في الوقت الذي تشهد فيه أسواق العالم اضطرابات واسعة طالب رئيس اتحاد البنوك ورئيس مجلس إدارة البنك الأهلي المصري محمود عبدالعزيز باستثمار البنوك المصرية لفوائضها المالية التي تزيد على ثلاثة مليارات دولار في السوق الأمريكية . وأثارت تلك التصريحات ردود فعل متباينة داخل المجتمع المصرفي في مصر, وانقسم الخبراء بين مؤيد للفكرة بشروط خاصة لضمان الاحتفاظ بأكبر نسبة أمان ممكنة وتقليل المخاطر التي من الممكن قد تنجم عن الاتجاه إلى مثل هذه الخطوة, ورفض البعض الآخر الفكرة برمتها مؤكدين ان السوق المصرية هي أفضل الأسواق على الاطلاق لمثل هذا النوع من الاستثمارات خاصة وان نسبة المخاطر به تعد من أدنى المستويات مقارنة بالدول المتقدمة والتي تعاني منذ أكثر من سنتين من اضطرابات عارمة في أسواق المال لديها وان عملات غالبية تلك الدول بما فيها الولايات المتحدة شهدت تذبذبات حادة متأثرة بأحداث جنوب شرق آسيا وروسيا, ومن ثم فإن الاستثمار في سوق النقد الأجنبي (السوق الأمريكية) يعد خطرا على أموال المودعين ولن يتحمل خسائره سوى البنوك التي من الممكن أن تنهار إذا حدث وكانت الخسائر جسيمة كما حدث في بنك الاعتماد والتجارة. فوائض البنوك فما هي حقيقة استثمار فوائض البنوك المصرية في السوق الأمريكية, وكيف يدلل الموافقون على هذا الاقتراح, ولم يعارض البعض الآخر على الاقدام لمثل هذه الخطوة.. سنتعرف على ذلك من خلال التحقيق التالي. وتبدأ الأحداث عندما أعلن محمود عبدالعزيز ان البنك العربي الأمريكي الذي اشتراه البنك الأهلي مؤخرا سيقوم بجميع العمليات المصرفية بما فيها المتاجرة في النقد في السوق الأمريكية بعد تحويله إلى أحد فروع البنك الأهلي. ويدافع محمود عبدالعزيز عن رأيه بقوله: ان البنك الأهلي يقوم منذ فترة بالمتاجرة في النقد الأجنبي لحسابه لتغطية عمليات حقيقية وفق ضوابط رقابية داخلية للبنك وفي حدود ضيقة وكذلك يقوم بالمتاجرة لحساب بعض العملاء, ومن ثم فهو مؤهل لخوض مثل هذه التجربة دون تخوف خاصة واننا (البنك الأهلي) قطعنا شوطا لا بأس به في هذا الاتجاه ودرسنا كافة جوانبه. ويشير عبدالعزيز إلى ان هناك حوارا بين البنك الأهلي والبنك المركزي في هذا الاتجاه وان البنك المركزي متفهم لذلك جيدا مؤكدا في نفس الوقت ان احجام البنوك عن الدخول في مجال المشتقات والعمليات الآجلة للنقد يعد خسارة كبيرة يفقد تلك البنوك خبراتها وامكانياتها ويضعف من قدرتها على مواكبة التغيرات المصرفية, الا انه حذر في الوقت نفسه من اقدام البنوك غير المؤهلة للتعامل في المشتقات حيث ستكون خسائرها جسيمة. واختتم رئيس اتحاد البنوك حديثه بقوله: ان مصر في حاجة إلى التنوير المصرفي والذي تبرز أهميته نتيجة لبس في مفهوم عملية الخصخصة حيث تصبح البنوك في ظل التخطيط المركزي والتوجيه الاقتصادي أدوات استخدام بمعنى وسائل صرف وفق خطة وبترتيب معين من صانع القرار الاقتصادي والنتيجة ان دورها كان ضعيفا مثل دور السياسات النقدية وانتهى دورها كأدوات توجيه وسيطرة مع التحول للاصلاح الاقتصادي, وقد يقوم البنك بالتمويل الصناعي والتنموي والسياحي وأيضا المتاجرة في النقد الأجنبي, وإذا ثبت ان احد فروع تلك التمويلات لا تحقق الربحية المطلوبة يتوقف البنك فورا عن تمويله على ان توجه استثماراته إلى فروع أخرى ذات عائد أعلى... وهكذا الحال بالنسبة لعمليات المتاجرة بالنقد الأجنبي في السوق الأمريكية. البنك المركزي ولمعرفة الجانب القانوني كان لابد من معرفة رأي البنك المركزي