من الواضح ان الاقطار العربية مطلوبة بشكل أو بآخر للانضمام إلى ركب العولمة لكن منفردة, أي كل دولة على حدة, وهو ما يراه البعض, ومنهم د. يوسف الصايغ, شكلا جديدا للغزو الاقتصادي الذي تقوم به الدول الكبرى . ويمكننا أن نلاحظ لدى الحديث عن هذا الموضوع أن العديد من الاقتصاديين العرب يتجنبون تقديم تعريف للعولمة, وعوضا عن ذلك يجري الحديث عن الاشكال التي تتجلى فيها, فالعولمة هي تحركات وتدفقات وأنشطة على مستوى العالم, بدلا من أن تكون على مستوى الأقطار منفردة ويغطي ذلك المجالات المالية والتكنولوجية والاعلامية والاقتصادية والثقافية. وآلية العولمة هي البلدان المتقدمة صناعيا أو بالأحرى اقتصادات البلدان المتقدمة صناعيا, والشركات الكبرى متعددة الجنسيات, وهي ليست وليدة لحظات قليلة, بل هي تراكم لعمليات تطويرية شهدها العالم عبر عقود عدة, وبالتالي فإنه يمكن أن ننسب أبوتها إلى البلدان الصناعية, لانها هي القادرة على أن تتناول هذه الأنشطة على مستوى عالمي, بدلا عن المستوى القطري أو الاقليمي. إن التحركات المالية الآن تعتبر من نوع المضاربة المالية تفوق كثيرا التحركات الناجمة عن التجارة العالمية, ويقصد بذلك استخدام الأسواق المالية وذلك لأغراض. إن حجم هذه العولمة من الضخامة بحيث انه يصعب التحكم بها في بلد واحد, حتى ولو كان هذا البلد هو الولايات المتحدة الأمريكية. لقد باتت العولمة تيارا منطلقا, إنما تبقى المشكلة في كيفية التعاطي معه. إن من الصعب, بل ربما من المستحيل, التحكم بالعولمة, لما هي عليه من تشعب ثقافي وعلمي اضافة إلى ضخامة حجمها, كما ان ارتباط العولمة بنظام السوق يجعلها (قاسية جدا) خاصة في ظل المفهوم الأمريكي لاقتصاد السوق, والذي يعتبر قاسيا على البلدان النامية, لان حجم التعاملات وسرعتها, تجعل من شبه المستحيل على البلدان النامية اللحاق بركب العولمة والاتساق معها. كما انه نتيجة لسرعة التطورات التكنولوجية والانتاجية, أصبح من المتعذر على البلد النامي التحرك بالسرعة اللازمة التي بالكاد يستطيع من خلالها تحسين صناعته التحويلية تدريجيا, بينما لا تمكنه هذه السرعة من دخول ساحة المنافسة العالمية بالقوة المطلوبة. ازاء هذه التطورات شهدت العديد من مناطق العالم اهتماما متزايدا بموضوع الاندماج مثل جنوب شرق آسيا, وأمريكا اللاتينية. لذلك بات أمام العرب مهمة صعبة تتألف من شقين: أولا, ادراك حقيقة العولمة وأبعادها وخطورتها, وثانيا, الاهتمام بسبل تخفيف وطأتها وقساوتها وسبل مواجهتها. لقد بات من الضروري أن يقف صناع القرار الاقتصادي في الدول العربية طويلا أمام اتجاهات وافرازات العولمة, لاستخلاص العبر والدروس التي تمكنهم من اتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب وأهمها السعي للاسراع باقامة السوق العربية المشتركة. كما ان الدول العربية مطالبة بتعزيز دور المدخرات الوطنية في تمويل النمو الاقتصادي واحكام الرقابة على المؤسسات المصرفية والمالية, وذلك بوضع ضوابط ومعايير مالية كمية محددة لسياساتها الائتمانية في مجال الاقراض والتمويل والاستثمار في الأسواق المالية الدولية والمحلية على حد سواء. كما توجد ضرورة لضبط وتوجيه الاستثمارات الأجنبية في المشروعات الانتاجية طويلة الأجل التي تخدم وتعزز من أدائها الاقتصادي, وأن تعمل على فتح أسواقها المالية للاستثمار الأجنبي بكثير من التروي والتدرج, حتى لا تصبح هذه الأسواق رهينة لقرارات المضاربين المزاجية والمتقلبة. كما تبرز أهمية العمل بالشفافية والوضوح في سياساتها واجراءاتها الاقتصادية واجراء الاصلاحات الاقتصادية المناسبة دون أي تردد من خلال دراسة الاختلالات الاقتصادية وتبني الاستراتيجيات والسياسات الكفيلة بعلاجها قبل حدوث أية أزمة, اضافة إلى استمرارها في تنويع القاعدة الاقتصادية وتعزيز العمل الاقتصادي المشترك.