يهدف هذا التحقيق إلى حل بعض ألغاز سوق العقارات لدينا. وهي بالفعل ألغاز.. نلاحظ انخفاضا في إيجارات بعض شرائح المساكن (الشرائح المتوسطة على وجه الخصوص), ولكننا نلاحظ أيضا زيادة في تصاريح البناء .. ثم نرى ارتفاعا في إيجارات الإسكان الفاخر, ولكننا نرى أيضا شققا وفيلات كثيرة بلا مستأجرين.. أسعار الأراضي انخفضت قليلا, والبنايات الكاملة تباع الآن بأقل قليلا من أسعار العام الماضي, ولكن المستثمرين يتدافعون بعد للبناء, أي لطرح المزيد من البنايات في السوق. إنها ظواهر محيرة, بحكم تناقضها, ولن نتمكن بطبيعة الحال من حلها أو فهمها جميعا في هذا المسلسل من التحقيقات. ولكن مناقشة الأمر مع ذلك لا تخلو من فائدة. * فهناك أولا إطار عام يظهر واضحا. ذلك أن من تعودوا على معدلات الأرباح المرتفعة التي تحققت من الاستثمار العقاري خلال السنوات العشر الماضية عليهم العودة إلى المنطق.. ويقول المنطق في هذا الأمر أن أرباح القطاع خلال تلك السنوات العشر كانت هي الاستثناء, وليست القاعدة. لقد كانت أرباحا كبيرة بحق, وليست هناك سوق واحدة في العالم بوسعها أن تواصل النمو إلى الأبد بهذه المعدلات المرتفعة. إن قياس أرباح اليوم ـ في قطاع العقارات ـ على معايير أرباح الأمس هو محاولة لتحويل الاستثناء إلى قاعدة. وعلى الرغم من أن مستثمرين كثيرين لم يجدوا ما توقعوه من ربح, فإن عليهم لوم توقعاتهم, وليس لوم السوق. إن سوق العقارات في الإمارات تنمو, وستظل تنمو. وحتى إن هي تراجعت في عام أو عامين, خطوة أو خطوتين, فإنه تراجع مؤقت على مسار صاعد باضطراد. السياق العام لهذه السوق هو سياق صحي بالنسبة للمستثمر. فقط على هذا المستثمر أن يتجنب إرهاق الجميع بالشكوى من أن الأرباح التي توقعها ـ توقعها هو ـ لم تتحقق. * مع ذلك فإن أي تباطؤ في سوق العقارات, وليس إلى مجرد مناسبة للشكوى والتذمر. كيف يمكننا أن نستفيد من هذه اللحظة؟ ذلك هو سؤال من يعانون مشاق البناء.. البناء الاقتصادي والتشريعي. ففي أية لحظة تبدو ـ في جانب منها ـ سلبية, هناك فوائد ما قابعة في ركن من أركانها تنتظر من يدفع بها إلى ضوء البحث. وتخفي هذه اللحظة درسا هاما لنا جميعا يتعلق بالنقص الواضح في المعلومات المتاحة أمام المستثمرين حول سوق العقارات.. في شفافية التعاملات في هذه السوق. وحتى لا يبقى كلامنا معلقا في إطار التنظير سنفحص حالة عملية, وإن كانت افتراضية. فإن تصورنا أن (س) يمتلك خمسة آلاف قدم مربعة في أرقى مناطق دبي, وإن تصورنا أنه يريد بيعها بسعر مبالغ فيه, لا يتفق مع الأسعار التي تتردد في السوق, فإن عليه أن يبدأ أولا بتغيير هذا الـ(ما يتردد في السوق) , أي إن عليه أن يشيع أن سعر القدم أصبح ثلاثة دراهم ـ مثلا ـ بعد أن كان درهمين. ولكن حبل الكذب قصير. يعلم (س) أن أحدا لن يصدق مثل هذه الشائعات. ومن ثم فإن عليه ـ ببساطة ـ أن يجعل منها حقيقة.. يذهب (س) سرا إلى (ص) , ويعطيه مالا يكفي لشراء ألف قدم فقط من الخمسة آلاف التي يمتلكها, بسعر ثلاثة دراهم للقدم الواحدة. ويحمل (ص) الفلوس, ويشتري الألف قدم من (س) , ويدفع, وهكذا تتحول الشائعة إلى حقيقة: تم بيع قطعة من الأرض في ذلك الموقع بثلاثة دراهم. سرعان ما ينتشر الخبر, أي سرعان ما يتبين لنا أن (س) تمكن بالفعل من تغيير هذا الـ(ما يتردد في السوق) حول سعر الأرض, وبوسعه وقتها أن يبيع الأربعة آلاف قدم بسعر ثلاثة دراهم من دون أن يقول قائل إن هذا السعر يخرج عن سياق الأسعار المتداولة. عما يكشف هذا؟ أولا عن ذكاء (س) وحنكته. لا نجادل في هذا. ولكنه يكشف عن أمر آخر إذا أخذنا هذا المشهد على شموله.. ذلك هو غياب نقطة واحدة مركزية وأمينة تجمع كل المعلومات المتعلقة بالقطاع العقاري وتضعها في خدمة المستثمرين. ذلك أن (س) لم يكن ليتمكن من تنفيذ خطته لو عرف المشترون أن الأرض في أماكن أخرى أكثر فخامة تباع بدرهمين للقدم المربع. ولكن الاحتياج لمركز المعلومات هذا يتجاوز (س) , و(ص) , والأربعة آلاف قدم مربعة. إنه أداة ضرورية لتنظيم عنصر المخاطرة في السوق, ولخدمة مستثمرينا, أي لخدمة الكتيبة الأساسية التي تنهض بمهمة البناء الوطني وتضمن حيوية أسواقنا. وإلا فليقل لنا من يعلم: كيف يمكن للمستثمر أن يعرف عدد الشقق المعروضة للإيجار وعدد المستأجرين المحتملين.. خلال عامين مقبلين؟ السؤال يبدو هنا ـ في حالتنا ـ معقدا. ولكنه في أماكن وأسواق أخرى يبدو بديهيا. لقد أوصانا قادة هذا البلد بأن نطور من نقاط قوتنا الأساسية, أي أسواقنا. وهم لا يكفون عن الدفع بالأمور إلى آفاق أكثر اتساعا ورحابة أمام مستثمرينا جميعا, صغار أم كبار. وعلينا نحن أن نمضي في هذا الاتجاه الذي أشاروا إلينا بأن نمضي فيه.. حتى نفعل ذلك يجب أن نعيد قراءة هذه اللحظة في سوق العقارات, وحين نخرج من المحاولة سنكتشف أن بجعبتنا من الأسئلة أكثر بكثير مما فيها من إجابات. قد يمكن لمن هم على دربنا تحمل ذلك, ولكن المستثمرين ـ أي طليعة هذه السوق ـ تتأثر به كثيرا, فثمة ملايين تدفع, وثمة ملايين تتبادلها الأيدي. وليس بالإمكان ترك هذه الآلية لكل مستثمر على حدة, يرسل بعض عيونه لجمع أخبار من هنا وأخرى من هناك. إنها آلية بدائية, فيما يمكن أن يقدم مركز دراسات السوق واحصائياته ـ على نحو ما نقترح ـ آلية متطورة لسوق لا تكف عن التطور. كانت سوقنا صغيرة في الماضي, وهي تتسع بسرعة تذهل الكل, بل تذهلنا نحن أنفسنا أحيانا. إلا أن هذا التوسع لا يجب أن يصبح ـ فقط ـ مدعاة للزهو. يجب أن يتحول أيضا إلى حافز للتفكير ولاقتراح آليات جديدة تجعل المسار أقل خطرا لمستثمرينا. * إن ما نراه الآن هو ـ في جانب منه ـ ثمرة لغياب أي قياس فوري لنبض ودرجة حرارة السوق, إن جاز التعبير. ثمة شرائح من قطاعات الإسكان نلحظ فيها زيادة في العرض, وثمة شرائح أخرى نلحظ فيها نقصا في العرض. ويبدو تعبير قطاع العقارات تعبيرا مضللا. إذ إن عقار الكرامة غير عقار الجميرة, وعقار أبوظبي غير عقار الفجيرة. إن سوق العقارات (كائن) معقد. وهو بالضرورة يحتاج إلى (تشريح) علمي, وإلى توقعات علمية حول معدلات زيادة الطلب في الأماكن المختلفة, وإلى شفافية ودقة في الإبلاغ بمعلومات تداول الأرض والعقارات. .. لقد نقلنا هذه المساحة إلى السوق. ووضعنا فيها شهادات واقعية من أركانه المختلفة. ثم أعدناها إلى القارئ كما هي. فإن سألنا أحدهم: هل هناك تباطؤ حقا في قطاع العقارات سنقول: ربما, بلى. في بعض القطاعات, المستثمرون يواصلون البناء.. كلا!.. والمشكلة أن كل هذه الإجابات صحيحة على نحو ما. فثمة شرائح إسكانية تشهد انتعاشا وأخرى تفتقده, وثمة مناطق مطلوبة وأخرى كاسدة.. باختصار, علينا أن نعيد اكتشاف هذه السوق على نحو منتظم, فهي أسواق متداخلة, بين الإمارات المختلفة, والمناطق المختلفة داخل كل إمارة, والشرائح المختلفة من المساكن. إنها حقا ليست سوقا سهلة.