ترى الأوساط الاقتصادية والسياسية المغربية ان التعاون المغربي - الأوروبي يمر بمرحلة دقيقة بعدما أقر البرلمان الايطالي مؤخرا اتفاقية الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي منهيا بذلك عملية المصادقة عليها من قبل البرلمانات الأوروبية, حيث يرتقب ان يشكل الطرفان مجلسا مشتركا على المستوى الوزاري يضم أعضاء من الحكومة المغربية ودول الاتحاد الأوروبي ولجنة المجموعات الأوروبية لاتخاذ القرارات المتعلقة بالابرام النهائي للاتفاقية. وتنص الاتفاقية, التي كانت قد وقعت في 26 فبراير ,1996 على اجراء حوار سياسي منتظم حول جميع المواضيع ذات الاهتمام المشترك, واقامة منطقة حرة للتبادل التجاري بصورة تدريجية, خلال فترة انتقالية مدتها 12 عاما على أبعد تقدير من تاريخ دخول الاتفاقية حيز التنفيذ, تمشيا مع قواعد منظمة التجارة العالمية, وستلغى منذ العام الأول الحقوق الجمركية والاقتطاعات الضريبية المطبقة عند الاستيراد على معدات التجهيز بينما ستستفيد المنتوجات غير المصنعة محليا والمواد الأولية وقطع الغيار من تخفيض قدره 25% سنويا خلال الأعوام الأربعة الأولى من تنفيذ الاتفاقية. وبعد مرور ثلاثة أعوام على دخول الاتفاقية حيز التنفيذ, سيتم تقليص الحقوق والرسوم الجمركية بنسبة 10% سنويا بالنسبة للمنتوجات المصنعة محليا. وبموجب الاتفاقية يمكن للمغرب أن يصدر منتوجاته الصناعية إلى المجموعة الأوروبية دون خضوعها للرسوم المماثلة وكذلك بدون تقييد كمي أو اجراءات ذات طبيعة مماثلة. وبخصوص المنتوجات الزراعية ومنتوجات الصيد البحري, تقضي الاتفاقية أن يعمل المغرب والاتحاد الأوروبي بصورة تدريجية على تحرير مبادلاتهما بشكل أكبر على أن يبحث الطرفان ابتداء من أول يناير 2000 الوضعية بهدف تحديد الاجراءات التحريرية التي ستطبق ابتداء من أول يناير 2001. وسيقدم مجلس الشراكة المرتقب تشكيله قريبا التوصيات اللازمة لتحقيق هذا الهدف على أن تتم دراسة أولية لهذه المسألة في أجل أقصاه خمسة أعوام بعد دخول الاتفاقية حيز التنفيذ في حين ستتم دراسة قطاعات النقل البحري الدولي بمجرد دخول الاتفاقية حيز التنفيذ. وسيحترم كل من الطرفين التزاماته طبقا لمقتضيات منظمة التجارة العالمية, خصوصا المتعلقة منها بمنح وضع الدولة الأكثر أفضلية من قبل قطاعات الخدمات التي يشملها هذا الالتزام. وتتضمن الاتفاقية مقتضيات أخرى تنص على ان الأداءات الجارية المتعلقة بالمعاملات التجارية لا تخضع لأية قيود, وعلى ضمان الانتقال الحر لرؤوس الأموال الخاصة بالاستثمارات المباشرة في المغرب, والتعاون في مجال مكافحة المخدرات ومحاربة تبييض الأموال وحماية حقوق الملكية الثقافية والصناعية والتجارية, وضمان حقوق عمال كلا الطرفين الذين يعملون بصفة قانونية لا سيما ما يتصل منها بظروف العمل والترقية والخدمات الاجتماعية الممنوحة. ويذكر أن البرلمان الايطالي كان آخر برلمان في الاتحاد الأوروبي يصادق على الاتفاقية, حيث أقرها مجلس النواب بأغلبية 224 صوتا مقابل 57 صوتا, بينما كان مجلس الشيوخ قد صادق عليها في فبراير المنصرم. ولا تخفي الأوساط الاقتصادية والسياسية المغربية قلقها وامتعاضها من الطريقة التي يتعامل بها الأوروبيون مع ملف التعاون مع المغرب, وازاء عدم توفر ظروف الاندماج الاقتصادي التي أوصى بها مؤتمر برشلونة (1995) حين وضع برنامجا محددا يمتد على 15 عاما, يفضي إلى اقامة منطقة للتبادل الحر بين ضفتي المتوسط الشمالية والجنوبية على غرار تجربة (نافتا) في شمال القارة الأمريكية (كندا, الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك). وتشمل التحديات المنتظرة انفتاحا اقتصاديا وتجاريا وتكنولوجيا. ورغم ان المغرب ليس بمفرده في هذه المعادلة باعتبار