ترددت مؤخرا في آسيا ـ على نحو أكثر تواترا مما سبق ـ أصداء إطلاق النار. قتال بين الهند وباكستان.. اشتباكات في داغستان وحشود في الشيشان. . احتكاكات عسكرية على الحدود الإيرانية ـ التركية قبل توقيع الاتفاقية الأمنية الأخيرة. إنها أحداث كبيرة ليس بحكم حجم الاشتباكات العسكرية التي تعاقبت, ولكن بحكم وصول الأمور إلى نقطة إطلاق المدافع. فالوصول إلى هذه النقطة لا يحدث إلا بعد تراكم قدر كبير من الاحتقان السياسي, وانسداد سبل حله سلميا. ماذا يحدث بالضبط؟ وأين نحن من قوس التوتر هذا الذي يمتد خلف أفقنا الشرقي؟ حين ترتفع حرارة الطقس, يصبح الناس أكثر توترا.. أقل ميلا إلى التسامح أو التنازل. ينطبق هذا أيضا على حال الدول, ولكن الطقس هنا ليس هو ما يدفعها إلى القفز من مضمار الدبلوماسية إلى مضمار السلاح. ما يدفعها إلى ذلك هو مزيج من أمور أخرى.. مصالح جديدة تتشكل.. مصالح قديمة مهددة.. استقرار داخلي مهتز.. خارطة استراتيجية تتبدل, أو محاولة لإرغام الكل على الانصياع لمصالح الواحد, بالضغط أو بالسلاح. لا يمكن إذن تفسير صوت المدافع التي تأتينا ليلا من خلف الأفق بأن الصيف قد حل, أو بأن الساسة والعسكر يتصببون عرقا. في روسيا سوف يحدد مسار الأحداث في داغستان نتائج انتخابات البرلمان هذا العام, وانتخابات الرئاسة العام المقبل وحصة روسيا المستقبلية من نفوط آسيا الوسطى ومن ثم المسار الاقتصادي والسياسي لروسيا لفترة طويلة مقبلة. وفي كشمير يتحدد بالفعل مسار مشروع استراتيجي ـ بدأ طموحا ـ بتكوين محور يضم الهند والصين كان مقدرا له أن يعيد صياغة الخارطة الاقتصادية والاستراتيجية لآسيا خلال القرن المقبل. وبين تركيا وإيران حوار بارد في أغلب الأحيان, مسلح في بعضها, حول تعريف دور كل منهما إقليميا, خاصة في هذه الأرض التي لم تلق بمراسيها بعد والتي يسمونها آسيا الوسطى بثرواتها الهائلة. ولكن لماذا يلجأ الجميع إلى الزناد بهذه السرعة الآن؟ لم نشهد هذا التواتر الدائم لقصف المدافع خلال العقد الماضي, أو الذي سبقه مثلا. فلماذا الآن؟ ربما يرجع السبب الرئيس إلى أن تلك الاشتباكات ذات الطابع الإقليمي لم تعد باهظة التكلفة من الوجهة الدولية. زمان, كانت حرب الكوريتين هي مواجهة بين الصين والولايات المتحدة, وكانت حرب الهند وباكستان تعكس حقيقة التناحر بين روسيا والصين, وكانت حروب جنوب شرقي آسيا تعبيرا دمويا عن الصراع بين الشرق والغرب. أما الآن فقد كف العالم عن أن يكون شرقا وغربا. لم يعد هناك (معسكران) . ووصلت الحرب الباردة إلى نهايتها على نحو مباغت. يمكن إذن أن تكون الحروب الإقليمية.. إقليمية. يمكن لها ألا تستدعي مواجهة نووية ذات طابع شامل وذات ثمن لا يمكن دفعه. لقد تحولت هذه الحروب إلى حروب رخيصة, بوسعنا أن نحصل منها على (درزن) كامل من دون أن يهتز العالم. فماذا يحدث في داغستان؟ بدأ تمرد داغستان بقرار من حليفين في الشيشان: الأول أردني, بلى أردني, يدعى خطاب (وهو اسم مستعار فيما يبدو) يقود عددا كبيرا من المسلحين الأصوليين شديدي المراس, يقال إن عددا منهم من العرب, والثاني هو رئيس وزراء الشيشان السابق شامل باساييف. ما يقال الآن هو أن عدد المتمردين يصل إلى نحو ألفي مقاتل. أما لماذا اختاروا هذا التوقيت بالذات فإنها مسألة لا تجد تفسيرها إلا في موسكو. لقد اختار جناح من أجنحة الحكومة الروسية حل مسألة الشيشان عن طريق التفاوض. ووافقت حكومة جروزني على ذلك. إلا أن عددا من المتشددين في العاصمتين كان يرفض مبدأ المفاوضة من الأصل. وفي اللحظة الراهنة يقول معسكر التفاوض في جروزني وموسكو إن المتشددين في العاصمتين دفعوا بالأمور إلى الانفجار لإنهاء قصة التفاوض هذه بالكامل. ولكن لماذا يسعى المتشددون في روسيا وفي الشيشان إلى تفجير مفاوضات موسكو ـ جروزني؟ في موسكو يدور الصراع دائما حول مقعد الرئيس. المتشددون ينتقدون إضعاف يلتسين للقوات المسلحة وقبوله بتآكل النفوذ الروسي في القوقاز. وهم يريدون الآن إثبات (قضيتهم) بسرعة, قبل أن تحل انتخابات الرئاسة المقبلة. لذا, فإنهم الآن يصرخون في الدوما: (انظروا إلى أين وصل بنا بوريس يلتسين؟ أمس الشيشان واليوم داغستان.. وغدا قد يحدث هذا في روسيا نفسها) . في جروزني يحاول شامل باساييف أن يرسل للجميع برقية مختصرة: لن تستطيع روسيا مواصلة سيطرتها على شمالي القوقاز. على موسكو إذن أن تمنح الشيشان استقلالا كاملا.. المفاوضات لن تصل بالشيشان إلى هذا. أوقفوا المفاوضات إذن وإلا انتقلت نيران التمرد إلى ما هو أبعد من داغستان. في المقابل هناك رجلان ينظران إلى أحداث داغستان هذه بقلق بالغ. إنها تهديد مباشر لهما, كسياسة, وكأشخاص. الأول هو بطبيعة الحال بوريس يلتسين الذي يواجه الآن ـ مع كل من يشاركونه مواقفه الاقتصادية والسياسية ـ امتحانا صعبا. الرجل الثاني هو الرئيس الشيشاني أصلان ماشخادوف الذي راهن على التفاوض. وأزمة ماشخادوف متعددة الجوانب. فهو لا يستطيع أن يقاتل باساييف, بل إنه يتعرض لضغوط داخلية لدعمه. ماشخادوف يقف الآن في المساحة الرمادية. ولن يحسم موقفه إلا مجرى الأحداث عمليا في داغستان. فإن تمكنت موسكو من حسم المسألة بسرعة فإن ذلك سيجنب ماشخادوف تلك الآلام السياسية المعروفة لمن يقف بين ضغوط بالتدخل إلى جانب باساييف والتضحية بالمفاوضات مع موسكو ـ وهو الاحتمال الأضعف ـ أو بإغلاق الحدود مع داغستان ووقف الدعم الذي يصل إلى باساييف, ومن ثم مواجهة المتشددين في الشيشان نفسها. ليس معروفا بعد إن كانت القوات الروسية سوف تتمكن من سحق التمرد الداغستاني كما وعد رئيس الوزراء فلاديمير بوتين. ولكننا نعرف أن بوريس يلتسين تعهد بسحق تمرد الشيشان وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه (خلال عشرة أيام) حين بدأت الأحداث الدموية هناك. ولكن هذه الأيام العشرة لاتزال متواصلة حتى الآن. أمر آخر نعرفه. ذلك هو أن أحداث داغستان ستلعب دورا رئيسا في تحديد نتائج انتخابات الدوما بعد أربعة أشهر وتحديد انتخابات الرئاسة بعد عام واحد من الآن. والعلاقة بين داغستان والانتخابات البرلمانية والرئاسية تكاد تكون واضحة للجميع. ولكن لنعد إلى الخارطة السياسية الروسية ـ بسرعة ـ لتلخيص المعالم الرئيسة لتلك العلاقة. فنحن نعرف الآن أن يلتسين اختار فلاديمير بوتين كمرشح الكرملين لانتخابات الرئاسة. ويعد بوتين بالتالي هو الاسم الخامس في قائمة المرشحين للرئاسة. الأول هو يفجيني بريماكوف (ويحظى الآن بنحو 20% من تأييد الناخبين), يليه جينادي زيوجانوف (الحزب الشيوعي ويحظى بنحو 16%), ثم جريجوري يافلنسكي (إصلاحي ويحظى بنحو 11%), ثم يوري لوجكوف (عمدة موسكو الذي يتحالف الآن مع بريماكوف لخوض انتخابات البرلمان ـ الدوما ـ ويحظى بنحو 10%). أما حصة بوتين ـ حتى اللحظة الراهنة ـ فإنها تقف عند حدود 3% تقريبا حسب آخر استطلاعات الرأي العام. وعلينا أن نفترض ـ إذا اختار الكرملين بوتين مرشحا للرئاسة ـ أن كل (شلة) بوريس يلتسين ستقف إلى جانب رئيس الوزراء. إنها شلة تخشى أن يحاسبها الرئيس المقبل. فإن كان هذا الرئيس هو رجل أمن متمرس مثل فلاديمير بوتين, وإن كان مدينا بكرسيه لهذه المجموعة ذاتها, فإن من حق لصوصها جميعا أن يشعروا بالأمان إن احتل بوتين مقعد الرئيس بالفعل في صيف 2000. ولكن ها هو بوتين يخوض اختبار داغستان. فإما أن يجرده المتمردون هناك من ثيابه, وبالتالي من أية فرصة للفوز بانتخابات الرئاسة المقبلة, وإما أن يصعد هو إلى المقعد الأول فوق جماجمهم.. ولكن ما أهمية كل ذلك من الوجهة الاقتصادية؟ إنها بالفعل أهمية هائلة. ذلك أن مواصلة النهج الاقتصادي الراهن في روسيا ـ بصرف النظر عن رأينا فيه ـ ترتبط على وجه الحصر بنجاح (مرشح الرئيس) , أي مرشح بوريس يلتسين, أي فلاديمير بوتين. من هنا فإن مواصلة السياسة الاقتصادية الحالية تتوقف على نتائج معركة داغستان.. ضمن عوامل أخرى. .. تتردد في عواصم الغرب الأساسية الآن عبارات الضيق من سياسات ومساعدي بوريس يلتسين. لقد خدمتهم بعض تلك السياسات وبعض أولئك المساعدين كثيرا. ولكن سياسة نحر الخدم ليست جديدة على أية حال. وعلى الرغم من أن فرصة يوري لوجكوف ـ عمدة موسكو ـ في الفوز بالمقعد الأول هي فرصة محدودة بالفعل, فإنه يبدو المرشح الأكثر شعبية خاصة في واشنطن. ولكن الإدارة الأميركية لا تستطيع أن تخلق شيئا من لا شيء. إنها ـ بحس عملي ذائع ـ تراهن على أفضل ورقة من بين الأوراق ذات الفرصة في الفوز, إنها لا تراهن أبدا على ورقة تعلم مسبقا أنها خاسرة مهما كانت هذه الورقة مواتية للمصالح الأميركية. من هنا فإن تحالف بريماكوف ـ لوجكوف قد يبدو مغريا للأميركيين, الذين يعرفون جيدا أنه تحالف مؤقت, لخوض انتخابات الدوما فحسب, ولكنهم يأملون أن يستمر على نحو ما حتى انتخابات الرئاسة, مع اختيار أي من الاثنين مرشحا لمنصب الرئيس. ذلك أن بريماكوف يعد وسطيا, يقبل بسياسات الإصلاح الاقتصادي مع بعض التعديلات. مهتم بمكافحة الفساد الذي يلحق أضرارا بسياسات السوق الإصلاحية, براجماتي حين يأتي أمر التعامل مع واشنطن, ومعاد لعودة الشيوعية إلى البلاد رغم كونه شيوعيا سابقا. ويقول يفجيني بريماكوف الآن إن يلتسين وسياساته أدت إلى كارثة في شمال القوقاز. ويقول بوتين (لا كارثة ولاهم يحزنون.. سأحلها في عشرة أيام) . ويقف كل من الرجلين على صهوة جواد اقتصادي مختلف, يتهيأ للركض على مضمار اقتصادي مختلف. فأي المضمارين ستختار روسيا؟.. تبدأ الإجابة من داغستان. فإن تمكن بوتين من قمع تمرد داغستان ـ وهو الاحتمال الأرجح ـ فإن خطاه نحو انتخابات الرئاسة ستكون حتما أكثر ثقة. ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه سيفوز بهذه الانتخابات, ذلك أن هناك عوامل أخرى تؤثر في تلك الحلبة المعقدة التي تعج بالآفاقين واللصوص والحالمين بالماضي والمرتزقة والجواسيس وقادة المافيا وقلة من المخلصين ممن تكاد وجوههم تضيع في الزحام. فضلا عن ذلك فإن قمع هذا التمرد يعني أن نفوذ روسيا في شمالي القوقاز لم يعد قابلا للتحدي. ويفرض ذلك أن تتمسك روسيا (بحقها) في الحصول على حصة من ثروات الغاز والنفط في آسيا الوسطى, إذ سيصبح بوسعها أن تدق الطاولة بقبضتها قائلة لمن يقتسمون الآن هذه الثروات (نحن هنا) .. ولا يستطيع أن يفعل ذلك من احترقت سراويله العسكرية بنيران حفنة صغيرة من المتمردين. هزيمة روسيا في داغستان باهظة التكلفة بالنسبة للكرملين. فهي تعني احتراق فلاديمير بوتين, مرشح يلتسين للرئاسة المقبلة, واحتراق الجماعات التي تحيط بيلتسين لتحقق من ذلك أرباحا طائلة بطرق تقبل النقاش من حيث قانونيتها, واحتراق حصة موسكو في ثروات القوقاز. إنه ثمن مرتفع بالفعل. عصام الدين عبدالعزيز