علاوة على التحديات والأجواء القاسية التي يمر بها الاقتصاد العربي والتي تضاعفت حدتها نتيجة التراجع الحاد في أسعار النفط الذي كلف الدول العربية نحو 60 مليار دولار العام الماضي ومن المتوقع ان تصل فاتورة العام الحالي الى نحو 80 مليار دولار, وبالاضافة للأزمة التي عصفت باقتصاديات دول جنوب شرق آسيا والبرازيل وامتد أثرها لأسواق المال وكافة مفردات وفعاليات الاقتصاد العربي والذي يتوقع الخبراء ان تبرز آثارها بوضوح خلال العام الحالي, والتراجع المتوقع لتدفق رأس المال الخاص للأسواق الناشئة الى 150 مليار دولار مقارنة بنحو 158 مليار دولار العام الماضي و242 مليار دولار عام 1997 و308 مليارات دولار عام 1996 الأمر الذي سيضعف حصة المنطقة العربية من هذه التدفقات لتتراجع الى 10.6 مليارات دولار مقابل 15 مليار دولار عام ,1997 واستمرار أزمة النفط بسبب انخفاض نمو الطلب العالمي وارتفاع معدلات انتاج الدول خارج منظمة أوبك. بالاضافة لكل التحديات السابقة ومورثات التعاون التجاري العربي التي تعرقله وتحصده في نسبة الـ 10% بسبب عوامل عديدة فان الحصار المفروض على ليبيا والسودان والعراق كلف العرب نحو 40 مليار دولار خلال سنوات الحصار فقد حرم هذا الحصار الوطن العربي من حوالي 15% من هيكل تجارته البينية التي تقدرها تقارير الادارة الاقتصادية في جامعة الدول العربية بنحو 31 مليار دولار سنويا, كما أثرت على الناتج المحلي العربي الذي وقف عند حدود 680 مليار دولار فيما كان يتوقع ان يتجاوز 850 مليار دولار اذا لم تتعرض الدول الثلاثة الى الحصار المفروض عليها والذي ستتكفل الدول العربية بالحصة الأكبر من سداد خسائره حيث سيكون من المفروض عليها بالمساهمة بالجزء الأكبر في اعادة اعمار اقتصاديات تلك الدول التي بلغت خسائرها المبدئية من جراء الحصار نحو 260 مليار دولار وتحتاج لنحو 700 مليار دولار لاصلاح واعمار آثار الدمار الذي خلف الحصار, لاسيما في العراق التي تعرضت بنيتها التحتية لتدمير شبه كامل وتحتاج لشبكة جديدة من الطرق والاتصالات والمواصلات واعادة تأهيل لحقول النفط ومئات المصانع. وفيما يتوقع الخبراء ان تنجح الدول العربية في رفع الحصار عن ليبيا والسودان واعادتهما لقطاع التبادل التجاري العربي بكامل قوتهما بعد ازالة آثار الحصار عنهما فإن الموقف بالنسبة للعراق ما زال غامضا لاسيما في ضوء التطورات والمستجدات التي تضاعف من صعوبة الموقف. وأوضح الخبراء ان الحصار الذي استمر لنحو تسع سنوات على العراق وسبع سنوات على السودان أثر بشكل واضح على القطاع الزراعي العربي لاسيما وانهما دولتان زراعيتان حيث ارتفعت قيمة الواردات العربية لسد الفجوة الغذائية لنحو 14 مليار دولار موزعة على الحبوب والألبان والسكر واللحوم والزيوت. وبرصد الخسائر التي ألمت باقتصاديات تلك الدول وانعكست على الاقتصاد العربي نجد ان قيمة الخسائر الليبية تجاوزت 15 مليار دولار نتيجة دخول اقتصادها في دوامة من الركود العميقة فحسبما أشار التقرير الاقتصادي العربي الموحد فان ناتجها المحلي حقق نموا سلبيا تجاوز 1.1% قبل ان يتمكن من النهوض وتحقيق نمو ايجابي 2% عام 1996 ويتمكن من السيطرة على معدلات التضخم التي بلغت 23% وينجح في تقليصها الى 7%. ويشير التقرير الى ان ظروف الحظر المفروض على ليبيا لم تعجزها عن تحقيق فائض في الموازنة العامة بلغ 0.3% من اجمالي الناتج المحلي لعام 1995 مقارنة بعجز 16.9% عام ,1993 كما حققت فائضاً في الموازين الخارجية بلغ 2.7 مليار دولار في الميزان التجاري ونحو 2.2 مليار دولار في ميزان الحساب الجاري و2 مليار دولار في ميزان المدفوع الكلي. وبالرغم من خسائر الحصار على ليبيا والتي امتدت لقطاعات أساسية وحيوية كالصناعة والثروة الحيوانية والنفط والكهرباء والمواصلات والصحة واضطرت الجانب الليبي لوقف معظم المشروعات التنموية باستثناء مشروع النهر الصناعي العظيم الذي رصدت له 4 مليارات دولار سنويا فان الحصار لم يستطع تقييد حركة الاستثمارات الليبية التي اخترقت هذا الحصار وتحركت بوعي في اتجاهات مختلفة ومدروسة لتحقق عوائد كان لها الاثر الفعال في تأمين احتياجات الشعب الليبي في الداخل وتخفيف حدة آثار الحصار على الاستثمارات والتجارة البينية العربية. وتقدر تقارير اقتصادية تلقتها جامعة الدول العربية مؤخرا حجم الاستثمارات الليبية المنتشرة فقط في الدول العربية بنحو 6 مليارات دولار بالاضافة لاستثمارات ضخمة أخرى في كوريا وايطاليا وبريطانيا وهولندا تعمل تحت مظلة ذكية تحول دون ممارسة اجراءات التجميد عليها, موضحة ان تكثيف الاستثمارات الليبية في الدول العربية كان احد التحركات الواعية عقب فرض الحظر الجزئي عليها عام 1992 حيث تدفقت الاستثمارات الى معظم الدول العربية ولاسيما مصر التي استحوذت على نحو مليار دولار بالاضافة لاستثمارات أخرى غير مباشرة في بورصة الأوراق المالية. وعلاوة على نجاح الاستثمارات الليبية في حسم صفقة بيع شيراتون القاهرة لصالحها بقيمة 147 مليون دولار وتجاوز كافة العراقيل التي اعترضت اتمام الصفقة من الشركة العالمية بايعاز من بعض الدول فان الاستثمارات الليبية في مصر توزعت على 100 مشروع تتجاوز تكلفتها الاستثمارية 3.5 مليارات جنيه مصري ورأسمالها المصدر 1.9 مليار جنيه بواقع 39% لقطاع الصناعة و40% لقطاع المشروعات التمويلية و21% لقطاع الزراعة والسياحة والمشروعات الخدمية, وكذا فان الاستثمارات الليبية توغلت في دول ومشروعات عربية أخرى في قطاعات النفط والمشروعات الزراعية والغذائية في تونس والسودان. وكشف محمد الحويج رئيس شركة الاستثمارات الليبية في مصر عن ان الجانب الليبي يخطط لمضاعفة استثماراته في مصر لنحو 3 مليارات دولار خلال الأعوام الثلاثة المقبلة وان رفع الحصار عن ليبيا سيتيح الفرصة لاقامة مشروعات أكبر وأكثر في مجالات السياحة والفنادق والمقاولات والتعدين والري والحديد والصلب والزراعة والبحث والتنقيب عن البترول والمعادن الثمينة, موضحا ان قائمة طويلة من المشروعات يتم تجهيزها الآن في هذا الخصوص علاوة على بحث تأسيس بنك مشترك للمساهمة في تمويل المشروعات المقترحة, وان الربط الكهربائي والبري الذي سيتم بين البلدين ويربطهما بالدول العربية والأوروبية شرقا وغربا سيساهم في فعالية التجارة وتنشيط حركة الاستثمارات ليس فقط فيما بينهما ولكن بين كافة الدول العربية. واضاف ان الشركة العربية للاستثمارات التي تأسست عام 1981 برأسمال 500 مليون دينار ليبي (1.7 مليار دولار) استفادت من دروس تجميد الاموال التي لجأت اليها الدول الغربية في حصارها لليبيا وذلك من خلال اتباع استراتيجيات مختلفة لتحريك استثماراتها الى أكثر من موقع مالي في العالم حيث تساهم في 98 شركة حول العالم موزعة بواقع 26% في الدول العربية و30% في افريقيا و30% في أوروبا و14% في باقي دول العالم. وأشار الى ان المصرف العربي الليبي ساهم