ان الأمر يشمل 12 بلدا متوسطيا ستقيم على مراحل شكلا من أشكال الشراكة والانفتاح على السوق الأوروبي, فإن وضعية المغرب تبدو مختلفة نظرا لكونه أول بلد في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط وقع اتفاقيات مع المجموعة الأوروبية تعود إلى ,1969 وبهذا المعنى فهو يملك أقدم نسيج من العلاقات الاقتصادية مع أوروبا حين كانت ست دول منها متكتلة في تجمع اقتصادي أصبح الآن يضم 15 دولة مختزلة في اسم (الاتحاد الأوروبي) , ولأن المغرب يمثل أقرب دولة متوسطية إلى القارة الأوروبية, وثالث أهم شريك تجاري واقتصادي في المنطقة. ومن الواضح ان قمة برشلونة الأرو-متوسطية, أسست لمشروع على جانب كبير من الأهمية يستهدف تنمية العلاقات بين ضفتي المتوسط في المجالات السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية والثقافية, وبهذا المعنى, فإن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى جعل منطقة المتوسط أكثر سلما واستقرارا وأمنا من خلال اعتماد خطط للتنمية والتضامن الحقيقي بما يخدم تطلعات ومصالح شعوب المنطقة, وبالتالي فإن اتفاقية الشراكة المغربية - الأوروبية, مؤسسة على خلفية الاتفاق الأوروبي - المتوسطي. والسؤال المطروح هو هل ان المغرب مؤهل لمثل هذه الاستحقاقات, ذلك ان التحديات المتوقعة كبيرة بالقياس إلى الماضي, بعدما أصبح مفتوحا بالكامل على أوروبا, وداخل محيط دولي أوسع يجبره على التكيف معه ويدعوه في نفس الوقت إلى الاحتفاظ بشخصيته الذاتية لكي لا يذوب في هذا المجتمع الجديد الذي يتشكل من نحو 30 دولة تضم ما بين 600 و800 مليون نسمة, ويحتكر حوالي 40% من التجارة العالمية. وقد بدا واضحا خلال المفاوضات العسيرة مع الاتحاد الأوروبي ان ابرام اتفاقية التبادل الحر كان في نظر الأوروبيين يتوقف على ما سيجنونه من اتفاقية الصيد البحري, وكان الاتحاد الأوروبي يريد من المغرب أن يقدم البديل عما سيجنيه من شراكته مع الدول الأوروبية. لكن هذا الحساب كان خاطئا من الأساس لسببين اثنين هما: أولا: ان فتح باب الصيد البحري على مصراعيه أمام الأساطيل الأوروبية وخصوصا الأسطول الاسباني لن يكون مضرا للمغرب فقط, بل حتى بالنسبة للأقطار الأوروبية, لان الاستغلال الفاحش لمخزون الأسماك في الشواطئ المغربية سيؤدي إلى انقراض مصادرها, كما ظهر ذلك واضحا من خلال الدراسات والأبحاث ومن الممارسة أيضا, وأضحت الأوساط الايكولوجية والعلمية في أوروبا مقتنعة بما توصل إليه المغاربة وبما كانوا قد نبهوا إليه أثناء مراحل المفاوضات حول الصيد البحري. لذلك رفض المغرب تجديد الاتفاقية الموقعة بينه وبين الاتحاد الأوروبي بهذا الخصوص والتي سينتهي مفعولها في نوفمبر المقبل. ثانيا: ان اتفاقية اقامة منطقة للتبادل الحر لا توجب الارتباط باتفاقية للصيد البحري التي هي اتفاقية ظرفية تخضع لاعتبارات مختلفة, وان تجديدها أو عدم تجديدها لا يخضع لأي التزام مفروض أساسا, وبالتالي يتعين وضع الشراكة في اطارها الصحيح, أي مساعدة الشريك المغربي على أن يكون قادرا على الاندماج في السوق الأوروبية أخذا وعطاء. وتعتقد الأوساط المغربية ان اقامة منطقة للتبادل الحر تقتضي العمل على احداث توازن في المبادلات التجارية, وقبل ذلك تقتضي مساعدة المغرب على تحقيق التنمية الاقليمية, مثلما حدث بالنسبة للدول المندمجة في السوق الأوروبية المشتركة منذ انطلاقها كايطاليا والدول التي التحقت بها كاليونان واسبانيا والبرتغال. ولاحداث التوازن في المبادلات لابد من أن تؤخذ خصوصيات كل من قطاعي الزراعة والصناعة بعين الاعتبار. والواقع, ان القطاع الزراعي المغربي هو وحده القادر على التخفيف من اختلال ميزان المبادلات التجارية مع الاتحاد الأوروبي, وهو اختلاف يحدث عجزا بنسبة