إن النظام المالي والمصرفي يعد عصب الحياة الاقتصادية المعاصرة, وقد ساهم اندفاع البنوك التجارية في الدول الآسيوية - خاصة كوريا الجنوبية - نحو الاقتراض من الخارج والتوسع غير المراقب في الاقراض الداخلي للمشاريع المتعثرة في ظهور الأزمة المالية وتعميق حدتها. كما كان لاقبال هذه البنوك على الاستثمار في الأسواق المالية بصورة كبيرة المساهمة في افلاس العديد منها. من هنا يصبح من الأهمية بمكان القول بضرورة احكام الرقابة على البنوك العاملة في دول المجلس بوضع ضوابط ومعايير مالية كمية ومحددة لسياساتها الائتمانية في مجال الاقتراض والتمويل والاستثمار في الأسواق المالية الدولية والمحلية على حد سواء. فكما هو معلوم تستثمر البنوك الخليجية قسما كبيرا من أموالها في الأسواق المالية وفي الأسواق الدولية المتغيرة, وبالتالي هناك حاجة ماسة للتأكد من سلامة المراكز المالية لهذه البنوك على الدوام كي لا تفاجأ بعدم سلامة أداء هذه البنوك, بما يؤثر على الاستقرار الاقتصادي الذي تتمتع به دول المجلس. إن العمل على تشجيع وحفز تدفقات الاستثمار الأجنبي ليس مطلبا لذاته, بل هو وسيلة لدعم وتعزيز النمو الاقتصادي. وقد تركز معظم الاستثمارات الأجنبية المتدفقة على الدول الآسيوية في شكل محافظ مالية من قبل المضاربين الدوليين. ويسعى هؤلاء - كما هو معلوم للجميع - إلى تحقيق الأرباح السريعة غير آبهين بالانعكاسات الاقتصادية لاستثماراتهم. وتتأثر القرارات الاستثمارية للمضاربين بجميع العوامل الطارئة في المجالات السياسية والاقتصادية. وقد كان انسحاب هؤلاء السريع من الأسواق المالية الآسيوية الشرارة التي أشعلت فتيل الأزمة المالية فيها والتي لم تنطفئ جذوتها إلى الآن. ويجب أن يشكل ما حدث للدول الآسيوية درسا نافعا لدول المجلس بحيث يدفعها إلى تشجيع تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة للاستثمار في المشاريع الانتاجية طويلة الأجل التي تخدم وتعزز من أدائها الاقتصادي, وأن تعمل على فتح أسواقها المالية للاستثمار الأجنبي بكثير من التروي والتدرج حتى لا تصبح هذه الأسواق رهينة لقرارات المضاربين المزاجية والمتقلبة. لقد فوجئ العالم بسرعة حدوث الأزمة المالية وضراوتها وعمق تأثيرها على الاقتصادات الآسيوية, وقد ساهم في هذا الأمر غموض الكثير من السياسات والممارسات الاقتصادية لكل من صناع القرار الاقتصادي في هذه الدول, وعدم نشر كافة المعلومات الصريحة والواضحة عن أداء المؤسسات الانتاجية والمالية, بحيث فوجئ العالم بسرعة تهاوي بعض من هذه المؤسسات في وقت كانت المعلومات المنشورة تفيد بسلامة ومتانة أوضاعها. لذلك لابد من أن تستفيد دول المجلس من هذا الأمر بالعمل على احداث مزيد من الشفافية والوضوح في سياساتها واجراءاتها الاقتصادية, واطلاع كافة المهتمين من رجال أعمال ودارسين وغيرهم على حقيقة أداء المؤسسات الاقتصادية المالية والصناعية والزراعية, العامة منها والخاصة, لكي يكون الجميع على علم تام بأوضاعها المالية, للعمل على اصلاح أي خلل أو تجاوز في الوقت المناسب قبل أن يستفحل أثره ويصعب مواجهته. كما ان الدول الآسيوية قبل وأثناء الأزمة المالية التي تعرضت لها كانت بحاجة ماسة إلى اجراء اصلاحات هيكلية على أدائها ومؤسساتها الاقتصادية. غير ان تباطؤ هذه الدول في اجراء الاصلاحات المطلوبة - خاصة في السياسات المالية والنقدية - عامل حاسم في ظهور الأزمة المالية في وقت كان يمكن احتواؤها. لذلك كله لابد من ادراك أهمية القيام بالاصلاحات الاقتصادية المناسبة بالسرعة المناسبة دون أي تردد في دول المجلس من خلال دراسة الاختلالات الاقتصادية التي تعاني منها وتبني الاستراتيجيات والسياسات الكفيلة بعلاجها قبل أن يأتي الوقت الذي لا يجدي فيه الاصلاح والتغيير. ان على دول المجلس العمل على تنويع بنيتها وهياكلها الاقتصادية, فالتنوع هو الحصيلة الأولى ضد أي تغييرات فجائية في المجال الاقتصادي. فقد كانت الدول الآسيوية الأقل تنوعا في هياكلها الاقتصادية أشد عرضة وتأثرا بالأزمة المالية الطاحنة التي ألمت بها. كذلك فإن تعزيز التكامل الاقتصادي بين دول المجلس ومع بقية الدول العربية سيوفر لهذه الدول ملاذا آمناً يمكن اللجوء إليه في الأوقات العصيبة حيث يمكن أن تشكل العلاقات الاقتصادية الخليجية والعربية بديلا مقبولا للعلاقات الاقتصادية الدولية في وقت الأزمات والتقلبات. وأخيرا فإن الأزمة المالية العصيبة التي تعرضت لها الدول الآسيوية يمكن أن تتيح فرصة مناسبة لدول المجلس لاعادة النظر في الكثير من السياسات والممارسات الاقتصادية الحالية بما يعمل على دعم الجوانب الايجابية فيها وتجاوز جوانبها السلبية في الوقت المناسب وبالطرق التي تتلاءم مع الأوضاع والظروف الاقتصادية والاجتماعية لهذه الدول, وإلا فإن ظلال الأزمة المالية التي عصفت بالدول الآسيوية يمكن أن تلقي بظلالها على الغير. ودول المجلس لديها من الامكانات والقدرات الذاتية ما يجعل من الأزمة الآسيوية عبرا ودروسا لا واقعا ملموسا.