بفاعلية في تخفيف حدة الحصار وخسائره على ليبيا وكان أحد أبرز مكونات منظومة الاستثمارات الليبية التي اخترقت الحصار الغربي حيث شارك في نحو 25 بنكا حول العالم برؤوس أموال تجاوزت 2.5 مليار دولار وركز استثماراته بعيداً عن دائرة الضوء وفي المناطق البعيدة عن حزام قرارات التجميد خاصة وانه تعرض لعملية تجميد بلغت قيمتها مليار دولار عام 1986 بدعوى اتهام ليبيا في احدى قضايا الارهاب التي ثبت فيما بعد تورط الموساد الاسرائيلي فيها, موضحا انه نظرا لان قرار التجميد لأي أرصدة في الخارج هو الأسرع والذي دائما ما تتبعه الدول الغربية كأداة للضغط فقد نفذ الجانب الليبي خطة لحماية أكبر قدر من الارصدة في الخارج وحول نحو 3.5 مليارات دولار من البنوك الأوروبية الى مصارف متعددة في دول جنوب شرق آسيا دون اثارة حيث لم يكتشف أمر هذا التحويل الذي تم عبر بنوك وسيطة الا بعد 6 أشهر من اتمامه. وقال ان عملية التحويل تمت من خلال سلة عملات مختلفة باستثناء الدولار لتجنب مرورها على مصارف المقاصة الرئيسية في نيويورك باعتبارها احدى النقاط الرئيسية لعبور جميع المعاملات بالدولار, كما لجأ الجانب الليبي الى رفع ديونه في الشركات التي يساهم فيها بالخارج لأقصى حد حتى يحمي استثماراته في الخارج, مشيرا الى ان عوائد الاستثمارات جرى توظيفها لتلبية احتياجات الشعب الليبي والحيلولة دون انهيار العملة الوطنية وتوفير احتياجات مشروعات النهر الصناعي العظيم. وعلاوة على الاستثمارات الليبية في الخارج فقد قدر تقرير منظمة التجارة والتنمية الأونكتاد التابع للأمم المتحدة ان التدفقات الاستثمارية الواردة على ليبيا تبلغ سنويا 150 مليون دولار مكنتها من السيطرة على معدلات النمو الاقتصادي وتحقيق فوائض. وفي اطار سعيها لحماية عملتها الوطنية شنت الجهات الرسمية الليبية حملة ضد تجار العملة والمضاربين وبالرغم من الجهود المبذولة في هذا الصدد فإن سعر صرف الدولار تجاوز 3.5 دينارات ليبية الأمر الذي اضطر السلطات الليبية لطبع ملايين الدينارات لزيادة متوسطات الاجور دون ان يكون لها غطاء من العملات الأجنبية, وتقييد المصرف المركزي الليبي خروج الأموال الا في حدود ضيقة. ويتوقع الخبير الاقتصادي حمدي عبد العظيم ان تتجه السلطات الليبية الى اتخاذ خطوات جديدة لتحرير سعر صرف الدينار وتقليص الدعم من السلع الأساسية الذي كان بنسبة تصل لنحو 95% في اطار محاولات خفض عجز الموازنة وتدبير المخصصات اللازمة لبدء انطلاق الاقتصاد الليبي الذي تعطل لنحو سبع سنوات متواصلة لاسيما وان الجانب الليبي بحاجة لنحو 13 مليار دولار سنويا لاعادة تأهيل المطارات وتنفيذ مشروعات السكك الحديدية والطرق والاتصالات التي أصيبت بشدة من جراء الحصار, مشيرا الى ان نجاح ليبيا في رفع الحصار وتنفيذ هذه المشروعات سينعكس ايجابيا على حركة التجارة والاستثمار مع جيرانها العرب وتساهم في رفع حجم المبادلات التجارية والمشاركة في المشروعات التنموية الكبيرة. واذا كانت ليبيا نجحت في تخفيف حدة الحصار من خلال الاستثمارات الخارجية والسيطرة على مؤشرات الاقتصاد الداخلي ودعم السلع الأساسية ووقف معظم المشروعات التنموية فان السودان الذي لايملك ثروات في الخارج ويقع ضمن الدول العربية غير النفطية واجه معاناة شديدة رفعت مديونيته الخارجية من 17 مليار دولار الى 23 مليار دولار بنسبة 13% من اجمالي الناتج المحلي البالغ 220 مليار دولار, وقد انعكست