المصري والذي انقسمت به الآراء, حيث أشار مصدر مسؤول به إلى ان اقدام البنوك المصرية على مثل هذه الخطوة يعرض أموال البنك والمستثمرين لمخاطر جسيمة, فكيف يمكن للبنوك المصرية أن تقوم بايداع فوائضها المالية التي تبلغ حاليا 3 مليارات دولار في بنك واحد وبلد واحد, مشيرا إلى حادث بنك الاعتماد والتجارة وما نجم عنه من خسائر ما زال أصحابها يدفعون الثمن حتى الآن. وعلى الجانب الآخر أكد محمد البربري نائب محافظ البنك المركزي بأن هناك تعليمات لكافة البنوك المصرية بتوزيع استثماراتها الخارجية في أكثر من بنك وأكثر من دولة بهدف الحصول على أدنى نسبة من المخاطر بحيث لا يضع أي بنك مصري أكثر من 15% من ودائعه بالنقد الأجنبي في بنك واحد.. ولا يشترط المركزي المصري (والحديث ما زال مع البربري) بنكا معينا أو دولة ما وعلى البنك اختيار البنوك الخارجية شريطة أن يكون من فئة الدرجة الأولى. ووصف البربري مسألة السماح للبنوك بالمتاجرة في النقد الأجنبي بأنها مسألة ليست سهلة خاصة وان البنك المركزي حريص كل الحرص على المحافظة على أموال المودعين, الا ان الأمر يتطلب دراسات كافية وعدم التسرع في الاقدام على مثل هذه الخطوة قبل وضع الضوابط الكفيلة بحماية البنوك خاصة وان هناك بنوكا كانت قد حققت خسائر بلغت أكثر من 150 مليون دولار من عمليات المتاجرة في النقد الأجنبي.. وألمح إلى ان الخسائر التي قد تنجم من عملية المتاجرة في النقد من قبل بعض البنوك يتحملها العميل وحده وليس البنك ولها ضوابط خاصة يتبعها البنك المركزي بدقة. وأضاف البربري ان البنك المركزي لديه فائض ضخم في السيولة حيث يطلب من البنوك بأن تضع ما نسبته 15% من اجمالي ودائعها كاحتياط لدى المركزي, الا ان هذه النسبة تزيد حاليا مما كون فائضا لدى المركزي الا انه لا يجوز استخدامه أو استثماره خارج البلاد.. أما أموال العملاء لدى البنوك فهي التي من الممكن استثمارها لدى البنوك في الخارج على صورة ودائع. مخاطرة وعن رأي البنوك في هذه المسألة رفض فاروق عبده مدير عام البنك الوطني المصري اقتراح محمود عبدالعزيز ووصفه بالمخاطرة مشيرا إلى ضرورة تنويع المخاطر تجنبا لحدوث صدمة مفاجئة. وأضاف انه من غير المنطقي ان نعطي كافة الصلاحيات لفرع من فروع البنك الأهلي لاستثمار 3 مليارات دولار في النقد الأجنبي بالولايات المتحدة, لذلك يجب توزيع نسب المخاطر على أكثر من جهة سواء كان بنكا أو دولة أو حتى عملة حتى نوفر أكبر عنصر أمان لأموال المودعين. وأكد عبده ان البنوك المصرية غير مؤهلة للمتاجرة في النقد الأجنبي نظرا لعدم توافر النظم الكافية لمتابعة حركة التعاملات على العملات لمدة 24 ساعة خاصة وان كافة البنوك المصرية تعمل فقط 7 ساعات يوميا الأمر الذي يصعب فيه مراقبة تقلبات السوق واتخاذ القرارات السريعة اما بيعا أو شراء إذا تطلب الأمر, كل ذلك يدعونا للتساؤل من يتحمل الخسائر القادمة التي من الممكن أن تنجم عن التعامل في النقد الأجنبي, وفي حالة السماح للبنوك بالتعامل في مثل هذا النوع من الاستثمار فلا بد من دراسة الموقف بكل جوانبه بدقة ووضع الأطر والضوابط الكافية لحماية أموال المودعين وذلك بالاضافة إلى ضرورة فتح فروع للبنوك المصرية في الشرق الأقصى وأوروبا وأمريكا. من جانب آخر وصف عبدالله طايل رئيس اللجنة الاقتصادية بمجلس الشعب المصري والعضو المنتدب لبنك مصر اكستريور بأن استثمار فوائض البنوك بالخارج أمر طبيعي شريطة أن يزيد عن حاجة البلاد, مشيرا إلى ان كل فوائض البنوك في العالم بالعملات