بثت وكالات الأنباء أمس خبرا حول اجتماع كبار مسؤولي وزارات الخارجية في الدول العربية في دمشق لمناقشة الشراكة العربية ـ الأوروبية ومحاولة بلورة موقف مشترك قبل بدء جولة جديدة من مفاوضات الجانبين . وقد تدارس المجتمعون ما يسمى بميثاق السلام والاستقرار, أي الخطوط العامة التي ستصاغ على أساسها العلاقات العربية ـ الأوروبية, وخاصة ما يتعلق بالدور العربي في قضايا الإقليم على وجه العموم. وكان لابد أن يعيد هذا الاجتماع إلى دائرة الضوء قضية المشاركة الخليجية في أطر الحوار العربي ـ الأوروبي. فقد صيغت هذه الأطر على أساس (متوسطي) , أي على نحو يضم دول حوض البحر الأبيض المتوسط فقط, وذلك باعتبار أن هناك قضايا مشتركة تتعلق بالهجرة والأمن ربما تنحصر داخل هذه الأطر وحدها, أي أنها ربما لا تستدعي مشاركة خليجية. إلا أن هناك جانبا من العلاقات العربية ـ الأوروبية لا يعني دول حوض المتوسط العربية وحدها, بل يعني الدول العربية مجتمعة, ذلك هو جانب العلاقات التجارية والاقتصادية. فإن قبلنا بشطر المنطقة ـ في علاقاتها الأوروبية ـ إلى شطرين, متوسطي وغير متوسطي, فإن ذلك من شأنه أن يضعف الجانبين معا. ولدينا في الدعوة لضرورة توسعة أطر الحوار العربي ـ الأوروبي أسباب منطقية, لا تتعلق بالبحث عن دفء الجماعة. ذلك أن أوروبا ليست كلها متوسطية. ألمانيا ليست متوسطية, ولا بريطانيا, ولا غيرهما. فضلا عن هذا, فإن ما يؤثر على الأردن أو مصر أو لبنان أو فلسطين مثلا يؤثر علينا بصورة مباشرة في الخليج. وبعد ذلك فإن من غير المفيد أن نبدأ مشوار العلاقات مع أوروبا, التي ستصبح أكبر كائن اقتصادي في العالم, بقبول (القسمة) بدلا من الإصرار على (الجمع) . ليبيا والجزائر مثلا مصدران أساسيان للبترول, وعضوان في أوبك. ومن المهم بالنسبة لنا هنا أن نضع قضية صادراتنا من النفط ـ كمنتجين عرب ـ مجتمعين. كذلك فإن رفض (القسمة) سيسهم في تجاوز عقبات كثيرة نعرف أن مفاوضين ـ من أوروبا ومن غير أوروبا ـ يضعونها أمامنا. أوروبا ـ مثلا ـ تسمح لمصر بتصدير الألمنيوم بدون رسوم أو ضرائب جمركية استثنائية, وهي قد تسمح لنا هنا في الإمارات بتصدير القطن بدون رسوم أو ضرائب جمركية استثنائية. ذلك أن مصر لا تصدر ألمنيوم يذكر, ونحن لا نصدر قطنا بالمرة.. العكس هو الصحيح. ولكن (الاستثناءات) الجمركية تمضي على هذا النحو حصرا. بلى.. لدينا قضية الألمنيوم. ويقول الأوروبيون ـ بخفة دم تميزهم ـ إنهم سيسمحون بتطبيق المبدأ الذي اخترعوه وحاضرونا طويلا في ضرورته, أي مبدأ حرية التجارة (في حالة الألمنيوم) العام 3000. وليس هذا خطأ مطبعي, إنهم بالفعل يتحدثون عن العام (ثلاثة آلاف) . في أكتوبر الماضي اختصر محمد العبار موقفنا بقوله (منذ بدء المفاوضات حول التجارة الحرة قبل عشر سنوات أخذ العجز في التبادل التجاري بين الدول