مثلما كان للمصرف المركزي وظائفه ودوره في الاقتصاد الوطني , فكذا هو الحال بالنسبة للمصارف التجارية العاملة في الدولة , فكما هو معروف فان المصرف التجاري انما هو وسيط مالي بين الجهة المودعة والجهة المقترضة سواء كانت على شكل هيئات أو مؤسسات أو حكومات أم أفراد , وبالتالي فان المصارف التجارية تقوم بدورها من خلال توظيف الأموال المودعة لديها لخدمة الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية في البلاد ويعتمد نجاح الدور الذي تقوم به هذه المصارف من خلال الكيفية أو القنوات التي توجه اليها وتصب فيما لديها من موارد مالية بحيث تصل هذه القنوات الى المشاريع الانتاجية التي تخدم الاقتصاد الوطني. من هنا تأتي أهمية القطاع المصرفي في قيادة الاقتصاد و احداث التنمية الاقتصادية في الامارات من خلال تمويله لمشاريع التنمية طوال السنوات الماضية حيث لعب دوراً بارزاً ومكملاً لدور الحكومة في هذا المجال. ولكي يتبين لنا هذا الدور فاننا سوف نقوم بتحليل الميزانية المجمعة للمصارف التجارية العاملة في الدولة لكي نبين الدور الذي قامت به خلال تلك السنوات , وكيف استطاعت الحصول على الموارد اللازمة والقنوات التي تم توظيف تلك الموارد فيها. وكما هو معروف فان الميزانية المجمعة للمصارف التجارية انما هي سجل يوضح تطور أصول أو موجودات تلك المصارف (استخداماتها) وكيفية توظيفها من جانب , والجانب الآخر يبين خصوم المصارف أو مطلوباتها (مواردها) وكيفية الحصول عليها من قبل الغير وذلك في فترة زمنية معينه. لقد نص قانون انشاء مجلس النقد والذي كان يمثل السلطة النقدية خلال الفترة من (1973 ـ 1980) ثم قانون انشاء المصرف المركزي منذ 1981 على قيام المصارف التجارية العاملة في الدولة بتوفير المعلومات والبيانات الاحصائية والكشوف الشهرية التي تعكس تطورات نشاطها الشهري. ويقوم المصرف المركزي بتجميع هذه البيانات وتحليلها واستخراج ما يسمى بالميزانية المجمعة للمصارف التجارية والتي تتضمن الوضع المالي للمصارف , وكيفية حصولها على الموارد المالية وكيفية استخدامها لهذه الموارد. نمو الميزانية المجمعة للمصارف ومن خلال استعراض وتحليل الميزانية المجمعة للمصارف العاملة في الدولة خلال السنوات 1973 ـ 1998 وجد ان الاحصائيات حسب الجدول التالي تعكس مدى التطور الكبـير الـذي شهدتـه الميزانية خلال هذه الفتـرة حيث ارتفعت لتصل الى 235,1 مليار درهم في نهاية عام 1998 مقابل 3,6 مليارات درهم في عام 1973 , أي ان الميزانية تضاعفت بما يقارب 65,3 مـرة حيث بلـغ معـدل الزيـادة السنوية في المتوسط 9,3 مليارات درهم. ويلاحظ ان الميزانية المجمعة للمصارف قد سجلت نمواً مطّرداً خلال سنوات المقارنة وهذا لا شك يعكس حجم نشاط هذه المصارف والدور الذي لعبته في النشاط الاقتصادي في الامارات والتي شهدت نهضة اقتصادية واجتماعية كبيرة ويمكننا تحليل الأسباب التي أدت الى تحقيق المعدلات العالية للنمو في هذه الميزانية الى التالي : 1) النشاط الاقتصادي الذي شهدته دولة الامارات ولا سيما خلال عقد السبعينات نتيجة لارتفاع أسعار النفط وخاصة بعد تعديل أسعاره في عام 1973 ـ 1974 حيث حققت الامارات ايرادات نفطية ضخمة أدت الى زيادة الانفاق الحكومي ولا سيما في السنوات الأولى من قيام الدولة على مشاريع البنية التحتية وزيادة حجم الواردات , مما مكّن المصارف التجارية من الاستفادة من هذا الانتعاش الاقتصادي. 