يتفاءل العديد من الدول الآسيوية حاليا بأن الأزمة التي شهدتها اقتصادياتها خلال العامين الماضيين توشك الآن على نهايتها. وسواء كان هذا التفاؤل في موضعه أم لا, فإن ما لا يقل أهمية هو مدى استفادة دول المنطقة مما أفرزته هذه الأزمة من دروس وعبر . لقد انبرى الكثير من الدارسين والمهتمين لتحليل أسباب الأزمة المالية وانعكاساتها الاقتصادية ليس فقط على الدول الآسيوية, بل على الصعيد العالمي أيضا. وعلى الرغم من تنوع الآراء والمداولات المطروحة, واختلاف وجهات النظر في بعض الأحيان, الا ان أهم الأسباب التي تمت الاشارة إليها في تفسير أسباب حدوث الأزمة تتلخص في تراجع المقدرة التصديرية للدول الآسيوية بسبب تراجع الطلب العالمي على منتجاتها وانخفاض العملة اليابانية والصينية الذي قلل من ميزتها التنافسية في الأسواق العالمية. وقد جاء هذا التراجع في وقت أخذت فيه معظم الصناعات الآسيوية بالتوسع في الانتاج بشكل غير مدروس معتمدة في ذلك - بشكل مفرط وغير منضبط بسبب استشراء الفساد المالي والاداري في الدول الآسيوية - على القروض الداخلية والخارجية في تمويل توسعها الانتاجي, وهي في معظمها قروض تجارية قصيرة الأجل بأسعار فائدة مرتفعة. وقد أثار الوضع الحرج للصناعات الآسيوية القلق لدى المستثمرين والمضاربين الدوليين في الأسواق الآسيوية والذين يملكون المقدرة الكبيرة على قراءة وتحليل الأوضاع الاقتصادية في البلدان التي يوظفون أموالهم فيها واستشراف آفاقها المستقبلية, فما كان منهم إلا وان سارعوا إلي التخلص من محافظهم الاستثمارية في الأسهم والسندات والعملات الآسيوية - خاصة بعد عجز بعض الدول عن سداد ديونها الخارجية التي استحق أجلها وانهيار بعض المؤسسات المالية العملاقة - فانهارت أسعارها جميعا الواحدة تلو الأخرى. وقد ساهم التقدم التكنولوجي والانفتاح الكبير للدول الآسيوية في عصر العولمة في سرعة انتشار الانهيارات المالية في هذه الدول, وعمق تأثيرها المتوقع على بقية الدول الأخرى سواء المرتبطة معها بعلاقات اقتصادية مباشرة أو غير مباشرة. وتشير بعض التقديرات إلى ان معدل النمو الاقتصادي العالمي المتوقع خلال عام 1998 سينخفض من حوالي 3-4% إلى حوالي 5.1% نتيجة الأزمة المالية التي ألمت بالدول الآسيوية. وعلى الرغم من ان الأسواق المالية والنقدية في دول المجلس حافظت على استقرارها النسبي بعد الأزمة مباشرة, الا ان ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال عدم تأثر اقتصادات دول المجلس بالأزمة في المديين المتوسط والطويل. فقد كان تراجع الطلب على النفط والغاز من قبل الدول الآسيوية - المستورد الأهم لهاتين المادتين من الدول الخليجية - بفعل تراجع معدلات النمو الاقتصادي لديها نتيجة الأزمة المالية التي تعرضت لها - أحد العوامل الرئيسية التي أدت إلى تراجع أسعار النفط العالمية إلى مستويات لم يشهدها منذ عشر سنوات. وسيؤثر هذا التراجع بكل تأكيد في المدى المتوسط والطويل على الأداء الاقتصادي للأسواق المالية والنقدية في دول المجلس. وبالفعل فقد شهدنا تراجعا في معدلات التداول ومؤشرات الأسعار في بعض الأسواق المالية الخليجية خلال العام الماضي. ولقد لخصت دراسة لاتحاد الغرف الخليجية العديد من الدروس والعبر المستفادة من الأزمة الآسيوية, حيث يمكن الملاحظة في البداية ان من أحد أهم أسباب بروز الأزمة المالية التي تعرضت لها الدول الآسيوية الاعتماد المفرط وغير المنضبط على الاقتراض الخارجي والداخلي التجاري قصير الأجل دون اعطاء أهمية مماثلة لتحفيز المدخرات المحلية وتنميتها. لذلك لابد لدول المجلس من السعي بكافة الوسائل والأدوات الاقتصادية المتاحة نحو تشجيع الادخار المحلي من خلال تفعيل دور الأسواق المالية واستحداث أدوات وصيغ استثمارية - ادخارية جديدة تتناسب مع ميول واتجاهات المواطنين الخليجيين, وانتهاج سياسات مالية ونقدية منضبطة ومتحفظة, والمحافظة على المستويات الحالية المنخفضة للتضخم لتعزيز الاستقرار المالي. كذلك لابد من وضع ضوابط عديدة ومتشددة تحد من لجوء المشاريع الاقتصادية العامة والخاصة إلى الاقتراض الداخلي والخارجي وربط هذا الأمر بمدى كفاءتها الانتاجية وملاءتها المالية.