الأجنبية تستثمر في البلاد التي تنتمي إليها.. وطالب من البنوك المصرية ضرورة العمل على دعم موقف البنك الأهلي في السوق الأمريكية وتغطية جزء من فوائضها لادارتها نيابة عنها, الا انه حذر من اقدام البنوك الصغيرة على وضع فوائضها في بنك واحد لادارتها. واختتم طايل حديثه بقوله: اذا كنا سنسمح للبنوك المصرية بالمتاجرة في النقد الأجنبي فما المانع من ان يعطي البنك المركزي جزءا من الاحتياطي الأجنبي لديه لاستثماره وتدويره في الاسواق الخارجية وما ينطبق على البنوك المصرية ينطبق على البنك المركزي. ويوافقه في الرأي الدكتور فاروق شقوير وكيل أول وزارة الاقتصاد مؤكدا ان الاسواق الأمريكية لديها من الضوابط والنظم ما يكفل الحصول على أدنى نسبة مخاطر من الممكن أن تتعرض لها مثل هذه الأنواع من الاستثمارات مشيرا إلى ان هناك مؤسسات التأمين على مخاطر عمليات القروض اللحظية والضمانات التأمينية على كل مرحلة من مراحل العمل في السوق الأمريكية وهو عنصر كاف لجعل درجة المخاطر مقبولة في أغلب الأحيان. وأشار شقوير الى انه لا خوف على الاستثمارات بأموال مصرية في السوق الأمريكية من تأثير الأزمات التي تشهدها الأسواق حاليا من حين لآخر, الا انه حذر من ان الاتجاه إلى السوق الأمريكية قد يسحب التمويل اللازم للاستثمارات الداخلية التي يحتاجها السوق المصري مثل مشروع توشكي الذي يحتاج إلى أكثر من 5 مليارات دولار, ومن ثم يجب استثمار الفائض الفعلي عن حاجة السوق المحلي حتى لا يكون هناك ضررا غير محسوب يؤثر على وضع الاقتصاد القومي. السوق الأمريكية وعلى الرغم من الأزمات المالية الحالية التي شهدتها أسواق جنوب شرق آسيا وروسيا مؤخرا دعا الدكتور مدحت حسانين استاذ التمويل بالجامعة الأمريكية الى استثمار فوائض البنوك المصرية بالسوق الأمريكية باعتبار ان هذه الأموال تعد أموالا معطلة داخل البنوك المصرية مشيرا إلى ان السوق الأمريكية تعد أفضل سوق لهذه النوعية من الاستثمارات في الوقت الحالي رغم الأزمات المالية الحالية نظرا لثبات سعر الدولار وقوته مقابل العملات الرئيسية الأخرى الأمر الذي يعطي السوق الأمريكية وضعا أكثر أمنا وعائدا أعلى مقارنة بالأسواق الأخرى. وطالب حسانين ان تكون عملية استثمار فوائض البنوك بالسوق الأمريكية عملية لحظية ومؤقتة مع حسن اختيار الوقت المناسب لعمليات البيع والشراء, وحذر في الوقت نفسه من الاستثمار في الاسهم الامريكية مشيرا إلى ان السوق المصرية في حاجة ماسة إلى مثل هذه الاستثمارات كما ان معدل الأمان بالنسبة للتعامل على الأسهم أفضل من السوق الأمريكية. وتساءل أحمد الحديدي نائب مدير عام البنك الأهلي عن الأسباب التي دعت البنوك المصرية إلى التخوف من الاقدام على الاستثمار في السوق الأمريكية مشيرا إلى ان هذا التخوف ليس له ما يبرره في ظل وجود أنظمة حالية تكفل الرقابة على موظفي غرف المعاملات الدولية وتحديد نسب الزيادة أو النقص التي ينبغي التصرف فيها لكل بنك. وأوضح الحديدي ان حد الخسائر التي يمكن أن تتحملها البنوك المصرية حالة السماح لها بالتعامل شراء وبيعا في العملات الأجنبية لحسابها الخاص يصل إلى 005.0% وهو حد متدن للغاية وفي حالة وجود صانع السوق في مجال المشتقات المالية فإن هذه النسبة ستقل عن هذا المستوى. وأضاف بأن سوق النقد الأجنبي في مصر لا يزال محدودا للغاية ولا يمثل نسبة تذكر إلى السوق العالمي والذي يصل حجم تعاملاته اليومية إلى أكثر من 400 مليار دولار يوميا. القاهرة - (البيان) - أحمد صفي الدين