2) زيادة عدد المصارف التجارية العاملة في الدولة وفروعها فبعد أن كان يبلغ عددها 46 مصرفا منها (36) فرعاً لمصارف أجنبية كما هو في عام 1974 ارتفع ليصل (353) منها (110) فروع لمصارف أجنبية في عام 1998 ولا شك ان هذه الزيادة انما تعكس مدى تطور القطاع المصرفي وبالتالي ارتفاع النمو في الميزانية المجمعة للمصارف. 3) اتساع رقعة نشاط المصارف التجارية ليشمل مساحات كبيرة ومناطق عريضة من دولة الامارات لا سيما في ظل مجلس النقد حيث توسعت المصارف التجارية الأجنبية في نشاطها الى مختلف مناطق الدولة , وهذا من شأنه أن ينعكس على ميزانية المصارف التي استفادت أيضا من زيادة الرواتب والأجور ودخل المقيمين والمواطنين , فضلاً عن قيامها بمنح تسهيلات ائتمانية للمقيمين في الامارات لأغراض التشييد والبناء أو المضاربات والاستثمار. 4) لقد كان للاجراءات التي اتخذها المصرف المركزي الأثر الايجابي في تعزيز الأوضاع المالية للمصارف التجارية ولا سيما بعد الأزمات التي تعرض لها الجهاز المصرفي خلال فترة مجلس النقد , ومن هذه الاجراءات الطلب من المصارف زيادة رؤوس أموالها وقد أدى ذلك الى نمو الميزانية المجمعة للمصارف التجارية العاملة في الدولة. 5) تعتبر الودائع الحكومية التي تنامت لدى الجهاز المصرفي التجاري من العوامل الرئيسة للمصارف التجارية اذ تعتبر من المصادر المهمة لموارد المصارف , اذ حققت معدلات نمو مرتفعة منذ 1985 حيث بلغ متوسط نموها السنوي 26,2بالمائة خلال الفترة 1985 ـ 1998. 6) كانـت مساهمة المطلوبات الأجنبية (المصادر الأجنبية) مساهمة كبيرة في الميزانـية المجمعـة للمصارف التجاريـة العاملـة فـي الدولة اذ تعتبر من المصادر الهامـة لمواردها خلال السنوات الماضية , كما انها أكثر تأثرا بالأوضاع الاقتصادية التي شهدتها الامارات وبالمقابـل تعـتبر الأصـول الأجنبية وحجم الائتمان المصرفي الممـنوح للقطـاع الخاص من العوامل الرئيسة حيث يشكلان النسبة الأعلى وبلـغ متوسطهما 58 بالمائة من اجمالي الاستخدامات. وبعـد استعراضـنا للعوامـل الرئيسـة المؤثـرة في الميزانـية المجمـعة للمـصـارف التجاريـة نأتـي الــى تحلـيل بنودهـا لنبيـن التطورات التي شهدتها تلـك البنـود خلال السنوات 1973 ـ 1998 وانعكاسات هـذه التغيـرات على السيولـة المحلية , وبالتالي على المجـملات الاقتصاديـة في الدولـة ونقسـم تحليلنـا لجانبـي الميزانـية حسـب مـا يلي : أولا : جانب خصوم المصارف التجارية (المطلوبات) ـ الموارد المالية : يمثل هذا الجانب مصادر أموال المصارف التجارية العاملة في الدولة والتي تنقسم الى ثلاثة مصادر رئيسة هي الموارد الذاتية والموارد غير الذاتية ممثلة في الودائع بمختلف أنواعها والموارد الخارجية ممثلة في المطلوبات الأجنبية. 