(السياسة النقدية في أي دولة انما هي مجموعة الاجراءات والأساليب التي تتخذها السلطة النقدية والتي من شأنها تغيير كمية المعروض من النقود وبالتالي سعر الفائدة سعياً نحو تحقيق الأهداف الاقتصادية في هذه الدولة من خلال التوظيف الأمثل للموارد الاقتصادية وبالتالي تحقيق الاستقرار العام للأسعار. وبمعنى آخر فإن الهدف الرئيسي للسلطة النقدية انما يتمثل في تحقيق التوازن بين الكتلة النقدية ـ عرض النقد ـ وحاجة المعاملات (حجم السلع والخدمات) الى النقود - الطلب على النقود - وبالتالي تحقيق الاستقرار النقدي وتحقيق النمو الاقتصادي في الدولة. ومن هنا فإن الدور الرئيسي الذي يطلع به المصرف المركزي أو أي سلطة نقدية أخرى انما يتمثل في رسم وتنفيذ السياسة النقدية واتخاذ الأدوات المناسبة لتنفيذ تلك السياسة التي تكفل تحقيق الأهداف الاقتصادية في الدولة. فالمصرف المركزي يتدخل عندما يمر الاقتصاد القومي في حالة الركود الاقتصادي بأن يتبع سياسة نقدية توسعية بهدف زيادة المعروض من النقد وبالتالي تخفيض أسعار الفائدة لكي يعود التوازن بين مقدار النقود وبين حجم المنتج من السلع والخدمات بحيث يصبح مقدار المنتج من السلع والخدمات يتناسب مع الكتلة النقدية (العرض والطلب ). وعندما يمر الاقتصاد القومي في حالة من التضخم والتي تحدث عندما يكون حجم الانفاق أكبر من السلع والخدمات المنتجة في الاقتصاد فإن المصرف المركزي أو السلطة النقدية تنتهج سياسة نقدية انكماشية بهدف تخفيض عرض النقد وبالتالي ارتفاع سعر الفائدة ليعود الاقتصاد القومي الى حالة من التوازن والاستقرار. ولكن لا بد من الاشارة الى ان هذا الأسلوب أو الاجراء الذي يمكن أن تتخذه السلطة النقدية مبني على أساس نظرية كمية النقود. ولكن لم يعد الطلب على النقود بهدف المعاملات وحسب وانما بهدف الاكتناز وبالتالي المضاربة. ومن هنا يبرز دور السياسات المالية المتمثلة في جانبيها الدخل والانفاق في التأثير على المتغيرات الاقتصادية كمكملة للسياسة النقدية) . أهداف السياسة النقدية وأدواتها أولاً: أهداف السياسة النقدية: ان دراسة السياسة النقدية في أي دولة ودور السلطة النقدية في تنفيذ تلك السياسة يتطلب التـعرف على أهـداف السياسة الاقتصاديـة العامـة للدولـة والتركيـبة الاقتصاديـة والنقديـة في هذه الدولـة, وكذلك التعرف على البيئة الاقتصادية التي يتطلب من السلطة النقدية في ظلها ان تقوم بدراسـة طبيـعة الجهاز المصرفي ومكوناته وتركيبة السـوق النقدية, وتحديد مسار النشاط المصرفي بما يخدم وهذه الاهداف. واجمالاً فإن مدى قيام السلطة النقدية بدورها في تحقيق أهداف السياسة النقدية يعتمد بالأساس على تلك العوامل والظروف, ولكن في أي تشريع حديث للسلطة النقدية سواء كانت هذه السلطة على هيئة مؤسسات نقدية أو مصارف مركزية لايختلف الحد الأدنى من المهام والمسؤوليات التالية اللازمة لتحقيق أهداف السياسة النقدية:ـ أولا ً : تنظيم السياسة النقدية بهدف دعم النقد والمحافظة على استقراره في الداخل والخارج, وصولاً الى اسهام فاعل في تحقيق النمو الاقتصادي المطرد. ثانـياً: العمل على ضبط وتوجيه سياسة الائتمان وتأكيد توفير الائتمان المحلي بالكمية والنوعية التي تسهم بدورها في دفع عجلة التنمية. ثالثـاً: الاسهام من خلال السياستين النقدية والائتمانية في خلق الأجواء المناسبة لتنفيذ وتنمية عوامل الادخار والاستثمار القومي. رابعـاً: الاسهام في معالجة أوضاع موازين المدفوعات عن طريق السياسات النقدية والمالية. خامساً: ادارة احتياجات البلاد من الذهب والعملات الأجنبية. سادساً: تنظيم المهنة المصرفية وممارسة دور مصرف الحكومة ومصرف المصارف (المقرض الأخير). ثانياً: أدوات السياسة النقدية: وحتى تقوم السلطة النقدية بتنفيذ أهداف السياسة النقدية بالشكل الامثل لابد وان تختار الأدوات النقدية المناسبة. وتختلف أدوات السياسة النقدية عند السلطة النقدية من دولة الى أخرى وذلك وفقا لطبيعة وظروف الأوضاع الاقتصادية لهذه الدولة عن تلك, كما تختلف أولويات تطبيق تلك الادوات من مرحلة الى أخرى طبقاً لطبيعة ولأهداف السياسة الاقتصادية العامة والتي تأتي أهداف السياسة النقدية جزءا منها. وبالرغـم من الاخـتلاف في هـذه الأدوات والوسائل ألا أن هناك أدوات نقديـة تستعملها السلطـة النقديـة في الـدول المتقدمـة والتي لا تخرج عن الأدوات التاليـة: أ) سعر الفائدة بأشكالها المختلفة. ب) أدوات السوق المفتوحة, وأدوات الدين العام والأوراق المالية والخصم. ج) سعر الصرف. د) ممارسة الاصدار النقدي. هـ) الرقابـة على المصارف وأدوات ضـبط الائتمـان (النسـب المختلـفة للاحتياطيات ). و) المهام الحكومية الأخرى كمستشار مالي للحكومة ومراقبة الأسواق المالية. ولا بد من الاشارة الى ان السلطة النقدية حينما تقوم بتنفيذ السياسة النقدية في الدولة فانما تحدد أولويات أهداف السياسة النقدية, وبالتالي اتخاذ المناسب من الأدوات النقدية والتي من شأنها تحقيق تلك الأهداف وذلك انطلاقاً من معرفة السلطة النقدية بالسياسة الاقتصادية العامة للدولة والتنسيق مع السياسة المالية باعتبارها الجانب الآخر والتي يصعب على السلطة النقدية تنفيذ أهدافها دون انسجام السياسة النقدية مع السياسة المالية أو في حالة تعارض بين السياستين. وبالرغم من أهمية تحقيق أهداف السياسة النقدية المشار اليها آنفاً فإن مسؤولية السلطة النقدية تأتي بالدرجة الأولى في ضبط وتوجيه الائتمان ومراقبته وذلك نظراً لأهمية الائتمان في النشاط الاقتصادي باعتباره مصدراً اساسياً لتمويل النشاط الاقتصادي وعاملاً مهماً في تحقيق النمو الاقتصادي, وهو شريان الحياة الاقتصادية في أي دولة تنشد التنمية والاستقرار الاقتصادي. فالائتمان اذا لم يدر بقدرة ورقابة جيدة فإنه قد يؤثر على الاقتصاد بشكل سلبي بل وقد يتسبب في انهيار اقتصادي. ومن هنا فإن توجيه وضبط ومراقبة السياسة الائتمانية وتوفير الائتمان بالكمية والنوعية التي تخدم الاقتصاد وتساهم في تحقيق التنمية الاقتصادية يعتبر من الوظائف الرئيسية للسلطة النقدية. ومتى ما تحقق هذا الهدف الرئيسي للسياسة النقدية فإن الأهداف الأخرى سوف يسهل تحقيقها أو تنفيذها من قبل السلطة النقدية. والسلطة النقدية حينما تقوم بمراقبة وادارة الائتمان في الدولة انما تحقق من خلال ذلك الاستقرار في سعر العملة حيث تقوم السلطة باتباع مجموعة من الوسائل والقواعد النقدية في تحقيق الاستقرار في أسعار الصرف لما لهذا الاستقرار من أهمية في تحقيق الثقة الدولية في اقتصاد الدولة وجعل التجارة الدولية تقوم على أوسع نطاق. كذلك فإن مراقبة الائتمان وادارته بدقة ومتابعته انما يحقق الاستقرار في المستوى العام للأسعار والتقليل من حدة التقلبات الاقتصادية. فالتغير في المستوى العام للأسعار يؤدي الى حدوث اضطرابات كبيرة في العلاقات الاقتصادية سواء فيما بين المتعاملين داخل الدولة أو في العلاقات الاقتصادية الدولية, بينما يؤدي الاستقرار في الأسعار الى القضاء على الاختلالات الاقتصادية. من ناحية أخرى فإن مراقبة الائتمان وادارته بعناية من قبل السلطة النقدية انما يؤدي الى استقرار سوق النقد من حيث مواءمة عرض النقود والطلب عليها وفي مختلف الأوقات بهدف الحيلولة دون حدوث تقلبات موسمية ولا سيما في أوقات الأزمات. وأخيرا فإن السلطة النقديـة في سعـيها نحـو مراقـبة الائتمـان وحسن ادارته انما تهـدف الى المحافظة على أعلى المستويات في الدخل والتوظيف وبالتالي تحقيق النمو الاقتصادي الذي يعتبر من الأهداف الأساسية للسياسة النقدية من المسؤوليات الرئيسية التي تضطـلع بهـا السلطات النقدية في أي دولة تنشد تحقيق النمو الاقتصادي. ومن هنا فإن السلطة النقدية سواء كانت على هيئة مصرف مركزي أم مؤسسة نقد تقوم بإدارة الائتمان وتوجيهه لخدمة السياسة الاقتصادية في الدولة من حيث التوجيه بالتوسع في منح الائتمان عندما تقتضي الظروف ذلك وتقييد الائتمان في وقت آخر, وذلك من