يمثل ضعف الدولار أحدث التهديدات التي يتعرض لها الانتعاش الاقتصادي الأمريكي. والأخطر من ذلك هو ان الأمريكيين لا يهتمون كثيرا بأسعار صرف العملات . ونسبة قليلة فقط من الأمريكيين ــ الذين يسافرون للخارج ــ هي التي تهتم بفروق سعر العملات. وعلى هذا فإن الأقلية فقط هي التي تدرك ان الدولار القوي يقف في صالح الانتعاش وان العكس هو الصحيح. ودعونا نأخذ مثالا, فخلال الفترة من ابريل 1995 إلى يونيو 1999 ارتفع الدولار بنسبة 28% مقابل مؤشر العملات في 34 دولة, ويعني ذلك ان الأمريكيين كان بامكانهم شراء بضائع من الخارج بأسعار أقل وهو ما يساعد بدوره على الحد من التضخم وسعر الفائدة. وارتفعت القوى الشرائية للمستهلكين ومعها نسبة الاقتراض. كما ساعدت شهية الأمريكيين الضخمة على الاستيراد اقتصاديات كثير من الدول في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وداخل الولايات المتحدة عملت الأرباح السالبة وأسعار السندات على جذب الاستثمارات الأمريكية. وفي العام الماضي ابتاعت الشركات الخاصة للاستثمار الأجنبي نحو 265 مليار دولار من السندات الأمريكية وذلك طبقا لتقديرات وزارة التجارة الأمريكية. كما أنفقوا 196 مليار دولار استثمارات خاصة لبناء المصانع والمكاتب أو لشراء الشركات الأجنبية. والآن دعونا نتخيل حدوث انهيار للدولار. حسنا.. فسيحدث عكس ما أشرنا إليه آنفا حيث سترتفع أسعار الواردات ويزداد التضخم سوءا وسيعاني الانفاق الاستهلاكي وستنخفض صادرات الدول الأخرى وستبدو الولايات المتحدة أقل جاذبية للاستثمار الأجنبي. وستتأثر سوق الأوراق المالية. ومع انخفاض شراء الأجانب للدولار, سيتهاوى سعره أكثر وأكثر. ولا أحد يتوقع حدوث أزمة كاملة في سعر العملة, وذلك لارتباطها بفقدان ثقة المستثمرين في الدولار الأمريكي, وتحولهم للاستثمار في العملات الأخرى. أي انه نفس المصير الذي لاقته العملات الآسيوية عام 1997. غير ان الدولار لا يمكن أبدا أن يكون عملة البات التايلاندية. أما فيما يخص حدوث انخفاض طفيف, فالنتائج غير واضحة, ففي الأسابيع الأخيرة تعرض الدولار للانخفاض. ويتوقع بعض الاقتصاديين استمراره بصورة أكبر. وطبقا لتقديرات مؤسسة جولدمان ساش للاستثمار المصرفي فالانخفاض سيصل إلى 13% مقابل اليورو و10% مقابل الين في العام المقبل. لكن ليس هناك اجماع على ذلك. ويعتقد جانب آخر من المحللين ان الدولار مقبل على صعود بانت بشائره في انخفاض معدل التضخم وتحسن الأجواء الاقتصادية في الولايات المتحدة بصورة أكبر من أوروبا واليابان. ومن الصعب علينا تفسير هذا التباين في التوقعات, ذلك ان أسعار الصرف هي رد فعل مؤثرات عديدة يصعب التنبؤ بها. فالعجز التجاري الحاد تسبب في فقدان الدولة لقيمة عملتها. والصادرات تعجز عن توليد عملات صعبة لتعويض قيمة الواردات ويضطر التجار لبيع المزيد من العملية المحلية لشراء العملات الأجنبية. وهذا الاختلال يؤثر على قيمة العملة الوطنية. وإذا كان كل ذلك صحيحا فحتما سيتهاوى الدولار. فالعجز التجاري وصل إلى مداه وقفز بين عامي 1997 و1998 من 198 مليار دولار إلى 248 مليار دولار وهو مستمر حتى الآن في الارتفاع. بيد ان أسعار الصرف تستجيب باستمرار للتدفقات الرأسمالية والتقلبات في صناديق الاستثمار. وكانت هذه التدفقات والتقلبات في صالح الدولار حتى الآن. فالعام الماضي استثمر الأمريكيون نحو 298 مليار دولار خارج أراضيهم (ويشمل هذا الرقم شراء سندات أجنبية واستثمارات مباشرة وقروض مصرفية للأجانب) بينما بلغ حجم الاستثمارات الأجنبية في الولايات المتحدة 565 مليار دولار في نفس الفترة. واعتبر كثير من المستثمرين الأجانب الولايات المتحدة على انها (الواحة الآمنة) . حسنا لو سارت الأوضاع على ما هي عليه. لكننا لا نعرف إلى أين سيكون مسار الدولار ولا آثار ذلك. فمثلا يمكن لانخفاض قيمة الدولار ان يساعد على زيادة الصادرات الأمريكية وجعلها أكثر تنافسية. والخلاصة ان الانتعاش الاقتصادي مثله مثل تروس الآلة عليها أن تعمل في يسر وسهولة حتى تدور العجلة. غير ان انخفاض التضخم يدعم التفاؤل ويعزز من الانفاق الاستهلاكي. وعندما تنكسر التروس فربما تتوقف الآلة عن العمل أو تدور بصورة عكسية. خدمة الواشنطن بوست