قال تقرير للغرفة العربية البريطانية تلقته غرف التجارة والصناعة في الدولة عن الاقتصاد الاوروبي وتطبيق عملة (اليورو) ان توقعات المراقبين تشير الى ان التطبيق الكامل للوحدة النقدية الأوروبية يسير وفقا للبرنامج الزمني الذي وضع له من قبل ومن ثم سيبدأ التعامل في الأسواق بعملات اليورو الورقية والمعدنية اعتبارا من أول يناير 2002 على ان يحل اليورو تماما محل العملات الوطنية الاحدى عشرة لدول منطقة اليورو اعتبارا من أول يوليو 2002 وتختفي عندئذ احدى عشرة عملة أوروبية من بينها المارك والفرنك السويسري والليرة الايطالية. واوضح التقرير بالرغم من الانخفاض المستمر لقيمة اليورو في اسواق الصرف منذ يناير تقريبا الا ان ذلك لم يؤثر على الحكم بنجاحه وجاذبيته للدول الاربع من اعضاء الاتحاد الأوروبي التي لم تنضم بعد الى الوحدة النقدية, ويعتقد المراقبون ان ثلاثا منهم وهي الدنمارك, السويد, واليونان ستطلب الانضمام مع بداية القرن الحادي والعشرين, أما الدولة الرابعة وهي المملكة المتحدة ـ فتقوم باعداد الترتيبات التفصيلية للانضمام, وسيكون القرار النهائي فيه للشعب البريطاني من خلال استفتاء شعبي. وكان تأثير اليورو على الشركات في منطقة اليورو واضحا وفوريا, حيث بدأت الشركات اعادة هيكلة أنشطتها, والبحث عن فرص التوسع من خلال عمليات الاندماج والاستحواذ, بهدف الاستفادة من الفرص الواسعة الناجمة عن وجود سوق موحدة كبرى بعملة موحدة, قوامه 290 مليون مستهلك. وبالرغم من تباطؤ النشاط الاقتصادي في دول اليورو, وبصفة خاصة في ألمانيا وايطاليا, الا ان المراقبين يرون ان الاقتصاد الأوروبي يملك من المقومات ما يكفل تحول هذا التباطؤ الى نمو سريع خلال النصف الثاني من العام الحالي وفي خلال العام المقبل ايضا, خاصة وان البنك المركزي الأوروبي قد أدى ما عليه عندما قام بتخفيض معدل الفائدة في 8 من ابريل الماضي بواقع 0.5% الى 2.5% هذا, الى جانب توفر الارادة لدى الحكومات لتطبيق السياسات التي من شأنها تحقيق الانضباط للميزانية, وتنظيم أسواق العمل والسلع للمعاونة على زيادة العمالة والتغلب على مشاكل البطالة. ولكن المشكلة الحقيقية ستكون اذا تحققت مخاوف البنك المركزي الأوروبي من ان بعض الدول الأعضاء في اليورو قد يسمحون بزيادة العجز في الميزانية والدين العام عن تلك المستويات التي فرضت عليها للتأهل لعضوية اليورو, بعد الجهود الضخمة التي بذلتها تلك الدول لتقليص العجز في الميزانية وتخفيض الدين العام خلال الفترة من 1996 الى ,98 ولاشك ان موافقة وزراء مالية دول اليورو للحكومة الايطالية لزيادة العجز في الميزانية الى 2.4% من اجمالي الناتج المحلي, اي أعلى من شرط التأهل لعضوية اليورو ـ يعتبر علامة غير طيبة من وجهة نظر المحللين. ومن ناحية أخرى, يحذر بعض المراقبين من الآثار السلبية التي قد تنجم عن الزوبعة التي حلت بالمفوضية الأوروبية في مارس الماضي, والتي أدت الى استقالة رئيس المفوضية ونوابه, وان مثل هذه الزوبعة التي تعكس نوعاً من عدم الاستقرار السياسي ـ قد يضعف اليورو مقابل الدولار, ولكن تعيين شخصية تحظى بالاحترام مثل رئيس وزراء ايطاليا السابق رومانو برودي رئيسا جديداً للمفوضية قد يساعد على اعادة بناء الثقة, بشرط توفر الوفاق بينه وبين البنك المركزي الأوروبي. ومن ناحية أخرى, فان الاتحاد الأوروبي مطالب باعداد نفسه للتوسع بضم دول من شرق ووسط أوروبا, وفشله في تحقيق ذلك سيترتب عليه أضرار اقتصادية على حد قول المراقبين. ان تباطؤ النمو في منطقة اليورو قد جاء في وقت تحقق فيه الولايات المتحدة معدلات نمو عالية نسبيا, ولكن انخفاض قيمة اليورو بنسبة 11% قد جاء في الوقت المناسب للمصدرين في دول اليورو لمساعدتهم على تنمية صادراتهم الى الدول الأخرى غير الأعضاء في منطقة اليورو والى خارج الاتحاد الأوروبي وعموما, لم يكن اليورو ـ حتى وهو في أضعف حالاته مقابل الدولار (1.0543 دولار) في ابريل الماضي ـ لم يكن أضعف من عملات الدول الاحدى عشرة لمنطقة اليورو في بداية العام الماضي (1998). هذا واذا دققنا في اقتصادات دول اليورو نجد بعض التباين, فألمانيا وايطاليا اللتان تمثلان معا نحو نصف اجمالي ناتج المنطقة ـ أبطأ نموا بالمقارنة بالدول التسع الأخرى الأعضاء في اليورو, وبعد ان سجلت المنطقة نموا في اجمالي الناتج المحلي بنسبة 3% خلال عام ,1998 فإن معدل النمو المتوقع لعام 1999 لن يتعدى 2.2% وفقا لآخر توقعات المفوضية الأوروبية في أواخر مارس ,1999 أي أقل من التوقع السابق (2.6%) ولكن المفوضية تتوقع ان يكون التباطؤ لفترة وجيزة يتحول بعدها الى نمو بمعدل 2.7% خلال العام المقبل, ويرجع تخفيض توقعات النمو للعام للحالي الى انخفاض توقعات النمو للاقتصاد الألماني (1.5%) وانخفاض النمو في ألمانيا سوف يؤدي كما هو متوقع الى انخفاض متوسط معدل النمو لمنطقة اليورو بأكملها, ويرجع السبب في تباطؤ النمو الاقتصادي في منطقة اليورو الى ما يعانيه المصدرون الأوروبيون من صعوبات من جراء وقوع الاقتصاد الياباني في الكساد, بالاضافة الى الأزمات المالية التي اجتاحت الأسواق الهامة في شرق آسيا وروسيا وأمريكا اللاتينية. ويرى المحللون ان الانخفاض في الثقة في أوساط الأعمال قد وازنه الارتفاع في الثقة في أوساط المستهلكين, والذي انعكس في ارتفاع الانفاق الاستهلاكي في معظم دول اليورو خلال العام الماضي, ولكن الموقف انعكس خلال العام الحالي وفقا لتوقعات المفوضية في أوائل مايو الماضي, والذي تضمن ان ثقة الاعمال بدأت تنتعش لتحسن الأحوال الاقتصادية بصفة عامة خارج أمريكا الشمالية, بالاضافة الى تحسن فرص التصدير للمصدرين الأوروبيين, وعلى الجانب الآخر انخفضت ثقة المستهلكين بعد ان بلغت ذروتها في يناير وفبراير الماضيين, وذلك نتيجة القلق السائد حول فرص العمالة والارتفاع في أسعار النفط واندلاع الحرب في البلقان, وسجلت منطقة اليورو حتى مارس الماضي نتائج أفضل مما كان يتوقعه الكثير من الاقتصاديين في خلق فرص العمل الجديدة, وخير دليل على ذلك انخفاض البطالة الى 10.4% في مارس 1999 بالمقارنة بنفس الشهر من العام الماضي حيث كانت البطالة آنذاك نحو 11.2%. كما ان ارتفاع معدل التضخم الى 1% في مارس الماضي بالمقارنة بنحو 0.8% خلال الأشهر الأربعة السابقة عليه, يدل على ان الرقم لا يزال بعيدا عن الحد الذي رسمه البنك المركزي الأوروبي (2%), ومن ثم لا يرى البنك المذكور أي خطر من زيادة الضغوط التضخمية نتيجة ارتفاع أسعار البترول وارتفاع الأجور في ألمانيا, ومن ثم يعتقد المراقبون ان البنك المركزي الأوروبي سوف يبقي على معدل الفائدة عند مستواه الحالي وهو 2.5% حتى خريف العام المقبل, الأمر الذي سيساعد دون شك في تحفيز النمو الاقتصادي. والبنك المركزي الأوروبي بقيادة ويليام اف دوسينبيرج يبحر من بحر الامواج العالية في خضم الاحتياجات المتعارضة للدول الأعضاء في اليورو, ولكن البنك قد نجح في (تدشين) اليورو, كما انه صمد أمام الاتهامات والهجوم العنيف الذي تعرض له من وزير مالية ألمانيا السابق لافونتين, وقد خفت الضغوط على البنك, بعد استقالة لافونتين في 11 مارس الماضي, ولكن هناك عناصر في أوروبا لا تتردد في القاء المسؤولية على البنك واعتباره المتسبب في حالة الضعف التي تمر بها اقتصادات دول منطقة اليورو, ولكن البنك بقيامه بتخفيض معدل الفائدة في 8 من ابريل الماضي بأكثر مما كان متوقعا, بواقع 0.5% الى 2.5% ـ قد ألقى بالكرة في ساحة حكومات دول اليورو وسحب البساط من تحت أرجلها, فالحكومات هي المسؤولة عن وضع السياسات الخاصة باعادة تنظيم أسواق العمل والسلع, وهي المسؤولة عن تبني السياسات المحفزة للنمو وتحسين فرص العمالة وعلاج مشاكل البطالة, وفي الحقيقة وبالرغم من ان بعض المسؤولين في بعض حكومات منطقة اليورو كانوا يحملون البنك مسؤولية تباطؤ اقتصاد المنطقة ـ فإن التباطؤ يرجع بصفة أساسية كما ذكرنا من قبل الى الأزمات المالية التي حلت ببعض الأسواق الهامة في العالم, اي ان الأسباب خارجية بصفة أساسية وليست داخلية مرجعها الى مواقف البنك المركزي الأوروبي. وقال التقرير ان تدشين اليورو تم بنجاح في وقت اعتبرت فيه الظروف السياسية والاقتصادية غير مثالية لبدء مثل هذا المشروع العظيم. ولكن الدول الاحدى عشرة المؤسسة للوحدة النقدية الاوروبية قد تبنته اليوم وجعلته حقيقة واقعة ونجح فور ولادته في احتلال موقع مرموق في أسواق المال وبصفة خاصة في أوروبا.