اتسم الانتعاش الذي شهدته أسعار النفط خلال الأشهر الخمسة الماضية بالسرعة الشديدة التي فاقت أي توقعات من جانب دول الأوبك عندما قررت في 23 مارس الماضي خفض إنتاجها جميعا (باستثناء العراق) إلى 97.22 مليون برميل يوميا لمدة عام بدأ في أول أبريل الماضي وسينتهي في 31 مارس المقبل. وقد توقع وزير النفط السعودي علي النعيمي وقتها أن يصل سعر البرميل إلى ما يتراوح بين 18 ـ 20 دولارا قبل نهاية العام الجاري, بينما عبر حينها أمين عام المنظمة ديلوانو لقمان عن أمله في أن يعاود سعر سلة نفوط الأوبك ارتفاعه إلى نطاق بين 15 ـ 20 دولارا للبرميل. وصدقت التوقعات بالفعل وتحققت الآمال ليقفز سعر سلة النفوط من 96.9 دولارات للبرميل في شهر مارس الماضي إلى نحو 19 دولارا الآن, أي بنسبة تصل إلى 88%. ويعود الارتفاع في أسعار النفط ليس فقط إلى الخفض الذي تم في الإنتاج من جانب دول الأوبك ومعها بعض الدول الأخرى من خارج الأوبك, ولكن أيضا إلى الارتفاع الذي وازى ذلك في الطلب العالمي, وكانت النتيجة حدوث تراجع واضح في المخزون لدى الدول المستهلكة خلال الفترة الماضية, وهي ظاهرة غير معتادة بالمرة بالنسبة لهذا الوقت من العام. وخلال الأشهر المقبلة, من المؤكد أن الفجوة بين العرض والطلب ستواصل الاتساع, وهو ما يعني أن الأسعار يمكن لها أن تستمر في رحلة الصعود إذا ما رأت الأوبك الحفاظ على مستوى الإنتاج الذي وصل في شهر يونيو الماضي إلى نحو 26 مليون برميل يوميا. وتتوقع الوكالة الدولية للطاقة طلبا عالميا على النفط يقدر بنحو 6.74 مليون برميل يوميا, وتوفر الدول غير الأعضاء في منظمة الأوبك 4.44 مليون برميل, بينما توفر دول الأوبك إلى جانب إنتاجها 8.2 مليون برميل من المكثفات يوميا, وهو ما يعني أن الطلب على نفط الأوبك خلال الربع الثالث من العام يصل إلى 4.27 مليون برميل يوميا. وبالنسبة للربع الأخير من العام, تشير آخر التقديرات الصادرة من الوكالة الدولية للطاقة إلى أن الطلب على النفط خلال هذه الفترة سيصل إلى 77 مليون برميل يوميا, ستوفر الدول غير الأعضاء في الأوبك منه 2.45 مليون برميل, وبالتالي فإن حجم الطلب على نفط الأوبك سيبلغ نحو 29 مليون برميل يوميا. لذلك, فإن دول الأوبك العشر المعنية إذا ما واصلت تحقيق نسبة الالتزام بالتعهدات التي قطعتها في شهر مارس الماضي, وهي النسبة التي وصلت إلى 90% خلال الفترة الماضية, وبافتراض ارتفاع حجم الإنتاج العراقي بمقدار 250 ألف برميل إضافية خلال الربع الأخير من العام, فسوف يحدث سحب للمخزون بمتوسط 4.1 مليون برميل خلال الربع الثالث, ثم يرتفع هذا المتوسط إلى 7.2 مليون برميل خلال الربع الأخير من العام الجاري. وهكذا, يحتمل أن يحدث مزيد من الارتفاع في الأسعار بالسوق العالمية ليصل السعر إلى نطاق بين 22 ـ 24 دولارا للبرميل. والتساؤل المهم الذي يفرض نفسه هنا هو: هل تستطيع المنظمة مقاومة الإغراءات والضغوط التي بدأت تتصاعد لزيادة الإنتاج من أجل تخفيف الضغط على الأسعار. وتؤكد التصريحات الأخيرة من جانب كبار المسؤولين السعوديين والفنزويليين أنه إذا (لزم) تعديل اتفاق مارس, فإن قرارا في هذا الشأن لابد له من أن يكون (جماعيا) , وهو ما يعني ضرورة تبنيه من جانب المنظمة كلها, وإن كان أحد من المسؤولين لم يستبعد بوضوح مثل هذا (التعديل) وبانتظار الاجتماع الوزاري المقرر له 22 سبتمبر, فإن الدول الأعضاء في الأوبك تواصل مراقبتها عن كثب لتطورات السوق النفطية. وعلى أية حال, فإن سعر العشرين دولارا ينظر إليه بصفة عامة داخل الأوبك باعتباره النقطة التي يمكن عندها رفع سقف الإنتاج, سواء أكان ذلك من خلال قرار جماعي أو على نحو منفرد من جانب بعض الدول التي قد تغريها الأسعار برفع الكميات المصدرة. وبالنسبة لهذا البعض, فإن التهديد الأساسي لاتفاق 23 مارس الماضي يمكن أن يأتي من دولة كنيجيريا, أو فنزويلا, هذا علاوة على المكسيك التي لعبت دورا في الاتفاق, وتصدر معظم إنتاجها من النفط لجارتها الولايات المتحدة ذات السوق النهمة للمنتجات البترولية. على الجانب الآخر نجد أن المملكة العربية السعودية ومعها دول الخليج الأخرى حريصة وأكثر حساسية تجاه الطلب في سوقها الأساسية والتي تتركز في منطقة الشرق الأقصى, وهي منطقة لم تفق تماما بعد من تداعيات الأزمة. د. نقولا سركيس- رئيس المركز العربي للدراسات البترولية بباريس