خلال مجموعة من الأدوات والوسائل الكمية والنوعية والتي من خلالها تتمكن السلطة النقدية من التأثير على الائتمان وهي: أولاً: الوسائل الكمية: 1) سعر البنك أو سعر الخصم: وهو السعر الذي بموجبه تقوم السلطة النقدية بخصم الكمبيالات بصفتها المقرض الأخير للمصارف حيث تقوم السلطة النقدية بتقديم القروض لهذه المصارف مقابل السندات المعتمدة وبالتالي توفير السيولة اللازمة للمصارف ويمكن استخدام هذه الاداة في الأوضاع الخفيفة أو الشديدة وذلك لسهولة التحكم في سعر الخصم متى ماكان الأمر يستدعي ذلك, ولكن هذه الأداة ليست بالدرجة المطلوبة من المرونـة. 2) عمليات السوق المفتوحة: ويقصـد بها عملية الشـراء والبيـع للسنـدات والأذونات في السوق النقدي بواسطة السلطـة النقديـة مباشـرة, وذلك بهدف تحقيـق الرقابـة على سيولة المصارف التجاريـة وبالتالـي على حجم الائتمان. ولهـذه الاداة أثر مباشـر وفـوري علـى تحرير أو امتصاص الاحتياطيات النقدية للمصارف التجاريـة وبالتالي التأثير على مقدرة هذه المصارف على منح القروض. وهذه السياسة مرنـة الى درجـة كبيـرة ويمكن استخدامهـا بشكـل يومـي أو أسبوعي. 3) تغيير نسبة الاحتياطي: تعتبر هذه الاداة من الادوات الكمية التقليدية ويمكن استخدامها في الدول التي لا يكون فيها سوق نقدية متقدمة. وتتمثل هذه الاداة في احتفاظ المصارف العاملة في الدولة, بنسبة من اجمالي الودائع لديها في المصرف المركزي. وهذه الأداة لا تختلف عن الأداة السابقة حيث يمكن بواسطتها التحكم في احتياطيات المصارف بشكل فوري ولكن تختلف اداة نسبة الاحتياطي من حيث عدم امكانية استخدامها بصفة متكررة بسبب الصعوبات العملية في مواءمة الاحتياطيات الخاصة بالمصارف. وهي أداة يمكن استخدامها في سوق نقدية أقل تقدماً من السوق التي يمكن فيها استخدام عمليات السوق المفتوحة. كما انها أي سياسة نسبة الاحتياطي لا تميز بين المصارف الكبيرة والصغيرة اذ انها تفرض على جميع المصارف وفي نفس الوقت. ثانياً: الوسائل النوعية: تعتبر من الوسائل المستحدثة في ادارة السياسة النقدية بواسطة المصرف المركزي وهي تكون موجهة نحو استخدامات معينة للائتمان وليس نحو الحجم الكلي له. وهذه الوسائل تستطيع أن تحد من مقدار الائتمان الذي يمنح في عمليات معينة عن طريق الشروط التي ستطلب في منح الائتمان, والهدف من هذه الوسائل النوعية هو التمييز بين الاستخدامات الهامة وغير الهامة للائتمان المصرفي, ومعالجة القطاعات الحساسة من الاقتصاد القومي دون التأثير على الاقتصاد ككـل. كما تهدف الى الحد من المغالاة في طلب المستهلكين لبعض السلع. واجمالاً فإن الهدف من هذه الأساليب هو رقابة كافة أنواع الائتمان وتشجيع الاتجاهات الايجابية والعمل على الحد من الاتجاهات غير الايجابية. وأهم هذه الأساليب النوعية: 1) تنظيم الاقتراض بضمان السندات عن طريق تحديد الهامش المطلوب, ويقصد بالهامش هنا الفرق بين قيمة القرض والقيمة السوقية ويدخل تحديد الهامش في سلطة المصرف المركزي. 2) تنظيـم الائتمان بالنسـبة للمستهلكين وذلك من خلال وضع القواعد الخاصة بكيفية السداد والمدة القصوى للتقسيط وذلك بالنسبة لأنواع معينة من السلع الاستهلاكية. 3) الرقابة عن طريق اصدار التعليمات والتي اما أن تكون في هيئة تعليمات شفوية أو على هيئة تعليمات مكتوبة يوجهها المصرف المركزي للمصارف التجارية للحد من التوسع في الائتمان لأغـراض معينة. 4) تحديد حصة الائتمان بأن يضع المصرف المركزي حداً أقصى على المحفظة الكلية للمصارف التجارية وعلى المصارف عدم تجاوزها أو أن يحدد المصرف المركزي مقدار الحد الأدنى لرأس المال بالنسبة لأصول معينة للمصرف التجاري. 5) التأثير أو الاقناع الأدبي وذلك بأن يقوم المصرف المركزي باقناع أو رجاء المصارف التجارية للتعاون في تنفيذ السياسة النقدية التي يرسمها المصرف المركزي كأن يرجو المصرف هذه المصارف عدم تمويل عمليات المضاربة أو الأنشطة الاقتصادية غير الأساسية.