1) الموارد الذاتية : (رأس المال والاحتياطيات) تتألف الموارد الذاتية للمصارف التجارية العاملة في الدولة من رأس المال والاحتياطيات فعن طريق رأس المال , يعمل المصرف التجاري في بداية نشاطه حتى يستطيع أن يكسب ثقة المتعاملين وبالتالي يحصل على موارد أخرى على هيئة ودائع. أما الاحتياطيات فتتكون من المبالغ التي يتم اقتطاعها سنويا من رصيد الأرباح لغرض استخدامها عند الحاجة اليها. ويمثل رأس المال والاحتياطيات التزاما على المصارف التجارية تجاه حملة أسهمها. ولقد سجلت الموارد الذاتية (رأس المال والاحتياطيات) للمصارف التجارية العاملة في الدولة نمواً مستمراً منذ عام 1973 وهي فترة تأسيس مجلس النقد حيث بلغت في عام 1980 نحو 5,5 مليارات درهم مقابل 125 مليون درهم في عام 1973 ثم استمرت بالارتفاع الى أن بلغت في عام 1992 نحو 16,8 مليار درهم وشكلت نحو 11,4 بالمائة من اجمالي الخصوم في هذا العام. وأخيراً سجلت هذه الموارد نمواً لتصل في نهاية عام 1998 نحو 29,9 مليار درهم. 2) الموارد غير الذاتية (الودائع بأنواعها) : وتتألف الموارد غير الذاتية من الودائع سواء الودائع تحت الطلب (قابلة للسحب في أي وقت) أم الودائع لأجل (والتي يفترض ألا يتم سحبها الا في تاريخ استحقاقها) وكذلك القروض التي يقترضها القطاع المصرفي التجاري من المصرف المركزي. وتمثل الودائع بمختلف أشكالها المصدر الرئيس من مصادر أموال المصارف التجارية العاملة في الدولة اذ بلغت في عام 1998 نحو106,4 مليار درهم مقارنة بثلاثة مليارات درهم في عام 1973, وبذلك بلغت نسبة الودائع الى اجمالي الخصوم 47,6 بالمائة في عام 1998. وقد سجلت ودائع الأفراد وقطاع الأعمال نمواً كبيراً خاصة في عقد السبعينات الذي شهد انتعاشاً في الحركة التجارية وارتفاعاً في معدلات الدخول لدى الأفراد اذ شكلت هذه الودائع ما يقارب 45 بالمائة من اجمالي مـوارد أمـوال المصارف التجارية , بينما انخفـضت قـليلا في بداية الثمانينات (80 ـ82) لتبلغ أهميتها النسبية الى 40 بالمائة بسبب انعكاسات انخفاض أسعار النفـط على دخول الأفراد والنشاط الاقتصادي بالدولة. ومن ناحية أخرى تمثل الودائع شبه النقدية أهمية نسبية عالية ضمن فئات الودائع الأخرى , كما انها حققت نمو مطّرداً خلال سنوات المقارنة اذ بلغت في عام 1992 نحو 54,5 مليار درهم مقابل 1,3 مليار درهم في عام 1973. ثم ارتفعت في نهاية 1998 نحو 71 مليار درهم. أما من حيث توزيع هذه الودائع بين مقيمين وغير مقيمين , فان المصادر المحلية لهذه المصارف أي ودائع المقيمين تمثل أكثر من 95,2 بالمائة من اجمالي الودائع في نهاية عام 1998. كذلك فان الودائع الحكومية قد شهدت نمواً مرتفعاً خلال السنوات الأولى ولا سيما عندما قامت الحكومات المحلية بدعم بعض المصارف الوطنية حينما تعرضت لنقص في السيولة , حيث سجلت ارتفاعاً ملحوظـاً وبلغــت في نهايــة عـام 1998 نحـو 11 مليار درهـم مقابـل مليار درهم في عام 1973 , وتمثل الودائع الحكومية مانسبته 4,9 بالمائة من اجمالي الخصوم في عام 1998. 