يتحدث رئيس الحكومة اللبنانية السابق النائب رفيق الحريري, بمعلومات مدعمة بالأرقام عن أسرار ما حصل من تطورات اقتصادية وعامة, في أدق مرحلة من تاريخ لبنان الحديث, وهي التي أعقبت بناء السلم الأهلي في الفترة ما بين عامي 1992 و1998 وهي فترة ترؤسه للحكومات التي شكلها في عهد الرئيس السابق إلياس الهراوي. ويبدأ الحريري حديثه بالقول إن التساؤل عن أهمية الإدراك السياسي لأبعاد المرحلة وتحدياتها, لا ينفي بالطبع مجموعة الأسئلة التي تتكون لدى الرأي العام اللبناني حول المسألة الاقتصادية وتداعياتها المالية والاجتماعية والتنموية, وانطلاقا من عدم فك الارتباط بين أهمية إدراك جوهر التحدي السياسي للنظام اللبناني وإدراك حقائق التحدي الاقتصادي, إذ لابد من أن تصبح الإنجازات التي تحققت على الصعيد السياسي خلال السنوات الماضية جزءا لا يتجزأ من روح النظام وعقيدته وسلوكه, ومن العلاقات والالتزامات التي تحددت في ضوئها هوية لبنان ومكانته في محيطه العربي وفي العالم. ويشير إلى ضرورة حماية هذه الإنجازات وصيانتها تحت مظلة من الاستقرار الاجتماعي والنمو الاقتصادي. من هنا كانت الأولوية في مرحلة ما بعد إقرار وثيقة الوفاق الوطني في الطائف لإعادة بناء ما دمرته الحرب, وإطلاق ورشة إعمار تمكن لبنان من اللحاق بركب التطور الذي فاته خلال فترة المحنة الطويلة. وعن أبرز التحديات التي يواجهها لبنان من وجهة نظره في ظل تضارب وجهات النظر حاليا, يقول إننا نشهد في لبنان جدلا هذه الأيام حول تراكم المديونية وصعوبات السيطرة على العجز الكبير في الموازنة, ففيما يرى البعض أن التحديات التي نواجهها حاليا هي نتيجة مباشرة للسياسات المحفزة نحو النمو والتي انتهجت خلال الأعوام الستة الأخيرة, وأن المديونية ارتفعت بشكل ملحوظ خلال تلك الأعوام, يرى البعض الآخر أن الجهود التي بذلت استهدفت التغلب على صعوبات وتحديات لم يسبق للبنان أن واجه مثيلا لها, وأن الأعباء المالية القائمة ناجمة عن معالجة تلك المصاعب التي تلت الحرب مباشرة, وعن العدوان الإسرائيلي المستمر, وفي طليعتها تلك التي نشأت عن مسألة الإعمار والتصدعات الاجتماعية وتردي مستويات المعيشة وإعادة بناء القوى العسكرية والأمنية اللبنانية. وحول أبرز السلبيات التي خلفتها الحرب وبالتالي أدت إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية ونشوء أوضاع صعبة وتراكم المديونية, يضيف الحريري قائلا: قد لا نكون في حاجة إلى التذكير بأن سنوات الحرب والاضطرابات التي عاشها لبنان بين 1975 و,1990 خلفت آثارا مدمرة جدا في الاقتصاد اللبناني, وفي المجتمع الوطني بكل مؤسساته وفروعه السياسية والإدارية والعسكرية والأمنية, بحيث لم ينج قطاع واحد من القطاعات الأساسية في المجتمع من تلك الآثار, وبحيث إن أي جانب من جوانب الدولة والمجتمع كان بحاجة إلى إعادة البناء. ويقول إن البنك الدولي قدر إجمالي الأضرار المادية التي تكبدها لبنان خلال تلك الفترة بنحو 25 مليار دولار أمريكي, أي ما يفوق ثمانية أضعاف إجمالي الناتج القومي للبنان في العام ,1990 مشيرا إلى أن البلاد شهدت إلى ذلك تآكلا مدمرا لقاعدتها الاقتصادية, حيث انهار قطاع الخدمات وهاجر بعضه الآخر, وهو الذي كان مضرب الأمثال بديناميكيته ونشاطه وقراراته. وانحدرت مستويات قطاع الصناعة وقواعده الإنتاجية انحدارا شديدا, فيما خسر قطاع الزراعة قدرته التنافسية وجزءا كبيرا من طاقته الإنتاجية, وشل قطاع السياحة الذي كان يشكل 20% من الدخل الوطني. ويتابع بقوله: إلى ذلك حدثت سلسلة قفزات تضخمية وارتفاع في البطالة الظاهرة والبطالة المقنعة, مما أدى إلى القضاء