دولا ر بزيادة 100 مليار دولار عن عام 1997 مشيرا إلى أنه بالرغم من ارتفاع قدرة الجهاز المصرفي العربي على جذب الودائع بنسبة 55% لتبلغ 361 مليار دولار.. وأن 82% من إجمالي هذه الودائع موظفة في قروض لتمويل المشروعات العربية في كافة المجالات إلا أن أصول المصارف العربية مجتمعة مازالت أقل من أصول بنك تشيز الأمريكي أو أي من البنوك اليابانية الخمسة الكبرى وأن المصارف العربية لم تحتل سوى 50 مركزا فقط من الألف الأولى من حيث حجم حقوق الملكية وهو ما يعني أن نسبة تواجد البنوك العربية على الساحة العالمية لا تتعدى 5% الأمر الذي يهدد بعدم قدرة معظم المصارف العربية على التعامل بنجاح مع متطلبات الحقبة المقبلة التي تحمل في ثناياها تحديات كبيرة وخطيرة للاقتصاديات العربية. نشاط تقليدي وأضاف أن الغالبية الساحقة من المصارف العربية تنتمي لقطاع المصارف التجارية التي يتركز معظم نشاطها في الأعمال المصرفية التقليدية من تلقي الودائع ومنح التمويل والإقراض خاصة للعمليات التجارية قصيرة الأجل.. موضحا أن معظم المصارف العربية نتيجة لتواضع رؤوس أموالها وصغر حجمها مازالت عاجزة عن الانخراط في المستجدات التي طرأت مؤخرا على الساحة المصرفية الدولية من أعمال وأدوات مستحدثة وتقنيات متقدمة تتطلب درجة عالية من الاستعداد الفني والقدرة على التمويل التي لا تتوفر إلا في البنوك العالمية.. مشيرا إلى أن المصارف العربية فشلت في استثمار النمو الكمي الذي حققته في عقد السبعينات من حيث الانتشار الجغرافي إقليميا ودوليا أو حجم الأعمال وعجزت عن تدعيم مواقعها وتعزيز تطورها الكمي بآخر نوعي يرقى بها إلى مصاف البنوك العالمية. وأرجع عدم قدرة البنوك العربية على الانتقال للتطور النوعي إلى عدة أسباب منها الانخفاض الكبير في العوائد النفطية في الثمانينات.. وتراجع مستوى الأداء الاقتص ادي في المنطقة العربية ولجوء معظم الأقطار العربية النفطية وغير النفطية إلى تطبيق سياسات نقدية ومالية مقيدة لمواجهة ازدياد أعباء المدفوعات الخارجية .. علاوة على ما شهده مطلع العقد الحالي من حرب تحرير الكويت وما تبعها من تداعيات اقتصادية سلبية واسعة النطاق شملت كافة الدول العربية وأهدرت ومازالت تهدر أموال باهظة على النفقات العسكرية. تحديات عديدة ورصد الدكتور علي نجم قائمة من التحديات والمتغيرات الدولية والمعايير المصرفية التي تواجه البنوك العربية في المرحلة المقبلة منها اتفاقية تحرير تجارة الخدمات المالية التابعة لمنظمة التجارة العالمية ونتائجها المتوقعة على النظام المصرفي العربي.. مشيرا إلى أن هذه الاتفاقية وضعت البنوك العربية في مأزق حرج حيث أصبح عليها تطوير نفسها خلال فترة قصيرة حتى تتمكن من منافسة نظيرتها الأجنبية القادمة بموجب هذه الاتفاقية لتعمل في الأسواق العربية بنفس الحقوق والمزايا التي تتمتع بها البنوك الوطنية.. موضحا أنه في الوقت الذي تسعى فيه البنوك العربية لجذب الاستثمارات العربية المهاجرة التي تجاوزت 1000 مليار دولار وإعادة تدويرها في مشروعات عربية سنجد البنوك الأجنبية تحاول الحصول على رؤوس ا لأموال العربية وتحويلها للخارج واستثمارها في مشروعات تنموية تدعم اقتصاد دولها.. مؤكدا أن معيار التفضيل في هذه الحالة لن يكون للعاطفة وإنما لقدر ما تقدمه البنوك من خدمات مالية متطورة لعملائها.. حيث أن العاطفة بمفردها لن تشجع رؤوس الأموال العربية على العودة للوطن لأن رأس المال دائما يبحث عن الأرباح والفائدة والمزايا الأفضل ويذهب إليها حيثما تكون. مخاطر بازل وتابع أن قائمة التحديات تتضمن المعايير ال مصرفية الدولية (مقررات لجنة بازل) التي مازالت تصنف معظم الدول العربية بأنها دول