3) المطلوبات الأجنبية : تمثل المطلوبات الأجنبية أهمية كبيرة كأحد الموارد غير الذاتية للمصارف التجارية العاملة في الدولة , ولا سيما لمواجهة متطلبات السيولة في فترات معينة حينما تتعرض هذه المصارف لضغط على السيولة لديها. ومن خلال تحليلنا لهذا البند نجد ان المطلوبات الأجنبية قد سجلت نموا مرتفعاً خلال فترة السبعينات اذ كانت 429 مليون درهم في عام 1973 ارتفعت لتصل الى 16,8 مليار درهم في نهاية عقد السبعينات 1980 وواصلت الارتفاع حتى عام 1982 لتصل الى أعلى معدل لها خلال سنوات المقارنة اذ وصلت الى 26,5 مليار درهــم أي بزيـادة بلغت 9,7 مليارات درهم. ويعزى ذلك بالأساس الى الطفرة الاقتصادية التي شهدتها الدولة خلال فترة السبعينات وبداية الثمانينات وماصاحبها من ارتفاع في العائدات النفطية بعد تصحيح الأسعار , وتعتبر الخصوم الأجنبية (المطلوبات) من أكثر العناصر المكونة لموارد المصارف تأثراً بالأوضاع الاقتصادية , اذ سجلت تراجعاً بعد عام 1982 لتصل في عام 1985 الى 19,9 مليار درهم , ثم بدأت مرة أخـرى في الارتـفاع لتصل في عام 1988 الى 22,6 مليار درهم ووصلت في نهاية عام 1992 الى 26,3 مليار درهم , فيما بلغت 53,1 مليار درهم في نهاية عام 1998 ومثلت هذه الخصوم الأجنبية بالنسبة لموارد المصارف ما نسبته 17,8 بالمائة في نهاية عام 1992. ثانياً: جانب اصول المصارف التجارية (الموجودات) - استخدام الموارد المالية: من المعلوم بأن جانب الأصول للمصارف التجارية يؤكد أهمية المصارف التجارية في الدولة حيث يعكس هذا الجانب وظيفتها في المساهمة في الاقتصاد الوطني من خلال توظيف مواردها المالية في خدمة القطاعات الانتاجية المختلفة والمكونه للاقتصاد الوطني في الدولة. وعند قيام المصارف التجارية بهذه المهمه فانها مطالبة ان تراعي اعتبارات هامة هي عوامل السيولة أي أن تكون لديها السيولة اللازمة لتسيير نشاطها وللايفاء بأي طلب على الودائع , وكذلك تحقيق الربحية التي تعتبر مؤشراً لنجاح سياسة المصرف العامل في الدولة , ثم الأمان وذلك بالمحافظة على ودائع العملاء واكتساب ثقتهم وعدم منح تسهيلات ائتمانية دون دراسة وافية مع توزيع الأصول بالشكل الذي يضمن حقوق المساهمين والمودعين لدى المصارف العاملة. وفي ضوء هذه الاعتبارات تضع المصارف التجارية العاملة في الدولة استراتيجيتها من حيث استخدامها للأصول المتاحة لديها , ويتألف هذا الجانب من البنود التالية : نقدية : وهي النقود التي تحتفظ بها المصارف التجارية في خزائنها والتي تتكون من الأوراق النقدية لمواجهة الطلبات على النقود من قبل العملاء وذلك بموجب شيكات يقدمها العملاء للمصارف في حينه , وهي لا تمثل سوى نسبة بسيطة من أصول المصارف , اذ كانت 41,3 مليون درهم عام 