تفوق 40%. ومعنى هذا ان هذا القطاع يعد عاملا مركزيا في مساعدة المغرب على الاندماج في السوق الأوروبية المشتركة. وقد عرفت الأسابيع الأخيرة سلسلة من الاجتماعات واللقاءات بين رجال الأعمال المغاربة لدراسة كل الانعكاسات المؤكدة والمحتملة على مجمل الانتاج المغربي بعد قيام منطقة التبادل الحر والاجراءات والتدابير الواجب اتخاذها لمواجهة تلك الانعكاسات أو التخفيف من حدتها. وتردد ان النسيج الاقتصادي الوطني سيفقد ثلث مقاولاته التي لا تحتمل منافسة نفس ما تنتجه المقاولات الأوروبية. بينما سيكون الثلث الثاني من المقاولات المغربية قادرا على التكيف بعد استعدادات كثيفة في المراحل الانتقالية الممتدة إلى عام ,2010 أما الثلث الأخير فهو الذي عبر بمفرده منذ بداية مفاوضات الشراكة عن استعداده لدخول امتحان المنافسة فورا. وتفيد المؤشرات ان في استطاعة القطاع الزراعي المغربي أن يخفف من اختلال ميزان المبادلات التجارية مع الاتحاد الأوروبي وهو اختلال يفوق نسبة 60%, لكن الملاحظ ان الدول الأوروبية لا تبدي الاستعداد اللازم لفتح الأبواب أمام المغرب لاستغلال الامكانيات المتوفرة في الأسواق الأوروبية وبالتالي استيعاب المنتوجات الزراعية المغربية, فبالرغم من ان الواردات الأوروبية من المغرب لا تشكل إلا نسبة ضئيلة فإن الأوروبيين لا يفتؤون يضعون العراقيل التي تذهب إلى حد التناقض مع اتفاقيات (الجات) الرامية إلى اقرار حرية التجارة على الصعيد الدولي. أما بالنسبة للقطاع الصناعي فإن الأوروبيين يدركون ان رفع الحواجز الجمركية الذي يطالبون به لا يمكن الاستجابة إليه في الظروف الحالية لان الصناعة في المغرب لم تصل بعد إلى مستوى تحمل منافسة الصناعة الأوروبية المتطورة. رغم ان المغرب شرع في تخفيض الرسوم الجمركية ابتداء من يناير الماضي وعلى مدى أربع سنوات, أي إلى نهاية عام ,2000 حيث سيتم خلال هذه الفترة خفض الرسوم على التجهيزات وقطع الغيار والموارد الأولية المستوردة. وبعد هذا التاريخ سيتم الشروع ابتداء من يناير 2000 في تخفيض باقي معدلات الرسوم الجمركية بنسبة 10% كل عام حتى نهاية ,2009 أي عشية قيام منطقة التبادل الحر التي تصبح فيها المبادلات بلا رسوم حمائية. وإذا كان المغرب يتلقى مساعدات أوروبية على شكل قروض أو هبات أو استثمارات, لكن الأرقام التي يقدمها الأوروبيون لا تستجيب لمتطلبات توفير الشروط الأساسية لشراكة حقيقية, وأول مثال لتقييم تلك المساعدة يكمن في المساهمة الأوروبية في تنمية منطقة شمال المغرب التي تدخل فيها اعتبارات أخرى اضافة إلى اعتبارات اقامة منطقة للتبادل التجاري, ونعني بها محاربة المخدرات والهجرة السرية إلى أوروبا. فالملاحظ ان المساعدات الأوروبية في هذا المجال لا ترقى إلى ضخامة العمل الذي يجب انجازه في هذه المنطقة. اضافة إلى ذلك ينازع المغرب في ادعاء الأوروبيين بأن ما يقدمونه من اعانات يستوفي متطلبات الشراكة. ذلك ان الكثير من المساعدات التي يتحدثون عنها هي في الواقع مبالغ أدمجت وبشكل تعسفي فيما لا يمكن ادخاله في هذا الباب كالقرض الخاص بتشييد خط أنابيب الغاز المغاربي - الأوروبي وكل الاتفاقيات الثنائية بين المغرب والدول الأوروبية. ومثل هذه المقاربة في تناول هذا الموضوع ليست سليمة لانها تخلط بين ما تصح عليه صفة المساعدات وما لا تصح في حقه تلك الصفة. وحتى لو تم التسليم بما تقوله الأوساط الأوروبية فإن المساعدات المقدمة للمغرب لا ترقى إلى ما تتطلبه آفاق الشراكة الاقتصادية, وقد سبق وأن أشارت المراجع المغربية إلى كون المساعدات الأوروبية الخاصة باندماج دول أوروبا الشرقية في الاتحاد الأوروبي تعادل 41 مرة المساعدات المقدمة لمجموع أقطار جنوب حوض البحر الأبيض المتوسط. الرباط - رضا الأعرجي