الاوضاع الاقتصادية الصعبة التي بلغت قيمة الدولار فيها لنحو 1550 جنيه سوداني على الأوضاع التجارية السودانية حيث تراجعت بشدة نتيجة الحصار وتوتر الأوضاع في منطقة القرن الافريقي وتعنت الجانب الأوروبي وتعسفه في مواجهة الصادرات السودانية التي تقع معظمها في المواد الخام والسلع الزراعية سريعة التلف ونتيجة لهذه الأوضاع يعاني السودان من عجز في الموازنة العامة بلغ 2.1% من اجمالي الناتج المحلي, بالاضافة لعجز في الموازنة الخارجية حيث بلغت قيمة العجز في الميزان التجاري 1.1 مليار دولار مقابل 400 مليون دولار عجزا في الحساب الجاري. ويبدو ان السودان سيكون بحاجة لضخ استثمارات جديدة في شرايين اقتصاده من خلال صناديق ومؤسسات التمويل والحكومات العربية حتى يسترد عافيته وتقدر قيمة الأموال التي يحتاجها السودان لنحو 15 مليار دولار لسداد جزء من المديونية والبدء في تنفيذ مشروعات بنية أساسية اتخاذ اجراءات تشجيعية لجذب المستثمرين وانشاء مشروعات تستغل امكانات السودان الضخمة لا سيما في مجال الزراعة والثروة الحيوانية والمنتجات الغذائية. ومن المؤكد ان المهمة في العراق ستكون صعبة للغاية فقد فقدت بغداد ثروتها بسبب خوضها حروب متتالية أفقدتها التوازن وأوقعتها في براثن حصار شامل قاس ما زال الشعب العراقي يعاني من آثاره المدمرة فالحديث في العراق الذي كان ديناره يساوي 5.3 دولارات بداية عام 1990 لا ينحصر في الدمار الشامل الذي لحق بالبنية الأساسية وكافة المشروعات والمصالح والمصانع الحيوية وانما يهتم أكثر بالشعب العراقي الذي كاد ان يهلك لولا بدء تنفيذ برنامج النفط مقابل الغذاء ليسمح للعراق ببيع بترول يمكنه من تدبير احتياجات الشعب الأساسية وتخصيص جزء منه لاصلاح جزء من قطاع النفط حتى يستمر في ضخ بتروله للخارج. ويرى عبدالستار عشرة الأمين العام لاتحاد الغرف التجارية المصرية ان الوضع الاقتصادي في العراق صعب للغاية وانه كلما بدأت بغداد تتخذ خطوات نحو تأهيل واصلاح بعض قطاعاتها الانتاجية التي ربما تحتاج لعشرات المليارات من الدولارات تحدث مشكلة وتتعرض للضرب الذي يعيدها إلى ما تحت الصفر, موضحا ان التأهيل الجزئي لقطاع النفط فقط بحاجة لنحو 16 مليار دولار بالاضافة لمبالغ مماثلة لقطاعات الصحة والمواصلات والاتصالات, مشيرا إلى ان الأزمة الأخيرة التي ألمت بالعراق أثرت بوضوح على علاقاته التجارية مع جيرانه العرب التي كانت تتم من خلال اتفاق النفط مقابل الغذاء, كما أفقدت العراق تعاطف بعض الدول الغربية والاقليمية التي كانت تسعى لابرام صفقات تجارية وصناعية للمساهمة في تخفيف حدة خسائر الحصار على الشعب العراقي. وأوضح ان فقدان الاقتصاد العربي للعراق والسودان وليبيا بالاضافة إلى فلسطين التي تعاني من سيطرة الجانب الاسرائيلي على 90% من تجارتها ويحرمها من علاقات تجارية متوازنة مع اشقائها العرب, وكذلك الأوضاع المتردية في الصومال وتواضع القدرات التجارية لدول عربية أخرى مثل جيبوتي وموريتانيا, وعدم استقرار الأوضاع في الجزائر كل هذه العوامل انعكست بالسلب على الميزان التجاري العربي الذي يعاني من عوامل خارجية أخرى ومشاكل قديمة ومزمنة في الشحن والجمارك وحرية تدفق الأفراد ورؤوس الأموال والبضائع بين الدول العربية الأمر الذي ضاعف من تأزم الموقف لا سيما خلال العام الحالي الذي جاء بانخفاض حاد في أسعار البترول وأزمات اقتصادية عاصفة محيطة بالوطن العربي. تحقيق يوسف شاكر