على الثقة بالليرة اللبنانية, وإلى هيمنة الاقتصادين الموازي وغير المشروع, وما نشأ عن ذلك من أضرار بليغة بالأوضاع الاجتماعية والموارد البشرية, بحيث لم يتعد معدل الدخل الفردي الحقيقي مع حلول العام 1990 ما كان عليه في العام ,1975 مضيفا أن الخسارة الأكبر التي مني بها لبنان خلال سنوات الحرب, ربما كانت هي كلفة ضياع عقدين من التنمية المحتملة مع كل ما يعنيه ذلك للمهارات البشرية والتقدم التقني والارتقاء الوطني, والتي تجعل مجموع الخسارة المباشرة وغير المباشرة التي مني بها لبنان تقارب مبلغ المائة مليار دولار أميركي. ويتابع قائلا: وبالفعل فقد ترافق تقهقر لبنان نتيجة ما عصف به من فوضى ودمار, مع تقدم سائر بلدان العالم, لاسيما بلدان المنطقة والعالم الثالث, ومواكبتها شروط الانتساب إلى العالم الحديث, وتبني الابتكارات الهائلة في الاقتصاد العالمي. ونتج عن ذلك أن خسر لبنان معظم ميزاته التفاضلية مع غيره من البلدان عموما والعالم العربي خصوصا. ويقول إن اقتصاد السوق الذي أخذ به لبنان سابقا كان يشكل بانفتاحه وليبراليته ومرونته العالية, مركزا في الشرق الأوسط للمال والأعمال والثقافة والتعليم والصحة, فإذا به يتحول إلى اقتصاد بدائي, مفرط في البيروقراطية, مكبل بالقيود, متخلف ومتقوقع على نفسه. وكانت أخطر العلامات التي رافقت ذلك كله الانهيار الكامل للقطاع العام والتشرذم الكامل للخدمة المدنية, مع ما نتج عنهما من قيود على أي نشاط ومبادرات للقطاع الخاص. ويسترجع قائلا: إذا عدنا إلى الوضع السائد في لبنان عشية تشكيل حكومتنا الأولى أواخر العام ,1996 نرى أن سعر صرف الليرة اللبنانية كان قد وصل إلى حدود 2800 ليرة لكل دولار أمريكي, وأن معدل التضخم اجتاز عتبة 120%, ووصلت معدلات الفوائد على سندات الخزينة إلى 34%, وكان معدل الفائدة على التسليفات والقروض التي تمنحها المصارف ما نسبته 51%. ويضيف محددا سلبيات أخرى في الوضع الداخلي عشية تشكيل حكومته الأولى: انخفضت أيضا وبشكل خطير قدرات القوى الأمنية والعسكرية مما كان لابد أن ينعكس سلبا على سلامة الوضع الأمني, فيما تراجعت معظم التقديمات الاجتماعية في الصحة والتربية والشؤون الاجتماعية إلى مستويات وضعت الاستقرار الاجتماعي على شفير الهاوية. أما البنية التحتية فالحديث عنها ـ كما يقول ـ محفور في ذاكرة اللبنانيين الذين عانوا كثيرا من الدمار الذي لحق بها, فلبنان في بداية التسعينات كانت صورته باختصار هي: بنية تحتية مدمرة, قوى عسكرية وأمنية ذاتية ضعيفة, عشرات آلاف العائلات المهجرة في الداخل, هجرة كثيفة للطاقات والكفاءات إلى الخارج, اضمحلال خطير للطبقة الوسطى, تدهور حاد في المستوى المعيشي لذوي الدخل المحدود, وأخيرا احتلال إسرائيلي يلقي بثقل تحدياته العدوانية على كل جانب من جوانب الحياة الوطنية. ويؤكد أنه رغم أن هذا الوضع المأساوي كان سائدا في حينه, فهناك من يقلل من خطورته ومن تبعاته, وربما يتعمد بعضهم تحجيم التحديات التي كان يواجهها لبنان, لتحجيم الإنجازات التي حققتها الحكومات اللبنانية المتعاقبة. وعما كان يتمنى اللبنانيون تحقيقه في تلك الفترة وما أعقبها, يقول الحريري: كان اللبنانيون يتوقعون من حكومتهم أن تتجه بشكل أساسي نحو تحسين ظروفهم المعيشية, وأن تجد حلولا سريعة وجذرية لمشكلة وطنية واجتماعية كبرى هي مشكلة المهجرين, وأن تنفق المزيد على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي, وأن تعزز الأمن والقوى العسكرية, وتطلق برنامجا شاملا لتنمية الموارد البشرية والبنية التحتية المادية. كل ذلك في وقت تعاني البلاد من استمرار الاحتلال الإسرائيلي والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة. كـان الوضع في حينه يتطلب ـ كما يشدد ـ تقدما سريعا على جميع الصعد المعيشية في لبنان. كانت هناك حاجة لحفظ الأمن وتدعيمه, وحاجة لإعادة الثقة بالاقتصاد اللبناني ومستقبله, وحاجة لإعادة بناء كامل البنية التحتية المادية وتوسيعها, من خلال الاستثمار في الكهرباء والهاتف والاتصالات والطرق ومياه الشرب والصرف الصحي وطمر النفايات الصلبة والنقل والمرافئ والمطار والري, وحاجة لإعادة تشغيل الخدمات العامة, وتوفير الضرورات الأساسية في مجالي الصحة والتعليم, وحاجة لحل مشكلة المهجرين, وحاجة لزيادة دعم الجنوب والبقاع الغربي وتحريره, وحاجة لتحسين الإطار التشريعي وتحديثه. والأهم من ذلك كله إحداث توافق اجتماعي ومصالحة وطنية تشكل القاعدة للنهوض الوطني على كل صعيد. وبالطبع كان التقدم في جميع هذه القطاعات والاستثمار فيها يتطلبان موارد مالية هائلة لم تكن في الخزينة اللبنانية, التي كانت, أصلا, تشكو من شح في الموارد ومن عجز أساسي مرهق. ثم يتحدث الرئيس الحريري عن الخيارات التي كانت مطروحة أمام حكوماته لمواجهة ذلك, فيقول: لقد توقفنا أمام ثلاثة خيارات مختلفة لمعالجة واقع مرير هي: الخيار الأول: خيار الانتظار أي انتظار توافر المساعدة الخارجية قبل الانطلاق في برنامج عملاق لإعادة الإعمار, وإعادة إنعاش الاقتصاد, وتحسين مستوى معيشة اللبنانيين. إلا أن مجتمع الدول المانحة, باستثناء المساعدات التي قدمتها مشكورة المملكة العربية السعودية وفرنسا ودولة الكويت ودولة الإمارات العربية المتحدة وبعض الصناديق العربية, لم يلب حاجات لبنان بالطريقة المفترضة سابقا, ولم يوفر سوى جزء يسير من المنح والتمويل المطلوبين. الخيار الثاني: خيار زيادة الضرائب والرسوم, وذلك بإطلاق استراتيجية كبرى لتقليص عجز الموازنة من خلال تقليص جذري في الانفاق وزيادة كبيرة في الضرائب. الخيار الثالث: الإنماء والإعمار, وهو الخيار الوحيد الممكن سلوكه في مواجهة التحديات الأساسية الآتية: ـ إعادة بناء قواتنا العسكرية والأمنية وتوحيدها وزيادة عددها وتطوير قدراتها الذاتية. ـ إعادة تفعيل الخدمات الاجتماعية من صحة وتعليم وتدريب مهني وتقني والمباشرة في إيجاد حلول لمشكلة المهجرين ودعم صمود المواطنين في الجنوب والبقاع الغربي في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي واعتداءاته المتواصلة. ـ إطلاق برنامج إعادة الإنماء والإعمار لإنشاء بنية تحتية حديثة تشكل شرطا مسبقا وقاعدة لابد منها لتفعيل الدورة الاقتصادية. إن هذا الخيار يقوم ـ كما يقول ـ على فكرة الانطلاق في استراتيجية هدفها النمو, ويشدد على إعادة ثقة اللبنانيين والمجتمع الدولي بالاقتصاد اللبناني, وخلق الأجواء المشجعة للاستثمار ولتدفق رؤوس الأموال, وتسريع خطى إعادة الإنعاش الاقتصادي بهدف تحسين الظروف المعيشية للشعب اللبناني, وإعادة تأسيس دور متطور للبنان في الاقتصادين العربي والعالمي, وهو ما يسهم في إظهار وتنمية القيمة الحقيقية لموجودات اللبنانيين والاقتصاد اللبناني, مما يؤدي إلى زيادة ثروة المجتمع ككل. ويختم قائلا إن هذا الخيار تطلب اعتمادا كبيرا على الموارد المحلية وتحديدا على الاقتراض الداخلي, وعلى تدفق رؤوس الأموال من الخارج, مع استمرار السعي الحثيث للحصول على المساعدة المالية الدولية والاقتراض من أسواق رأس المال الدولية. ومن المعلوم أن معظم دول العالم قد اعتمدت سياسة الاقتراض, لاسيما تلك التي واجهت أوضاعا مأساوية شبيهة بوضع لبنان إثر الحرب المدمرة التي لايزال يعاني من آثارها حتى الآن. وليد زهر الدين