برعاية كريمة من الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع وبحضور الشيخ أحمد بن مكتوم آل مكتوم ألقى الدكتور فاروق الباز مدير مركز أبحاث الفضاء بجامعة بوسطن الأمريكية محاضرة شيقة تحت عنوان (دبي من الفضاء) ضمن فعاليات اسبوع المفاجآت العلمية وسط حضور كبير بفندق الجميرا بيتش يتقدمهم اللواء ضاحي خلفان قائد عام شرطة دبي وحسين لوتاه منسق عام مفاجآت صيف دبي وعدد من رجال الأعمال والمهتمين. تحدث الباز عن صور الفضاء وتحديد مسارات المياه الجوفية تحت الأرض مشيرا إلى أهمية المياه لتأمين مستقبل البلاد العربية حيث ان الماء في المستقبل سيكون أهم من النفط. وقال: ان الوضع الجيولوجي يحدد مسارات محددة للمياه على سطح الأرض والصور الفضائية توضح مؤشرات لأماكن تركز المياه الجوفية التي تبدأ قصتها من هطول الأمطار الغزيرة في أعالي الجبال وتجمعها في وديان صغيرة ثم في وديان أكبر حجما وهكذا وتحدد شقوق الصخور مسارات هذه الوديان فعندما تحدث حركة القشرة الأرضية فإن الصخور تتهشم فتزيد مساحتيها وتزيد كمية الأمطار من هشاشتها فتكون الوديان وتتسرب كميات كبيرة إلى باطن الأرض من خلال الشقوق. والصور الفضائية تؤهلنا للتعرف على المسارات والأماكن التي يزداد بها تركيز المياه الجوفية. مفاجآت وقال د. الباز ان لديه ثلاث مفاجآت - بناء على رغبة اللواء ضاحي خلفان - حتى تتماشى مع مفاجآت صيف دبي. المفاجأة الأولى التي ذكرها هي ان امارة دبي تعتبر صورة جيولوجية مصغرة لأي مكان في الوطن العربي لاننا لو نظرنا إلى دبي نجد ان جغرافيتها تبدأ في أعالي الجبال من حتا ثم تتدرج إلى هضاب متاخمة ثم سهل حتى تصل للساحل وهذا هو الحال المتكرر في كل مكان في الوطن العربي من المغرب وحتى عمان. معنى ذلك ان أي انسان لو فهم طبيعة امارة دبي فهما كاملا فإنه يدرس بذلك جغرافية وجيولوجية وطبوغرافية العالم العربي. المفاجأة الثانية انه من خلال دراسة لرجال الصحراء العربية اتضح لي ان ما تعلمناه أن رمال الصحراء أصلها من الرياح كان خاطئا فقد اتضح ان الرمال أصلها من المياه فعندما تمطر الأمطارفوق الجبال تتكسر الصخور وتتهشم حتى تكون هباب صغيرة تسير في الوديان حتى تصل إلى منخفضات وتكون بحيرات ويترسب الرمل في طبقات مستوية أعلى البحيرات. وبعد الجفاف تأتي الرياح لتشكل الرمال على هيئة كثبان. معنى ذلك ان المياه الجوفية حاليا متركزة أسفل الكثبان الرملية وهذه حقيقة مهمة. أما المفاجأة الثالثة هي انه من خلال دراستي للصور الفضائية اتضح ان الامارات الغربية المتاخمة لساحل الخليج كانت دلتا لانهار قديمة في مرحلة ما قبل التاريخ نتيجة للأمطار التي انهمرت من جبال عمان ثم سارت في وديان حتى ساحل الخليج ولذلك عاش الانسان القديم منذ أكثر من خمسة آلاف عام. فهذه المواقع كانت عبارة عن نهاية لأنهار صغيرة كونت دلتا ونمت فوقها مجتمعات بشرية في العصر الحجري حتى يومنا هذا. وأشار د. الباز إلى ان المنطقة الوحيدة في العالم التي تظهر بوضوح من فوق سطح القمر - كما قال رواد الفضاء - هي المنطقة العربية والسبب الصحراء الشاسعة التي تبلغ تسعة آلاف كيلو متر مربع فقد استطاعوا التعرف على جغرافية الوطن العربي من فوق سطح القمر. رغم ان الصور قالت انه منذ خمسة آلاف إلى 11 ألف سنة كانت هذه المنطقة مليئة بالنباتات والأنهار والحشائش ولكن بعد ذلك أصبح المشهد كما يبدو الآن. فالصور تؤكد ان صحراء الربع الخالي كانت عبارة عن بركة مياه في الزمن القديم بسبب هطول الأمطار من جبال البحر الأحمر وعسير وحضرموت إلى السهل المنبسط أسفلها. وأشار إلى ان هناك نوعا آخر من المياه الجوفية العذبة يتسرب إلى البحر دون أن نراه وهذا ما نقوم بدراسته في سلطنة عمان. وقال: ان هناك شقوقا كثيرة في الامارات الشمالية أهمها شق كبير من الشمال إلى الجنوب يفصل جبال عمان عن السهل الساحلي وكذلك شقوق من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي ومن الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي. وتقع منطقة حتا بموازاة هذه الشقوق التي أثرت على تكوين الوادي. وهذا يدل على ان هناك تركيزا للمياه الجوفية في تلك المناطق. فقد عاش الانسان القديم في هذه الأماكن لفترات طويلة على مسارات الوديان ولذلك نجد آثارا واضحة على ان المنطقة شهدت غزارة في الأمطار والوديان والحشائش مثل آثار بيض النعام الذي تم العثور عليه وهو ما يعني وجود حشائش وأنهار في تلك المنطقة في الماضي القديم. كذلك آثار للانسان وأدوات استخدمها في حياته المعيشية. الرادار والمياه الجوفية وقال د. الباز ان اشعة الرادار يمكنها أن تساعدنا على معرفة أماكن المياه الجوفية - هو ما حدث في الكشف عن أماكن تلك المياه في واحة الكفرة الليبية فالرادار له خاصية في اختراق رمال الصحراء لمعرفة تضاريسها. واتضح انه كان هناك نهر كبير يصل إلى واحة الكفرة. والحال ذاته في دبي والامارات فقد كان هناك الكثير من الدلتا الصغيرة في مرغم ومرقب وجزء من جبال عمان ووادي السلوم إلى سنابل فكما توضح الصور ان هناك خطوطا سوداء كثيرة كانت تأتي من جبال عمان وهي مغمورة حاليا بالرمال بالقرب من مرغم فإن هناك واديا يصل غربا. وهذا يدلل على مساحة الأراضي الخضراء في تلك المنطقة فطريق العين - أبوظبي - والفجيرة - دبي كان مسارا لوديان قديمة والنتوءات الموجودة حاليا على طول ساحل الخليج كانت دلتا لواد قديم. وقال د. الباز انه تم أخذ صور لمنطقة الخوانيج والعوير والروية عام 1984 وعام 1992 واتضح مدى الفارق الشاسع في المساحات المزروعة فقد زادت مساحة تلك الأراضي في ثمانية أعوام ثمانية كيلو مترات وهذا مجهود مشكور من دولة الامارات. وفي رده على الأسئلة قال د. الباز: ان علينا أن نحافظ على المياه الجوفية بحيث يتم حفر الآبار بشكل علمي حتى لا تتسرب اليها المياه المالحة من الخليج والحفاظ على علاقة التوازن بينهما. وأكد على ضرورة الحفاظ على المياه في الدول العربية لان القرن المقبل ستظهر مشكلة خطيرة حول المياه. كذلك يجب اتباع الوسائل العلمية الصحيحة في الزراعة في الوطن العربي بحيث لا نزرع إلا ما هو صالح للغذاء. وقد افتتح المحاضر الدكتور محمد مراد رئيس لجنة المفاجآت العلمية بكلمة أشاد فيها بتنظيم فعاليات مفاجآت صيف دبي ورحب بالدكتور فاروق الباز العالم العربي المصري الذي ساهم كثيرا في مجالات وأبحاث علم الفضاء ووجه الشكر إلى الشيخ أحمد بن مكتوم آل مكتوم لحضوره وحرصه على تشجيع العلم وتكريس القيم العربية الأصيلة. كتب عادل السنهوري