الأعضاء في مجلس التعاون وأوروبا يزداد حتى بلغ ثمانية مليارات دولار العام الماضي (1997). ولاتزال أبواب الأسواق الأوروبية مغلقة في وجه الألمنيوم الأولي الذي ننتجه نتيجة لفرض رسم جمركي غير عادل, بل وتمييزي. وإذا لم يتحرك الأوروبيون خطوة إلى الأمام فسوف ننظر في اتجاهات أخرى بحثا عن مصادر بديلة لوارداتنا) . أما في حالة النفط فإن المشكلة أفدح كثيرا. فطبقا لكلام وزير النفط السعودي السابق هشام الناظر فإن برميل النفط العربي يباع داخل إيطاليا ـ مثلا ـ بنحو 144 دولارا (كانت هذه أرقام 1996 التي نحسب أنها ازدادت الآن) وفي فرنسا بنحو 6.120 دولارا للبرميل وفي ألمانيا بـ 2.105 دولارات للبرميل. وقتها كان برميل النفط يكلف ـ عند وصوله إلى الموانئ الأوروبية وباحتساب ثمنه الذي استلمه أصحابه ـ نحو 5.20 دولارا للبرميل. أين ذهب الفارق إذن؟.. في حالة إيطاليا وحين حسبنا تكلفة النقل في الداخل والتوزيع بالتجزئة والتكرير وكل المصروفات الأخرى وجدنا أن تكلفة البرميل تصل إلى 43 دولارا. ويعني ذلك أن تكلفة البرميل الإجمالية, منذ خروجه من المنبع عندنا, وحتى وصوله إلى سيارة المستهلك تبلغ 63 دولارا.. ولكنه يباع بالفعل بنحو 144 دولارا. أين ذهبت الـ81 دولارا الأخرى؟ حين درس وزير النفط السعودي الأمر اكتشف أن الدول الأوروبية تحصل على 177 دولارا مقابل كل 100 دولار نحصل عليها نحن ـ أصحاب النفط ـ من صادراتنا البترولية إلى أوروبا.. هل تتصورون إذن أنهم هم ـ ولسنا نحن ـ أصحاب هذا النفط؟ الحكومات الأوروبية تفرض ضرائب غير منطقية وغير معقولة على بترولنا, وهي بذلك تحد من استهلاكه, أي تحد من صادراتنا منه, أي تحد من دخلنا من أهم مصادرنا بالمرة.. بعد ذلك هناك حوار عربي ـ أوروبي عن حرية التجارة! زادت ضريبة النفط الأوروبية بصرف النظر عن سعر المنبع, ينخفض السعر إلى 15 دولارا فتزداد الضريبة. ينخفض أكثر إلى 10 دولارات فتواصل الضريبة زيادتها.. ويعني هذا أن مواصلة أسعار النفط لانخفاضها ـ عند المنبع ـ لا علاقة لها بالمرة بالأسعار التي يدفعها المستهلك النهائي في أوروبا. الفارق يدخل في جيوب الحكومات الأوروبية. ويعني ذلك أيضا أن انخفاض أسعار المنبع يؤدي إلى زيادة أرباح أوروبا من وارداتها النفطية. قلما وجدنا في تاريخ التجارة الحرة حكومات تربح على هذا النحو من وارداتها, وليس من صادراتها. ولكن الأشياء جميعا تقلب أحيانا رأسا على عقب دون أن يلاحظ كثيرون. ومع ذلك فإن قضايانا, وقضايا الأشقاء العرب (المتوسطيين) لا ينبغي أن تفصل. إنها ـ على العكس تماما ـ يجب أن توصل بعناد وإصرار, إذ ليس بوسعنا أن نحصل على معاملة تجارية منصفة إلا بزيادة ما في كفتنا من أوراق التفاوض. لذا كنا نأمل أن يتحاور الوزراء العرب ـ في دمشق ـ حول التحاق دول الخليج بمنظومة الحوار العربي ـ الأوروبي.