ما زال القطاع العقاري يشكل وعاء استثماريا كبيرا لجذب الأموال الوطنية وهو أحد القطاعات المهمة ذات العائد الاستثماري المربح بالاضافة الى ذلك فهذا القطاع يمثل ترمومترا للأداء الاقتصادي حيث زادت الشركات العاملة فيه بشكل كبير مع بداية النهضة العمرانية الكبيرة التي تواكبت مع حركة التنمية الاقتصادية بالدولة. ونظرا لجاذبية هذا القطاع فانه دائما محط الاهتمام والمتابعة من الكثيرين ولذلك تثور الاسئلة حوله دائما لارتباطه بحركة السوق. فإلى أين يتجه السوق حاليا وما هي مؤشراته في الفترة الحالية ثم ما هي ما توجهاته في المستقبل القريب؟ والى أي مدى يتأثر العرض والطلب بالظروف الاقتصادي وكيف يمكن الوصول الى نقطة التوازن؟ خبراء السوق لديهم اقتراحات تلخص الوضع الحالي لسوق العقارات منها ضرورة وجود دراسات كاشفة لحركة السوق وهذه مهمة يقترح البعض قيام الحكومة بها, كذلك ضرورة وجود تنظيم أو قانون ينظم أداء مكاتب السماسرة حتى لا يتعرض السوق لهزات نتيجة العشوائية. الملاحظ في رصد الآراء ان هناك انخفاضا ملحوظاً في الأسعار وان الطلب حاليا على الاسكان المتوسط هو السائد يقابله توسع رأسي في المستوى الفاخر وبالتالي فان ذلك يتطلب تدخلا لتحديد نوعيات البناء ودراسة الشرائح الاجتماعية. الملحوظة الأخرى ــ الجديرة بالمتابعة ــ تتعلق بالبعد القانوني فقد بدت تطفو على السطح مؤخرا النزاعات حول عدم سداد الايجار سواء من المستأجرين للملاك أو من الوسطاء والشركات العقارية للملاك. مؤشر السوق ونظرا لارتباط سوق العقارات في الدولة بشكل كبير بحركة الاقتصاد حيث ان غالبية المتعاملين مع هذه السوق وخاصة المستأجرين من الوافدين يعملون في مختلف القطاعات الاقتصادية, فقد ارتبط مؤشر العرض والطلب في البيع والتأجير بشكل كبير بأعداد هؤلاء الوافدين للعمل ومستوى أجورهم, وارتبط بهذا المؤشر ايضا بمستوى ونوعيات الاسكان المطروح في السوق للبيع أو للايجار من فاخر ومتوسط وشعبي, وحتى مساكن المواطنين خضعت هي ايضا لمؤشرات السوق نظرا لارتباط دخولهم بمستوى الحالة الاقتصادية في البلاد. وبات سوق العقار في الدولة يعكس بشكل واضح وربما أكثر من غيره مستوى الحالة الاقتصادية وينعكس بدوره على العديد من القطاعات الأخرى, وليس أدل على ذلك من ان غالبية القروض التي تمنحها البنوك في الدولة توجه الى هذا القطاع وحده, وأصبح العقار في حد ذاته وملكيته أكبر ضمان لصرف القروض والائتمانات من البنوك الوطنية والأجنبية في الدولة. ومن البديهي في ظل هذا الاطار العام أن يتأثر سوق العقارات في الدولة بالأوضاع الاقتصادية بصفة عامة, وربما هذا ما لاحظه الكثيرون في هذه الأسواق في الآونة الأخيرة. انخفاض الايجارات ويقول خبير العقارات عبد العزيز الكشواني ان سوق العقار في دولة الامارات يعاني من الركود على مدى عام مضى سواء في مجال البيع أو الشراء أو في مجال التأجير, وقد انخفض مستوى الايجارات في أبوظبي خلال 6 شهور فقط حوالي 30%, وفي دبي انخفضت الايجارات في بعض الأماكن الى 20%, وفي الشارقة الى 10%, وانخفضت بشكل عام أسعار البيع في العقارات, والأوضاع في سوق أبوظبي أكثر هدوءا نظرا لان غالبية التمويل في سوق العقارات حكومي, بينما هي أكثر عرضة للاضطرابات في دبي والشارقة حيث غالبية التمويل تجاري ومن البنوك التي تصل فوائدها أحياناً الى 15%. ويقول الكشواني ان السوق في دبي والشارقة مرتبط الى حد كبير, وتعمل فيه شركات واحدة, والمعروض في هذا السوق للبيع والايجار كثير جدا, وينبئ بانخفاض كبير في الأسعار في الفترة المقبلة, ومثال على ذلك ان في منطقة واحدة في الشارقة مثل (القاسمية) هناك ثلاثة آلاف شقة جديدة سوف تطرح في السوق للايجار قريباً الى جانب آلاف أخرى من الشقق الخالية