لا شك بأن هناك عددا من الدورات الموسمية (ليس أقلها العطلة الصيفية) تؤثر على حجم العمل التجاري والمستوى العام للنشاط الاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي . لكن ما هي طبيعة هذه الدورات وهل هي حقيقية أم مجرد اعتقاد وما مدى قوتها وهل تتغير مع الزمن وإلى أي مدى تساهم المبادرات الحكومية في تغيير الأنماط الموسمية. وقد ذكرت دراسة لمجموعة (اتش اس بي سي) ان يتسبب في حدوث أكثر الدورات انتشارا. فدرجات الحرارة تصل إلى قمتها في شهري يوليو وأغسطس, حيث يبلغ متوسط الحد الأقصى اليومي حوالي 45 درجة مئوية في الرياض وحوالي 41 درجة مئوية في دبي وتكون مصحوبة بمستويات عالية من الرطوبة. ولذلك فلا عجب ان يعتقد بأن فصل الصيف هو موسم انخفاض النشاط. فالنشاطات التي تتم في الهواء الطلق, على الأقل, تنخفض إلى حد كبير. ولكن إلى أي مدى يعتبر هذا الاعتقاد صحيحا؟ أحد المؤشرات الهامة في هذا الخصوص هو نمط حركة المسافرين جوا. فالعدد الصافي للقادمين (القادمون مطروح منهم المغادرون) يعطي صورة لصافي الزيادة أو النقصان في عدد السكان, وإذا أخذنا في الاعتبار انه لا يوجد تدفق كبير للوافدين الجدد القادمين, فإن الأرقام الشهرية للعدد الصافي من القادمين تكون مؤشرا معقولا لعدد المقيمين الذين يسافرون إلى الخارج. وتشير البيانات إلى انه في السنة العادية, وبحلول نهاية شهر يوليو, يغادر كل من البحرين وقطر ما بين 30 أو 40 ألف شخص ويغادر دبي حوالي 70 ألفا والكويت حوالي 125 ألفا والمملكة العربية السعودية ربما أكثر من 250 ألف شخص (وربما تكون هذه الأرقام أكبر إذا أخذنا في الاعتبار صافي عدد المغادرين برا). وعلى الرغم من ان المملكة العربية السعودية يغادرها العدد الأكبر في هذه الفترة, إلا اننا نجد, كنسبة مئوية, ان دول الخليج الأخرى تغادر نسبة أكبر من سكانها في فترة الصيف. فصافي عدد المغادرين في المملكة العربية السعودية في فترة الذروة يمثل 4.1% فقط من عدد السكان, بينما تتراوح نسبة المغادرين بالنسبة للبحرين والكويت وقطر ودبي ما بين 7 و9% في أغسطس. ولذلك يبدو واضحا ان الاعتقاد بوجود هجرة جماعية إلى الخارج في فصل الصيف هو اعتقاد صحيح إلى حد ما, ولكن ذلك يبدو أكثر وضوحا في دول الخليج الأصغر حجما مما هو في السعودية. مواسم الذروة إن النتيجة الطبيعية للدورة المناخية هي ان يكون فصل الشتاء هو موسم الذروة بالنسبة للسياحة وزيارات العمل. فالبلدان التي تروج للسياحة بين العملاء الأوروبيين, كدولة الامارات العربية المتحدة والبحرين, تستقبل معظم زائريها الذين يأتون للراحة والاستجمام في فصل الشتاء حيث يكون طقس الخليج المعتدل من أكثر العناصر جذبا لقضاء الاجازة. ولأسباب مماثلة, يعتبر فصل الشتاء أيضا هو الموسم الذي تكثر فيه المعارض والمؤتمرات. فمن بين حوالي 253 معرضا في دول مجلس التعاون الخليجي خلال عام ,1999 تقام 103 منها في الربع الأخير من العام ولا يقع أي منها في شهري يوليو أو أغسطس. رمضان والأعياد وهناك أيضا تأثير هام لدورة العطلات الرسمية والمهرجانات. فشهر رمضان المبارك, على وجه الخصوص, يغير مواعيد العمل التجاري وعمل الدوائر الحكومية ويتحول معظم النشاط من فترة النهار إلى الفترة المسائية. ويبدو ان شهر رمضان يساهم في خفض مستوى النشاط التجاري ولكنه يزيد من الانفاق الشخصي. فخلال شهر رمضان تميل نسبة اشغال الفنادق في دبي إلى الانخفاض بحوالي 10%, وفي المملكة العربية السعودية تنخفض قيمة خطابات الاعتماد الجديدة عادة بنسبة 20% أو أكثر, ولكن عمليات سحب النقود من ماكينات الصراف الآلي بنسبة 10 إلى 15%. أما عيد الفطر والأضحى فلهما تأثير مختلف, حيث تنشط حركة السفر داخليا وعلى مستوى المنطقة, خاصة من قبل المقيمين في المملكة العربية السعودية الذين يحصلون عادة على اجازة لمدة عشرة أيام في كل من هذين العيدين. فخلال عطلة عيد الأضحى في مارس 1999 بلغ عدد الأشخاص القادمين عبر مطار دبي الدولي 602.17 في اليوم, بزيادة قدرها 45% عن المتوسط السنوي. أما الأعياد المسيحية, وبصفة خاصة عيد الميلاد وإلى حد ما عيد الفصح, فهي تجلب عادة الأوروبيين في زيارات قصيرة, كما تساهم أيضا في زيادة الانفاق الفردي من قبل المقيمين. وهناك أيضا دورات للمنتجات لها تأثير هام على حركة العمل التجاري في الخليج. ومن أهم هذه الدورات طرح الموديلات الجديدة بالنسبة لتجارة السيارات. وشحنات سيارات الركاب التي ترسلها الشركات اليابانية إلى منطقة الشرق الأوسط تبلغ ذروتها في شهر سبتمبر, عندما يبدأ ظهور موديلات السنة الجديدة. وتحدث ذروة مماثلة في أكتوبر بالنسبة للمركبات التجارية كالشاحنات الخفيفة وسيارات الدفع الرباعي. وربما توجد أيضا دورات مشابهة في مجالات العمل التجاري الأخرى حيث يكتسب طرح المنتجات الجديدة نوعا من الأهمية. التغيرات في الدورات الموسمية وبعض الدورات الموسمية تتغير تلقائيا بمرور الزمن لانها مرتبطة بالتقويم الهجري, ولذلك فهي تتحرك بصورة عكسية عبر السنة الميلادية وخاصة شهر رمضان والعيدان. ونتيجة لذلك فإن شهر رمضان الذي جاء في فصل الصيف قبل 15 سنة تقريبا يبدأ الآن في ديسمبر ويتداخل مع أعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية والموسم السياحي الشتوي. وفي بعض النواحي نجد ان التباطؤ العام للنشاط في شهر رمضان يلغي الانتعاش الموسمي. ومن ناحية أخرى, فإن عيد الفطر الذي يأتي بنهاية شهر رمضان هو مناسبة للتجمعات الاجتماعية والترفيه على نطاق واسع, مما يعزز الدورة الموسمية القائمة. وربما تتغير دورات أخرى مع تحول اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي ليصبح أكثر تكاملا وتفاعلا مع بقية دول العالم. وربما يصبح الصيف أكثر نشاطا مع اتساع وتعمق العلاقات مع الاقتصاديات الأوروبية والآسيوية. اضافة إلى ذلك, فإن المزيد من الناس قد يفضلون البقاء في منطقة الخليج في فصل الصيف خلال فترات الركود أو تباطؤ النمو الاقتصادي (كما قد يكون الحال الآن). المبادرات الحكومية هل من الأفضل التخلص من الموسمية؟ يمكن القول ان وجود مستوى ثابت من النشاط الاقتصادي أفضل من وجود دورة موسمية. فعلى سبيل المثال, فإن بعض المرافق كالفنادق ومراكز المعارض والمؤتمرات يتم تصميمها بحيث تلبي الطلب في فترات الذروة, وسيكون من المفيد المحافظة على مستويات اشغالها في فترات انخفاض النشاط. وقد باشرت حكومات دول مجلس التعاون الخليجي بالفعل باتخاذ مبادرات تهدف إلى المحافظة على النشاطات الاقتصادية خلال فترات التباطؤ. وتعتبر دبي هي الرائدة في هذا المجال, وخير مثال على ذلك مهرجانات دبي للتسوق التي تم توقيتها لابقاء محلات البيع بالتجزئة وغيرها من قطاعات الخدمات الأخرى في حالة من الحركة والنشاط طوال شهر ابريل. وقد تعزز هذا المفهوم بمفاجآت صيف دبي. ويبدو ان هذه الفكرة قد تكللت بالنجاح, على الأقل فيما يتعلق بجلب الزائرين إلى دبي. ومن المعروف ان نسبة اشغال الفنادق في دبي حاليا تصل إلى ذروتها في مارس وابريل خلال فترة مهرجان دبي للتسوق. وفي عام ,1998 كانت هناك ذروة أخرى في شهر أغسطس بالتزامن مع مفاجآت الصيف. وبمقارنة بيانات المطار, يتضح ان الزائرين الاضافيين في شهر أغسطس قد وصل معظمهم عن طريق البر سواء من الامارات الأخرى أو من سلطنة عمان. اقتصاد بدون دورات موسمية ؟ كم من النشاط الاقتصادي الاضافي يمكن تحقيقه بازالة الموسمية في دول مجلس التعاون الخليجي؟ يمكننا, على سبيل التقريب, أن نقدر حجم التأثير الذي سيحدث على الناتج المحلي الاجمالي للمنطقة إذا حافظ فصل الصيف على مستوى النشاط نفسه الذي يحققه فصل الشتاء. ففي الوقت الحاضر, نجد ان سلطنة عمان هي الوحيدة من بين الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي التي تحتفظ ببيانات الناتج المحلي الاجمالي على أساس ربع سنوي. وتشير البيانات العمانية لعام 1998 إلى انه إذا كان بالامكان المحافظة على مستوى النشاط التجاري على مدار العام بمستوى الربع الأخير, فإن ذلك سيضيف حوالي 10% إلى الناتج المحلي الاجمالي غير النفطي. وبتطبيق هذا المثال التقريبي على دول مجلس التعاون الخليجي التي يبلغ ناتجها المحلي الاجمالي حوالي 150 مليار دولار أمريكي, يمكننا أن نتوقع أن يكون لازالة الموسمية تأثير اقتصادي بمبلغ 15 مليار دولار أمريكي. وحتى لو أمكن تحقيق نصف هذا الرقم, فإن النشاط الاقتصادي الاضافي سيكون له تأثير كبير على أرباح الشركات والايرادات العامة وفرص العمل في دول مجلس التعاون الخليجي.