إنه خبر طيب حقا. فعندما تتوقف السيارة يبدأ البحث عن سيارة ذات بطارية مشحونة كي نصلها ببطارية السيارة المتوقفة, يؤدي ذلك إلى نقل شحنة كهربية أولية تكفي لتحريك السيارة المتوقفة, ثم يذهب كل إلى حال سبيله. هذا الذي يسميه الأمريكيون (جمب ستارت) هو مغزى ما انفردت به (البيان) أمس من معلومات عن اعتزام مصرفين وطنيين كبيرين إطلاق محفظتين استثماريتين في الأسهم المحلية برأسمال مليار درهم, أي بواقع 500 مليون درهم لكل منهما. هاتان المحفظتان ستلعبان دور صانع السوق في هذه اللحظة التي نحتاج فيها بصورة ماسة إلى من يؤدي هذا الدور. ويأتي هذا القرار الشجاع من المصرفين الوطنيين بعد تخوفات من مصارف أخرى كثيرة, وحسابات طالت أكثر مما ينبغي من دون أن يكون لها مبرر مقنع. فعلى الرغم من هذا المناخ النفسي ـ الذي نعرفه ونقدر أسبابه ـ والذي بات يحيط بسوق الأسهم لدينا, فإن هذه السوق تمتلأ الآن ببعض أفضل فرص تحقيق الربح بالمرة.. الأسهم رخيصة, أقل من قيمتها (العادلة) ـ أي التي تتناسب مع أداء الشركات ـ بصورة واضحة, واقتصادنا الوطني يرتكز على أسس ثابتة ويحقق معدلات نمو مرضية, وسحابة انخفاض أسعار النفط انقشعت, بل إن البعض الآن يخشون من مواصلة هذه الأسعار لارتفاعها حتى لا يتسبب ذلك في ردة فعل معاكسة في وقت لاحق! يبقى سببان فقط بوسعهما تفسير هذا السبات العميق الذي تعاني منه سوق الأسهم. الأول هو عنصر نفسي مفهوم وذلك بعد أن احترقت أصابع كثيرة في سيرك الصيف الماضي. والثاني يتعلق بمقدار السيولة المتاحة لدى صغار المستثمرين ممن يشكلون ـ بتجمعهم ـ رافدا أساسيا من روافد المعاملات. أما العنصر النفسي فهو لن يزول بممارسة السحر والشعوذة, أو بدعوة الناس من فوق كل المنابر المتاحة للعودة إلى سوق الأسهم. ذلك أن الأمر يشبه حكاية البيضة والدجاجة. فالناس لن تعود إلا إذا رأت أن بوسعها تحقيق قدر معقول من الأرباح. ولكن هذه الأرباح لن تتحقق إلا إذا نشطت التداولات, أي إلا إذا عاد الناس. مشكلة.. وحلها الوحيد هو في إيجاد لاعب قادر على أن يؤدي دور صانع السوق. يدخل هذا اللاعب فيشتري, أي يزيد من وزن كفة الطلب, فيبدأ الميزان في التحرك ثانية, بعد أن كان قد تجمد عند رجحان كبير لكفة العرض. من هنا تأتي أهمية هذين الصندوقين الجديدين. لن نتناول هنا ما يتعلق بحجم الاستثمار بصفة عامة أو بمعدلات الادخار, أي بما يسمى على نحو شائع بالسيولة. إذ يرى البعض ضرورة بدء عدد من مشروعات البنية التحتية الكبيرة كحل لهذة المسألة, فيما يعتقد آخرون أن على البنوك أن تعيد النظر في سياسات الإقراض ونسبة الفوائد. كل ذلك ضمن مقترحات متداولة تستحق النقاش في مناسبة لاحقة. أما الآن فإن علينا أن نتوقع ترجمة فورية من سوق الأسهم لهذا الخبر الطيب, أي خبر دخول مليار درهم إلى كفة الطلب.. سيبيع الآن من لم يستطيعوا البيع من قبل, وسيشتري من كانوا مترددين في الشراء. وحتى صناع السوق الجدد المتمثلين في هاتين المحفظتين الاستثماريتين الجديدتين فمن المتوقع أن يحققوا ربحا طيبا.. سيشترون أسهما رخيصة, وسيحركون السوق, ليصبح بوسعهم بعد ذلك تداولها بربح معقول. أمر واحد فقط يتحتم التحذير منه في هذه اللحظة التي تشهد عودة الحياة إلى سوق الأسهم.. على أولئك الذين ينوون العودة إلى السوق الآن أن ينزعوا عن خيالهم أوهام تكرار ما حدث في الصيف الماضي. فقد كان هذا الـ(ما حدث) استثناء مؤلما يجب أن نأمل جميعا ألا يتكرر, بل يجب أن نبذل جهدا كبيرا حتى لا يتكرر. وأول خطوة في هذا الجهد أن يكف من سمعناهم يغردون بلا توقف في الصيف الماضي عن الكلام. فقد تسببوا بثرثرتهم ـ ضمن أسباب أخرى ـ في ما حدث. فقد كان مقصودا من هذه الثرثرات التحكم في أسعار الأسهم على نحو يحقق ربحا للبعض, وخسائر للأغلبية. ثم تأتي خطوة الدقة في ضخ المعلومات, بدءا من رصدها إلى نشرها, وهي مسؤولية أطراف كثيرة تبدأ من المصرف المركزي وتنتهي بأجهزة الإعلام. لدينا الآن آمال كبيرة بعودة السوق إلى الحركة, وهي خطوة كانت ضرورية قبيل إعلان البورصة, ثم إنها خطوة تستدعي أن نقدر للمصرفين الوطنيين الكبيرين إحساسهما بالمسؤولية تجاه سوق الأسهم, وتجاه مستثمرينا ممن سيجنون أرباح هذا القرار الحكيم, والمربح. كتب- عصام الدين عبدالعزيز