تركها أصحابها لأسباب مختلفة, وتقريبا كل الشقق الجديدة من التشطيب الفاخر ذي التكلفة العالية وايجاراتها مرتفعة. وينتقد الكشواني عمليات التوسع الرأسي في البناء قائلا ان البلد صغير والكثافة السكانية فيه محدودة, ولا يوجد داع لهذا التوسع الكبير في البناء وغالبيته من المستوى الفاخر, ومن الضروري التدخل لتحديد نوعيات البناء وتحديد عدد الطوابق ايضاً. دور الوسطاء ويتحدث الكشواني عن دور الوكلاء والوسطاء في سوق العقارات قائلا ان هناك زيادة مفتعلة في الايجارات تقوم بها بعض الشركات الخاصة وخاصة في دبي, وبعض الوسطاء الذين يعملون من خلال مكاتب تحمل أسماء محلية وتديرها ادارة أجنبية, وهؤلاء يتفقون مع الملاك ويأخذون منهم العقارات ويعطونهم شيكات بقية الايجارات مقدما, ثم يرفعون الايجارات على المستأجرين أو يغلقون بعض العقارات حتى ترتفع ايجاراتها, ومع ركود السوق وانخفاض الطلب لايجد هؤلاء الوسطاء مستأجرين بينما أصحاب العقارات يطالبون بأموالهم وبسداد الشيكات. أسعار العقارات ومن مكتب برشلونة للعقارات يقول عبد الجليل بستكي ان اوضاع السوق الآن أسوأ بكثير منها في العام الماضي والجميع متخوف, هذا على الرغم من ظهور بعض بوادر الانتعاش في سوق دبي والشارقة منذ أول اغسطس الجاري حيث زاد الطلب في سوق العقارات عن شهر يوليو بنسبة 20%, ولكن الأسعار بشكل عام منخفضة وبنسبة كبيرة والمعروض للبيع وللايجار أكثر بكثير من الطلب ويعطي (بستكي) بعض أمثلة الصفقات التي عقدت مؤخرا ومنها عمارة في الشارقة من سبعة طوابق من نوعية الاسكان المتوسط تحقق دخلا سنويا 570 ألف درهم تم بيعها مقابل أربعة ملايين درهم في حين ان سعرها في العام الماضي كان لايقل عن 5.5 ملايين درهم, وعمارة أخرى في سوق الرولة في الشارقة من سبعة طوابق اسكان نصف فاخر ودخلها السنوي 460 ألف درهم تم بيعها مقابل 3.5 ملايين درهم بأقل من قيمتها في العام الماضي بحوالي مليوني درهم وكثير من الملاك يريدون سيولة مالية لاستثمارها في مشاريع أخرى تحقق ربحا أكبر. ويضيف بأن أسعار الأراضي المعدة للبناء في بعض مناطق دبي مثل (مردف والمزهر وأم سقيم) انخفضت وهناك توجه الان في البناء للاسكان الفاخر, وانخفض عدد الشقق الاستوديو والغرفة الواحدة بينما زاد عدد الشقق الغرفتين فما فوق وخاصة في مناطق (البراحة وفريج المرر) مقابل فندق حياة ريجنسي حيث الأسواق التجارية والتي انخفضت فيها الايجارات نظرا لحالة السوق وانخفاض عدد السائحين الأجانب, كما انخفضت ايجارات الفيلات الفخمة في مناطق مثل (الجميرا وأم سقيم) بنسبة وصلت الى 20% بسبب كثرة المعروض وانخفاض الطلب, وانخفضت أسعار البيع والايجار في منطقة أبو هيل بنسبة 25%. ورغم التحسن الطفيف في شهر اغسطس في السوق والذي يمكن ان يستمر في سبتمبر بعد العودة من الاجازات الا انه ليس من المتوقع تحسن عام في السوق ولا عودتها لما كانت عليه من قبل الا ربما بعد عامين من الآن وهذا مرتبط في الأساس بتحسن الأحوال الاقتصادية. نزاعات قضائية ويقول الخبير العقاري حسان عدي ان حالة الركود في سوق العقارات أوجدت اضطرابات كثيرة وخاصة بين ملاك العقارات والوسطاء وشركات التأجير, فقد أخذ الكثير من الوسطاء العقارات من الملاك مقدما لمدة سنة على الأقل وأعطوهم شيكات وطرحوا هذه العقارات في السوق للايجار بأسعار مرتفعة جدا عن الأسعار التي أخذوها بها من الملاك, ولم يجدوا لها مستأجرين بينما المستأجرون الموجودون في بعضها تركوها بسبب ارتفاع الايجارات, وأصبح لزاما على هؤلاء الوسطاء أن يسددوا للملاك الشيكات المستحقة عليهم. ويقول عدي ان سوق العقارات راج ونشط بشكل كبير في الأعوام العشرة الماضية, وهذا دفع الملاك والوسطاء وشركات البيع والتأجير الى رفع الأسعار