1973 تصاعدت مع تطور النشاط الاقتصادي وزيادة الحركة التجارية , فضلا عن ارتفاع عدد السكان وبالتالي المتعاملين مع المصارف , ووصلت في نهاية عام 1992 الى 731 مليون درهم, ثم الى 1,3 مليار درهم في نهاية 1997 حتى بلغت 1,4 مليار درهم في نهاية عام 1998. ودائع لدى المصرف المركزي (مجلس النقد سابقا) : ويمثل حجم ودائع المصارف التجارية العاملة في الدولة والمودعة لدى المصرف المركزي والتي تستطيع أي المصارف سحبها متى شاءت (باستثناء الاحتياطي النقدي الالزامي منها) للوفاء بمتطلبات السيولة لديها وتتمثل في الحركة اليومية على سحوبات المصارف وأيداعاتها لدى المصرف المركزي من خلال دائرة العمليات المصرفية وفي ضوء خبرة المصرف التجاري يستطيع تحديد حجم تلك الأموال التي يمكن ايداعها أو سحبها من المصرف المركزي يومياً. وقد بلغت هذه الودائع في عام 1973 نحو 104 ملايين درهم تصاعدت بشكل واضح في فترة السبعينات بسبب وفرة السيولة لديها وزيادة حركة النشاط الاقتصادي , حيث وصلت في نهاية عام 1980 الى ملياري درهم تقريباً تنامت لتصل في نهاية ديسمبر عام 1992 الى 7,7 مليارات درهم ثم ارتفعت لتصل الى 11,5 مليار درهم في عام 1997, وفي نهاية عام 1998 قد بلغت 10,6 مليارات درهم. وهذا لا شك يعكس حجم التطورات في الجهاز المصرفي من حيث عدد المتعاملين وعدد المصارف العاملة في الدولة , فضلا عن زيادة نشاط هذه المصارف وتوسع رقعة خدماتها بالاضافة الى زيادة نسبة الاحتياطي القانوني من قبل المصرف المركزي أكثر من مرة خلال النصف الأول من الثمانينات. وفي ضوء اعتبار السيولة الذي أشرنا اليه آنفا فان هذين البندين يتصفان بدرجة سيولة عالية اذ يستطيع المصرف من خلالهما أن يفي بمتطلبات الحركة اليومية على سحوباته ويؤكد ثقة المتعاملين معه دون حصوله على أية فوائد عليها أو فوائد نتيجة احتفاظه بهذه الأصول. الأصول الأجنبية : من خلال تحليلنا لهذا البند نجد أن الأصول الأجنبية للمصارف التجارية العاملة في الدولة قد سجلت نمواً متسارعاً. فقد توسعت المصارف التجارية في استثماراتها الأجنبية من خلال توظيف مواردها المالية بالخارج حيث تشير البيانات بأن هذه الأصول قد قفزت من 1,6 مليار درهم في 1973 الى 19,4 مليار درهم في نهاية عام 1980 وتغيرت أهميتها النسبية لاجمالي الأصول من 43,6 بالمائة الى 37,4 بالمائة للعامين على التوالي , ثم واصلت هذه الأصول الارتفاع لتبلغ في نهاية عام 1998 نحو 81,9 مليار درهم مقارنه بـ 64,3 مليار درهم في نهاية عام 1995. ويعزى ذلك التطور الذي شهدته الأصول الأجنبية الى: أ) ضيق السوق المحلية في الامارات وبالتالي انخفاض الفرص الاستثمارية في الدولة مما دفع المصارف التجارية الى توظيف جزء من أموالها في دول أجنبية. ب) تذبذب أسعار الفائدة في الدولة , وانخفاضها قياساً بالفائدة على العملات الأجنبية بالخارج أدى الى قيام المصارف التجارية بايداع جزء من أموالها بالخارج بحثاً عن تحقيق عائد أكبر على هذه الأموال. جـ) وجود