مرتفعة المخاطر الأمر الذي يؤد ي مستقبلا لزيادة تكلفة حصول المصارف العاملة داخل الوطن العربي على الموارد المالية من الأسواق الدولية وارتفاع تكلفة تمويل عمليات التجارة الخارجية للدول العربية من البنوك العاملة داخل وخارج حدود الوطن العربي. بالإضافة لتقلص خطوط الائتمان من المصارف العربية والعالمية بسبب طبيعتها وتوزيع أصولها ولجوء الذي يعمل منها في الدول الموقعة على اتفاقية باز ل إلى تخفيض توظيفها في الوطن العربي للمحافظة على نسبة كفاية رأس المال المطلوبة. وأشار الدكتور علي نجم إلى أن الجهاز المصرفي العربي يعاني من تخمة بنوك معظمها صغير لا يمتلك مراكز مالية قوية ولا خدمات مصرفية معقولة.. وأن هذه البنوك التي يتجاوز عددها 80 بنكا ولدت متواضعة ومحدودة واستمرت هكذا لتحقيق مصالح شخصية للقائمين عليها بصرف النظر عن المصلحة العامة معتبرا أن مضاعفة السلطات النقدية العربية للحدود الدنيا لرؤوس أموال البنوك أفضل وسيلة لمواجهة القصور المزمن في القطاع المصرفي العربي لاسيما وأن البنوك الصغيرة لن تستطيع الوفاء بالزيادات والالتزام بها مما يدفعها إلى الاندماج والانخراط في الوحدات المصرفية الكبيرة. تجارب متواضعة ووصف نجم تجارب المصارف العربية في الاندماج بأنها مازالت متواضعة ومحدودة وفردية ولا يمكن الاقتداء بها وتعميمها , الأمر الذي يستوجب اتخاذ حزمة تدابير وإجراءات فنية لتحقيق الجدوى الاقتصادية المناسبة التي تدفع الوحدات المصرفية العربية وتشجعها على الاندماج في وحدات عملاقة تستطيع مناطحة نظيرتها الأجنبية أو على الأقل العيش معها بسلام.. مشيرا إلى أن عدد تلك التجارب لم يتجاوز 8 حالات آخرها دمج بنكي العقاري العربي ونظيره المصري في الوقت الذي تشهد فيه أوروبا وأمريكا عمليات اندماج ضخمة بين بنوك في إنجلترا وأخرى في فرنسا واتجاه البنوك اليابانية لشراء وحدات مصرفية في أ مريكا.. بل أن عمليات الدمج تعدت المصارف إلى الشركات العاملة في الوساطة والأوراق المالية ومكاتب المحاسبة العملاقة والشركات الكبيرة مما يؤكد مجددا أن العالم مقبل على عصر الكيانات العملاقة الضخمة القادرة على المنافسة والاستمرار والتأقلم مع المتغيرات وأبرز ها مقررات الجات واتفاقية تحرير الخدمات المالية. الاندماج الاختياري وحدد نجم كيفية تشجيع البنوك والمصارف العربية على الاندماج الاختياري طواعية وذلك من خلال منح حوافز للبنوك المندمجة ومضاعفة الحدود الدنيا لرؤوس أموال البنوك بأسلوب يتناسب مع الأوضاع الاقتصادية والمصرفية والمالية العالمية.. فمن غير المنطقي أن تكون الحدود الدنيا لرؤوس أموال هذه البنوك 100 مليون جنيه في مصر و30 مليون دولار في الأردن و8 ملايين دولار في لبنان بينما يتجاوز الحد الأدنى لأضعف بنك أوروبي 800 مليون دولار مشددا على أن بناء وحدات مصرفية كبيرة ورفع الكفاءة والاتجاه لإنشاء بنوك شاملة في كافة الخدمات تعتبر أكبر تحديات المصارف العربية في القرن المقبل.. وتأتي ك استجابة ملحة فرضتها التغييرات المتلاحقة في عالم البنوك لاسيما وأن الأوضاع المقبلة لن تعترف بالكيانات الصغيرة والمتواضعة خاصة في مجال البنوك.. محذرا من أن وجود البنوك الصغيرة بوضعها الحالي الذي لا صلة له بالخدمات المصرفية المتطورة لا يجب أن يستمر ويتطلب تدخل السلطات النقدية لإصلاح مسار هذه البنوك وعدم تركها لبعض المؤسسات المصرفية الكبيرة التي تديرها لخدمة مصالحها الذاتية دون اعتبار للمصلحة العامة الأمر الذي يتطلب وضع ضوابط واشتراطا جديدة وصارمة ترغم تلك البنوك على تطوير نفسها وتقوية مراكزها المالية وجلب خدمات مالية متطورة لعلمائها أو اللجوء إلى الاندماج في بنك كبير يحل مشاكلها. واعتبر