بشكل مستمر, واعتاد هؤلاء على الحصول على دخول كبيرة من وراء العقارات, وعندما أصاب الركود الأسواق خلال الفترة الماضية لم يستطع الكثيرون الوفاء بالتزاماتهم تجاه الملاك أو البنوك التي منحت قروضا كبيرة بضمان هذه العقارات, وأكثر من ذلك ان عمليات البناء مستمرة وخاصة في الاسكان الفاخر, وهناك أكثر من أربعين بناية في الشارقة سوف تدخل السوق قريبا, وسوف يزداد العرض أكثر بكثير عن الطلب, وهو الأمر الذي ينبئ بمزيد من الاضطرابات في السوق. ويقول ان الشركات الكبيرة في السوق لا تتعرض لهزات وأزمات مثل الشركات الصغيرة لأن الأولى تحتكر نسبة كبيرة من السوق, والشركة الواحدة منها تعمل في أكثر من مائة بناية في دبي والشارقة معاً, وتعوض خسائرها في مناطق عن طريق رفع الايجارات في مناطق أخرى, أما الشركات الصغيرة التي تعمل في عدد محدود من البنايات فهي التي تتعرض أكثر للخسارة والانهيار. ويقول عدي هناك محاولات لتنشيط السوق في دبي عن طريق تنشيط القطاعات الاقتصادية الأخرى والجذب السياحي والتجاري, ولكن النتائج الايجابية لهذه المحاولات غير واضحة حتى الآن, والظروف الحالية لا تنبئ بتحسن قريب في سوق العقارات. أبعاد قانونية ومن المؤكد ان أية ظاهرة اقتصادية لابد وان يكون لها أبعادا قانونية وخاصة مع التطورات التي حدثت في سوق العقارات في دولة الامارات ومن المكتب العربي الدولي للمحاماة والاستشارات القانونية يقول المستشار القانوني (أحمد عبد الباقي) ان النزاعات والمشاكل في قطاع العقارات والبناء والاسكان بدأت تظهر بشكل واضح في الفترة الماضية على مدى عام ونصف. ويمكن القول ان هذه النزاعات كانت نادرة في دولة الامارات قبل ذلك, وربما يرجع هذا الى الرواج الاقتصادي بشكل عام وفي قطاع العقارات بشكل خاص الذي شهد رواجا كبيرا في العقدين الماضيين, وقد أدى هذا الرواج والازدهار الاقتصادي الى استقرار الأوضاع والعلاقات بين أطراف العلاقات القانونية في سوق العقارات, وعلى ما يبدو ان هذا بدوره أدى إلى عدم اعطاء اهتمام كبير للتشريعات القانونية في هذا المجال وخاصة في تشريعات الاجراءات المدنية, حيث ما زالت هناك مراسيم بقوانين في كل امارة على حدة رغم ان سوق العقارات أصبح متداخلا في بعض الامارات مثل دبي والشارقة وعجمان, والشركات العقارية تمارس نشاطها في الامارات الثلاث في وقت واحد, وهناك شركات مقرها في دبي وتمارس نشاطها العقاري في الشارقة وعجمان, ورغم هذا لم يتم تعديل القانون ولم يطرح فكرة وضع تشريع اتحاد للاسكان مثلما هو موجود في الدول الأخرى, مشكلة أخرى تواجه نظر المنازعات والمشاكل التي انتشرت في سوق العقارات مؤخرا وهي ان غالبية هذه النزاعات ما زالت تنظر أمام لجان البلديات وخاصة نزاعات الاسكان مثل الاخلاء والطرد لعدم سداد الايجار أو لمخالفة بنود العقد أو شكاوى المستأجرين ضد الملاك والوسطاء. دور القضاء ويقول المستشار عبدالباقي ان النزاعات في هذا القطاع أصبحت من الجدية والخطورة بحيث يجب نظرها مباشرة ومنذ البداية أمام القضاء, وليس أمام لجان البلدية, والأكثر من ذلك خطورة الآن ان قرارات لجان البلدية لا يطعن فيها إلا أمام محاكم الاستئناف, أي ان القواعد الحالية تساوي قرارات لجان البلدية بقرارات المحاكم وأحكامها, وهذا في حد ذاته يعد خللا تشريعيا لان قرار اللجان قرار إداري وليس قضائي, واعطائه هذه القوة القانونية يضيع حقوق المتقاضين وفرص التقاضي. ويضيف بأنه يتوقع مع استمرار الركود في الأسواق فإن النزاعات سوف تزداد في قطاع العقارات. ويقول: من الضروري التدخل وبسرعة لوضع حد للاضطرابات في هذا السوق الهام ويجب الاسراع بتعديل التشريعات القانونية السائدة حاليا والسعي لاصدار تشريع اتحادي موحد للاسكان. تحقيق مغازي البدراوي