عدد كبير من فروع المصارف الأجنبية في الدوله ساعد في خروج رؤوس الأموال الى الخارج من خلال هذه المصارف ولا سيما في عقد السبعينات حيث كانت هذه المصارف هي المهيمنة على القطاع المصرفي في الدولة واستفادت من حجم السيولة الذي لم يكن للسوق المحلية قدرة على استيعابه. د) منافسة الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية للمصارف في تقديم التسهيلات ولا سيما لقطاع التشييد والبناء مما أثر على قيام المصارف بتقديم تسهيلات تحقق عائدا مناسبا لأموالها. أما من حيث هيكلية توظيفات هذه الأموال فقد توزعت الاستثمارات الأجنبية للمصارف التجارية في الدولة على ثلاث قنوات : أ) أرصدة لدى المصارف الأجنبية , وكذلك لدى المراكز الرئيسية والفروع للمصارف العاملة بالدولة. ب) سلف وخصومات لغير المقيمين. جـ) استثمارات أجنبية في هيئة سندات وأذونات وأسهم لشركات أجنبية. المطالب أو المستحقات على الجهات الأخرى : لقد ساهمت المصارف التجارية العاملة في الدولة في تقديم التسهيلات الائتمانية لجهات مختلفة في الدولة وهي : ـ الحكومة. ـ الهيئات الرسمية. ـ القطاع الخاص. ـ المؤسسات المالية الأخرى. ولقد شكلت التسهيلات الائتمانية المقدمة للقطاع الخاص أهمية كبرى في حجم استخدامات الأموال اضافة الى الأصول الأجنبية. من واقـع البيانـات الـواردة بالجـدول رقم (20) , ومن واقـع تحليلنا لتطـور الائتـمان المصرفـي المقـدم من المصارف التجاريـة العاملة في الدولـة يمكنـنا أن نقسم التطورات التي حدثـت للائتـمان المصرفي وذلك حسب الفترتين التاليتيــن : الفترة الأولى : التسهـيلات الائتمانية الممنوحـة من القطاع المصرفي خلال الفترة (1973 ـ 1980) شهدت هذه الفترة ولا سيما خلال النصف الثاني من عقـد السبعينات توسعا كبيراً في حجم الائتمان المصرفي اذ بلغ حجم الائتمان في عام 1980 حوالي 28,8 مليار درهم مقارنة بـ 1,8 مليار درهـم في عام 1973 ويعـزى هـذا التوسع الائتماني المقدم من المصـارف التجاريـة ولا سيما للقطاع الخاص كما هو مبيـن في الجـدول السابــق الى الازدهـار الاقتصـادي خلال نفـس الفتـرة, والى ارتفاع حجم الواردات , وعدم وجــود قيـود من قبل السلطة النقدية (مجلس النقد) على التسهيلات الائتمانـية المقدمة من قبل المصارف فضلا عن توفـر السيولة لدى المصارف التجاريـة ورغبة تلك المصارف بالاستفـادة من التطور الاقتصـادي ولاسيما قطـاع التشيـيد والبناء في الامارات خلال هذه الفتــرة. وتشير البيانات الى أن القطاع الخاص قد استأثر بالنصيب الأكبر من حجم التسهيلات المصرفية خلال هذه الفترة اذ بلغ الائتمان المقدم له بنحو 25,2 مليار درهم في عام 1980 مقابل 1,6 مليار درهم في عام 1973 , كما شكل حجم الائتمان المقدم للقطاع الخاص الجزء الأعظم من اجمالي الائتمان المقدم للمقيمين من العام 1973 الى العام 1980. و يتوزع الائتمان المقدم للقطاع الخاص بين القروض والسلفيات والسحب على المكشوف والتي تشكل عادة الجزء الأكبر من اجمالي