لقد برزت التجربة الصناعية لدول مجلس التعاون الخليجي بعد الارتفاع الكبير في العوائد النفطية في منتصف السبعينات, ودخلت الحكومات الخليجية كمستثمر له ثقل في تمويل الصناعات الوطنية الى جانب القطاع الخاص ولم يحاول القطاع الحكومي الدخول في الاستثمار الصناعي من باب المنافسة للقطاع الخاص, بل فضل الأخذ على عاتقه اقامة بعض الصناعات النفطية ومشتقاتها كتكرير النفط وصناعة مشتقات الغاز, تاركا المجال للقطاع الخاص لتطوير استثماراته في الصناعات الصغيرة والمتوسطة والمرتبطة به تاريخيا, حيث توفرت للقطاع الخاص امكانات وقدرات تمويلية كبيرة بعد تضاعف العوائد النفطية, ولقد بات الاستثمار الحكومي يمثل احد الاشكال المهمة للتمويل الحكومي, حيث ادى هذا التوجه الى ايجاد وتطور بعض الصناعات الكبيرة المهمة, وعلى الرغم من محدودية المشروعات الممولة مباشرة من القطاع الحكومي, الا انها تشكل الجزء الأعظم من حجم الاستثمارات في قطاع الصناعات التحويلية, كما انها تنتج 80% تقريبا من اجمالي القيمة المضافة للصناعات المحلية, كما أصبح القطاع الحكومي يسهم في تنفيذ كثير من المشروعات الصناعية المهمة من خلال المؤسسات المستقلة التي يملكها بالاسهام مع القطاع الخاص, حيث شمل ذلك مؤسسات صناعية كبيرة ومتوسطة ذات اهمية للاقتصاد الوطني كصناعة الاسمنت ومواد البناء والتشييد وبعض الصناعات الغذائية والكيماوية. ان المشروعات الصناعية قد تكون من اكثر المشروعات المنتجة التي تحتاج الى دعم تمويلي لاسباب عديدة منها, كبر حجم رؤوس الاموال المستثمرة, ومنها طول الفترة التي يستغرقها المصنع منذ انشائه حتى يعطي عائداعلى انتاجه, كذلك احتياجاته الى التوسعة المستمرة ونفقات الصيانة وغيرها من الأسباب الاقتصادية والفنية التي تدعو مؤسسات التمويل والاستثمار لان تلعب دورا مهما في تمويل المشروعات الصناعية, وتدعيم البنى الصناعية في دول المجلس, وفي ظل اختلاف الظروف الاستثمارية في القطاعات المختلفة نجد ان البنوك التجارية تقدم الائتمان على أسس تجارية بحتة, بناء على اسعار الفائدة السائدة في السوق ولفترة قصيرة ومن غير فترة سماح في أغلب الاحيان, لذلك سدت بنوك التنمية الصناعية الفجوة الناتجة عن عدم ملاءمة الائتمان المصرفي لطبيعة الاستثمار الصناعي, وعلى الرغم من الشروط التي تطلبها بنوك التنمية الصناعية, الا انها احسن حالا بكثير من شروط البنوك التجارية, حيث تتميز بانخفاض اسعار الفائدة وقصر فترة السداد ومنح فترة السماح تتراوح ما بين سنة و3 سنوات. ومع ذلك, ترى الدراسة الصناعية الاماراتية المذكورة ان من الصعاب والمعوقات التي تعترض طريق الصناعات الوطنية فيما يتعلق بجانب التمويل, الأعباء المالية الباهظة والناجمة اساسا عن ارتفاع كلفة الاقتراض من المصارف التجارية, وهذه المعوقات سوف تزداد حدتها خاصة بعد انضمام دول المجلس لمنظمة التجارة العالمية, الامر الذي سيضطر المستثمرين الصناعيين الى الاقتراض بسعر السوق, ما يعني زيادة كلفة الانتاج, ومن ثم اضعاف القدرة التنافسية للمنتج الوطني, ومن شأن ذلك ان يزيد من الاعباء المالية على الصناعات الوطنية وان يحد من فرص نجاحها ما لم تعمل الاجهزة الرسمية على وضع الحلول المناسبة. إن التمويل يعد الحلقة الأكثر أهمية في انشاء أي مشروع, وتزداد تلك الأهمية في المشروعات الصناعية على وجه الخصوص. وفي الوقت الحاضر تقوم المصارف الصناعية بالرغم من محدودية مواردها المالية بدور رئيسي في عملية التمويل. والمطلوب هو العمل على تنويع هيكل الموارد المالية لهذه المصارف من خلال اللجوء إلى أسواق المال الوطنية وكذلك العمل على انشاء مؤسسات تمويلية صناعية جديدة تعمل جنبا إلى جنب مع المصارف الصناعية بمشاركة القطاع الخاص, حتى لا يلجأ الراغبون في الاستثمار إلى الاقتراض من البنوك التجارية, وبالتالي تحمل أعباء مالية ضخمة قد تؤثر سلبا على مسيرة مشروعاتهم. لقد بات من المهم زيادة القدرات التمويلية والفنية والادارية للبنوك والصناديق الصناعية وتوسعة نشاطها لتقديم المزيد من التسهيلات التمويلية للمؤسسات الصناعية, عن طريق السماح لها بطرح سندات تنمية, على أن تقوم باستثمار قيمة هذه السندات في مشروعات اقتصادية حيوية والمشاركة في رؤوس أموال المشروعات الصناعية, أو ان تقوم الحكومات بزيادة رأس مال هذه البنوك والسماح لها كذلك بالاقتراض من البنوك التجارية. وأخيرا, فمن المهم أيضا - وفي ضوء التجربة السابقة لمؤسسات التمويل الصناعي الخليجية - ان يتم تطوير اللوائح والأنظمة المعمول بها حاليا في البنوك الصناعية, وبصفة خاصة من ناحية فترة السداد وسعر الفائدة على القروض الممنوحة من قبل هذه البنوك, وان تسهم في اعداد قوائم بفرص الاستثمار المدروسة وترويجها بين المستثمرين في القطاع الخاص, خاصة وان عدم وجود فرص استثمارية يعد أحد العوامل الرئيسية لهروب رؤوس الأموال الخليجية إلى الخارج للبحث عن فرص استثمار أكثر جدوى من الداخل.