الدكتور علي نجم اتجاه شريحة كبيرة من الدول العربية نحو خصخصة البنوك المشتركة والصغيرة وطرح جزء من أسهم رأسمال البنوك الكبيرة للبيع وسيلة فعالة وجيدة وناجحة للتخلص من الكيانات المصرفية التي تمتلك أدوات المنافسة المقبلة.. مشيرا إلى أن اتفاقية تحرير الخدمات المالية ستسمح بدخول البنوك والمصارف الأجنبية لتقدم خدماتها المتطورة.. وإن لم تكن البنوك العربية قادرة على المقاومة والاحتفاظ بعملائها والسعي لجذب عملاء جدد فإنها ستنهار وتتعرض للابتلاع. رفض الهرولة في الخصخصة وتحفظ الدكتور علي نجم على الإسراع والهرولة باتجاه الخصخصة للقطاع المصرفي العربي وطرح وحداته أمام المستثمرين والبنوك الأجنبية.. موضحا أنه مع الخصخصة بشرط الحرص على أن يكون المشتري مستثمرا أو مصرفا عربيا حتى لا تتحول البنوك العربية بالمزايا التي منحتها بعض الحكومات بامتلاك أكثر من 49% من رأس المال إلى فروع لمصارف أجنبية كبيرة تعمل لحسابها وتكون قيمة مضافة لاقتصاديات غير عربية.. مشيرا إلى أن الشراكة العربية ـ العربية والالتزام بتنفيذ البرنامج الزمني لمنطقة التجارة الحرة التي أوشكت على الدخول في عامها الثالث سيساهم في تعظيم المبادلات التجارية البي ن ية وضخ رؤوس أموال طازجة وجديدة في المشروعات الاستثمارية المتاحة ومضاعفة حجم الاستثمارات المتبادلة البالغ _ حسب تقديرات المؤسسة العربية للاستثمار _ 25.2 مليار دولار بنهاية العام الماضي.. موضحا أن الشراكة مع الأجانب مهما تضمنت من مزايا تفضيلية وفرص فإنها لن تقوم بهذه الأدوار حيث أن إنعاش التعاون العربي المشترك لا يمثل أهمية ذات أولوية للشريك الأجنبي الذي يسعى لتأمين مصالحه وتعظيم مكاسبه والتي لن تلتقي مع المصالح العربية. وتوقع الدكتور علي نجم أن يشهد القطاع المصرفي العربي في العامين المقبلين أوضاعا غير مريحة بسبب الظروف والأوضاع غير المواتية التي ألمت بالاقتصاديات العربية نتيجة لانخفاض أسعار النفط وتراجع عائداته لحد لم تبلغه من قبل.. بالإضافة إلى تداعيات الانهيار الذي أصاب أسواق المال في دول شرق آسيا والذي امتدت آثاره للمنطقة العربية وكذا تطبيق بعض الدول العربية سياسات نقدية ومالية قصيرة بهدف مواجهة ازدياد أعباء المدفوعات الخارجية.. علاوة على ارتفاع الدولار أمام معظم العملات الوطنية العربية في الأسواق المحلية وتراجع قيمة المدخرات بالعملات الوطنية وبالتالي انخفاض احتياطيات النقد الأجنبي في البنوك المركزية العربية. اقتراحات واقترح الدكتور علي نجم في دراسته عدة إجراءات لتحسين أوضاع المؤسسات المالية العربية وإصلاح مسارها أبرزها تجميع المصارف الصغيرة بعضها لبعض وإعادة تنظيمها إداريا وماليا لتكوين وحدات مصرفية كبيرة والسعي لإنشاء كيانات مصرفية عربية كبيرة وقوية خاصة في أوروبا لحماية وخدمة مصالح الاستثمارات العربية الكائنة هناك والتي تنتجاوز 465 مليار دولار والبدء في توفير التغطية الملائمة للمخاطر المستجدة التي ستواجهها هذه المصارف في سعيها لتوسيع نطاق أعمالها وأنشطتها.. معتبرا أن قواعد رأس المال ومعدلات كفايته في الوطن العربي.. والمحاولات العربية المبذولة لتغيير تصنيف الدول العربية كدول ذات مخاطر ائتمانية مرتفعة شرطين كفيلين بوضع أساس مادي لإعادة طرح تصنيف الدول العربية وضم عدد منها لقائمة الدول ذات المخاطر المتدنية بما يسمح بتعزيز العمل المصرفي العربي وزيادة تدفقات الاستثمارات الأجنبية التي لا تتجاوز حصة الدول العربية مجتمعة منها نحو 8.0%.. وتشجيع المصارف على إجراء شراكة واعية مع القطاع الخاص للعمل سويا على تدعيم الاقتصاديات العربية لاسيما في المرحلة الحرجة المقبلة. القاهرة - مكتب البيان - يوسف شاكر