الائتمان الممنوح للقطاع الخاص اذ استحوذ هذا البندعلى 22,8 مليار درهم في عام 1980 مقابل 1,6 مليار درهم في عام 1973 والقروض برهن عقاري التي تأتي في المرتبة الثانية وبلغت 4,4 مليارات درهم في عام 1980 مقابل 42 مليون درهم في عام 1973 , ثم الكمبيالات التجارية والتي بلغت في عام 1980 نحو 1,6 مليار درهم مقابل 136 مليون درهم في عام 1973. أما من حيث توزيع الائتمان المصرفي المقدم من قبل المصارف التجارية حسب القطاعات الاقتصادية فقد استأثر قطاعا التشييد والعمران , والتجارة , على الجزء الأكبر. فبلغ الائتمان المقدم لقطاع التشييد والعمران 9,2 مليارات درهم في عام 1980 وما نسبته 32,2 بالمائة من اجمالي الائتمان المقدم للمقيمين مقابل 137 مليون درهم وما نسبته 7,8 بالمائة في عام 1973. ثم يأتي قطاع التجارة الذي شهد نشاطاً كبيراً خلال عقد السبعينات بسبب زيادة الواردات والتوسع في الأنشطة الاقتصادية الأخرى فضلا عن ارتفاع النزعة الاستهلاكية لدى المواطن والمقيم في الدولة وتمثلت التجارة في هيئة تجارة الجملة و التجزئة , حيث سجل الائتمان المقدم لهذا القطاع ارتفاعاً ملحوظاً ليواكب الطلب على الواردات اذ بلغ في عام 1980 11,0 مليار درهم ومـا نسبـته 38,3 بالمائة مقابـل 1,7 ملـيار درهم وما نسبته 60,5 بالمائـة في عـام 1973. ثم يأتـي قطـاع الأنشطة الأخـرى وهـو عـبارة عن القـروض المقدمـة للأفـراد والمؤسسات التي لا تستهدف الربح كالجمعيات ذات النفع العـام , حيث استأثر بنحو 2,8 مليار درهم وبمـا نسبته 9,7 بالمائة في عام 1980 مقارنة بـ 166 مليون درهم ونسبة 9,4 بالمائـة في عام 1973, ثم قطاع الخدمات الحكومية 2,3 مليار درهم في عـام 1980 مقارنـة بــ 137 مليون درهم في عام 1973, ثم تأتـي بقــية القطاعـات التــي استأثرت بالنسـبة الباقيــة مـن الائتمان المصرفي. الفترة الثانية : التسهيلات الائتمانية الممنوحة من قبل القطاع المصرفي خلال الفترة (1980 ـ 1998) يتضح مدى تطور التسهيلات الائتمانية المقدمة للقطاعات الاقتصادية بالدولة من واقع الأرقام , اذ ارتفع حجم الائتمان الكلي ليصل في عام 1998 نحو 58,3 مليار درهم مقارنة بـ 28,8 مليار درهم في عام 1980 , ولقد شهد الائتمان للمقيمين حسب النشاط الاقتصادي نمواً تصاعدياً خلال فترة المقارنة باستثناء عام 1986 حيث سجل نمواً سالبا , اذ وصل الائتمان الى 44,3 مليار درهم في ذلك العام مقارنة بمبلغ 45,2 مليار درهم في عام 1985. أما في عام 1998 فقد بلغ 121,6 مليار درهم مسجلاً ارتفاعاً قدره 76,4 مليار درهم عن عام 1985. ومن خلال تحليل توزيع الائتمان المصرفي للمقيمين حسب القطاعات الاقتصادية بالدولة يتبين لنا بأنه خلال السنوات (1980 ـ 1998) سجل الائتمان المصرفي نمواً مع بروز قطاعات أخرى كان لها نصيب من النمو المتحقق في الائتمان المصرفي , حيث برز قطاع الحكومة (الخدمات الحكومية) والذي استأثر بجزء من الائتمان اذ بلغ حجم الائتمان المقدم له من اجمالي الائتمان 12,7 مليار درهم وما نسبته 10,5 بالمائة في عام 1998م , مقارنة بـ 2,3 مليار درهم ونسبة 8 بالمائة أي تضاعف حجم الائتمان للحكومة خلال فترة المقارنة بنسبة 100 بالمائة. ويعزى ذلك الى أن قطاع الحكومة لم يكن في حاجة الى الاقتراض من المصارف التجارية خلال فترة السبعينات حيث ان الموازنة العامة كانت في حالة فائض , بينما شهدت الموازنة عجزاً منذ 1982 , مما دفع الحكومة الى الاقتراض من القطاع المصرفي حيث بلغ 3,6 مليارات درهم في عام 1982 ارتفع في العام التالي الى 4,2 مليارات درهم ثم الى 9,5 مليارات درهم في عام 1985. ولقد كان للركود الاقتصادي الذي شهدته الدولة خلال هذه الفترة , وكذلك الى الأزمات الاقتصادية التي تعرضت لها المنطقة , ولظروف الحرب العراقية الايرانية ثم لأزمة الكويت , دور ملموس في اقتراض الحكومة لتغطية جزء من التزاماتها المالية. كذلك يعود التحول في الائتمان المصرفي خلال هذه الفترة الى الانتهاء تقريباً من بناء هياكل البنية الأساسية للدولة والتي انتهت مع فترة السبعينات وكذلك الاجراءات التي اتخذها المصرف المركزي حيال الائتمان المصرفي المقدم من قبل المصارف التجارية والقيود التي فرضها في هذا الشأن , ويؤكد ذلك انخفاض معدلات النمو في الائتمان المصرفي المقدم لقطاع التشييد والبناء. فبالرغم من انه يأتي في المرتبة الثالثة من حيث نصيبه من حجم الائتمان المصرفي الممنوح للمقيمين الا أنه سجل خلال فترة الثمانينات نمواً سالباً من حيث الأهمية النسبية اذ أصبحت أهميته النسبية 15,4 بالمائة في عام 1998 مقارنة 32,1 بالمائة في عام 1980 , بالرغم من أن حجم الائتمان سجل ارتفاعاً حيث وصل في عام 1998 الى 18,8 مليار درهم مقارنة بـ 9,3 مليارات درهم في عام 1980 أي بارتفاع بلغ 9,5 مليارات درهم ونسبة نمو بلغت 102,2 بالمائة. كما يلاحظ هذا التحول في الائتمان من خلال بروز قطاع الأنشطة الأخرى والذي يمثل القروض الشخصية والقروض المقدمة من القطاع المصرفي التجاري للأفراد والمؤسسات التي لا تستهدف الربح حيث شهد نمواً ملحوظاً خلال فترة الثمانينات والتسعينات , اذ بلغ نصيبه من الائتمان في عام 1998 نحو 35 مليار درهم مشكلاً نسبة بلغت 28,9 بالمائه وجاء في المرتبة الثانية بعد قطاع التجارة , وذلك مقارنة بعام 1980 حيث بلغ 2,8 مليار درهم ومانسبته 9,6 بالمائة. ويعزى ذلك الى قيام المصارف التجارية بمنح تسهيلات على هيئة قروض شخصية وتمويل شراء سيارات وحاجات استهلاكية أخرى للأفراد. أما قطـاع التجارة فانه وبالرغـم من أن أهميته النسبية قد سجلت انخفاضاً خلال هذه الفترة حيث بلغت 31 بالمائة في نهاية عام 1998 مقارنة بـ 38,3 بالمائة في عام 1980 , الا ان هذا القطاع مازال يستأثر بالنصيب الأكبر من حجم الائتمان المصرفي , وجاء في المرتبة الأولى حيث بلغ نصيبه 37,7 مليار درهم في عام 1998 مقارنة بنحو 11,0 مليار درهم في عام 1980 , ويعزى انخفاض أهميته النسبية الى ما سبق ذكره من العوامل المؤثرة في قطاع التشييد والبناء.